الذكرى 68 للاستقلال: في ضرورة سردية جامعة تبني المستقبل

لو أن زائرا أجنبيا حط الرحال يوم أمس 20 مارس 2024

في مطار تونس قرطاج وانطلق منه في جولة بربوع البلاد، ما كان بمقدوره أن يعلم بأن البلاد تحتفل بالذكرى الـ68 للاستقلال إلا اذا تم إخباره بذلك، هنا قد تتبادر لذهن هذا الزائر عدة أسئلة محتملة، أولها لماذا هذا الفتور في الاحتفال وكان اليوم «يوم عطلة مدفوعة الأجر» مفرغ من اية دلالة او من أي معنى وجداني وسياسي وثقافي يسمح بتجميع التونسيين.

فقد كان يوم أمس فاترا باهتا لا يوحي من قريب ومن بعيد بأن هناك حدثا جللا يستوجب ان يحتفي به التونسيون، بالامس كان عيد الاستقلال الوطني، وهذا ما حملته اللاّفتات التي زينت بها بعض الشوارع في مختلف المدن التونسية جلّها وقع تركيزها خلال اليومين الفارطين من قبل المصالح البلدية كنشاط «روتينيا» شبيه بالاحتفال بعيد الشجرة او حلول شهر رمضان وعيد الفطر او أية مناسبة رسمية او دينية بات من التقاليد الاحتفال بها.

فقد غابت الحفاوة والاحتفال او مظاهر تعظيم الذكرى، على الصعيدين الرسمي والشعبي، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا بين الحاكم والمحكوم بأن اليوم لا يستوجب الكثير من الهالة ولا التقدير والحفاوة، ولكل دوافعه وأسبابه، اسوة بالمرشحين المحتملين الى الاستحقاق الرئاسي وكلماتهم بالمناسبة.

اقتصرت السلطة السياسية على ما هو برتوكولي، بيانات وعفو رئاسي بالمناسبة ويوم عطلة مدفوع الأجر، للحفاظ على نواميس دولة الاستقلال مع التمايز عنها بجعل الأمر بسيطا مختلفا كليا عما كان عليه، اذ يحتفل بيوم الاستقلال في السابق رسميا بشكل مبهرج يمكن السلطة من احتكار سردية الاستقلال وتطويع تاريخ البلاد ليكون تاريخ السلطة وصاحبها، كما يوظف كمناسبة للحديث عن منجزات الدولة والنظم السياسية التي تعاقبت على تونس إلى غاية 2011.

في الفترة التي سبقت الثورة كان جليا حرص الدولة ومؤسساتها على الاحتفال بعيد الاستقلال وجعله محطة سياسية هامة لاعادة ضبط وفرض إرادتها على الفضاءات العامة، ليخبو تدريجا بريق الاستقلال مع انتكاسات شهدتها البلاد جراء التغييرات الاجتماعية والمجتمعية التي شهدتها تونس على امتداد نصف قرن احدث مسافة بين أجيال جديدة لم تعايش الاستعمار و جيل ساهم في الاستقلال وقع في ما يشبه القطيعة مع الأجيال التي لحقته والتي عاشت على وقع خيبات دولة الاستقلال وبداية خطاب مشكك في الاستقلال. هذا الخطاب وجد طريقه إلى مؤسسات الدولة بعد الثورة التي فتحت الفضاءات العامة للتونسيين الذين تشتتوا بين التيارات السياسية التي عملت بدورها على وضع سردية جديدة للاستقلال تلقفها شارع متحرك يبحث عن تعريف نفسه باسم «نحن الشعب».

«نحن الشعب» هو التصريح اللغوي طويل المدى كما تقول جوديث بيتلر ، الاكاديمية في جامعة كالفورنيا، في نص مساهمتها في الكتاب الجماعي Qu'est-ce qu' un peuple ? ما هو الشعب؟، الذي أشارت الى ان الشعب يتشكل بداية بتصريح لغوي يعبر فيه عن مطالب أو عن رغبات، أو يعلن عن حركات قادمة ومطالبات سياسية. المهم ان يكون تصريحه مقدمة تفتح السبيل إلى مجموعة تأكيدات مخصوصة، أي بداية جملةٍ تُهيئ لمطلب سياسي مهم.

بهذا المعنى قد يكون التونسيون قد بحثوا بعد الثورة عن ماهيتهم في الاستقلال والثورة ومطالبهم منهما ورغباتهم لكن الانتكاسات تتالت ودفعت شق منهم الى القنوط وشق اخر الى الحنين باستحضار الماضي، كل من الشقين عبّر بشكل صريح عن واقع تونسي الراهن يغيب فيه الامل.

أمل قد لا تشكل سردية جامعة للاستقلال محفزا رئيسيا له ولكنها توفر على الاقل «قصة جامعة» للتونسين عن استقلالهم وعن تشكيل دولتهم الحديثة وعن أدوارها ومهامها وعن مكانهم في فضائها وعن ماهيتهم والممكن المتاح لهم فيها، قصة قد تسمح بصياغة عقد جامع لكل التونسيين، دون اغفال ان تفاصيل التاريخ مهمة لا فقط من الجانب الأكاديمي بل كذلك المعرفي والسياسي.

سردية جامعة قد تضع حدا للاستقطاب الحاد باسم الوطنية والوطن وتضع حد للتخوين واقصاء التونسيين بذرائع سياسية عدة، وهذا قد يكون بداية جيدة لفتح النقاش العام حول الاستقلال وما يعنيه لنا نحن التونسيين، وما وما يعينه في ظل العولمة والمنظومة الدولية الراهنة…الخ

نقاش سيمتد ليشمل المسألة الاقتصادية والاجتماعية، التي تلقي اليوم الازمات فيها بثقلها على البلاد والعباد الذين باتوا يكابدون لتوفير مقومات العيش الكريم

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115