رئاسة الجمهورية من قابس إلى لقاءات القصر : كسر العزلة داخليا وخارجيا.. استعدادا لجولة جديدة

يبدو ان الازمة السياسية الراهنة لا يمكن فهمها الا اذا نظرنا اليها على انها صراع بين مؤسسات الحكم، وسيمكننا ذلك من فهم بعض الخطوات التي تأتي من هنا او هناك.

ففي اي صراع توجد استراتيجية عامة تكشف عن نفسها بخطوات تكتيكية.

كان ما يحدد خطوات كل طرف من اقطاب الصراع طوال الازمة الراهنة الاجابة عن اسئلة من بينها هل ان حركته/خطوته ستعزز التموقع الراهن او الانتشار في مساحات جديدة ؟ وهل تمهد لخطوات اخرى تحقق فائدة تكتيكية و إستراتيجية ؟ .
يبدو ان هذه الاسئلة كانت حاضرة بقوة في اذهان قطبي الصراع، رئاسة الجمهورية من جانب. ورئاسة الحكومة والأغلبية البرلمانية من جانب اخر. والناظر الى الخطوات السابقة لكل طرف سيجد نمطا يتكرر وهو تحقيق كل خطوة لغرضين معا. الدفاع والهجوم. ولعل افضل مثال هي نشاطات الرئيس في نهاية الاسبوع الفارط وبداية هذا الاسبوع.
وقد نشرت صفحة الرئاسة يومي الاحد والاثنين حزمة أنشطة الرئيس وأهمها زيارته لولاية قابس لتقديم واجب العزاء لأهالي قتلى حادث مصنع الإسفلت ومنها زيارته الى الحامة. اما بداية الاسبوع فقد خصصت للقاءين. الاول مع فريد بلحاج نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. والثاني مع سفيري الولايات المتحدة «دونالد أرمين بلوم» و كندا «باتريس كوزينو».

انشطة الرئيس وان انفصل بعضها عن البعض الآخر الا انها تجد ما يجمع بينها إذا ما تعلق الامر باستراتيجيات المواجهة التي يعتمدها الرئيس. من ذلك خيار الزيارة الى مدينة الحامة من ولاية قابس مسقط راس غريمه في الصراع راشد الغنوشي رئيس مجلس النواب والتجول فيها محاطا بحشود من المواطنين يهتفون باسمه. صور كفيلة بشرح نفسها. فالرئيس يعلن هنا ان قاعدته الشعبية ممتدة لتشمل «قواعد النهضة» في معاقلها وهي بمثابة رد غير مباشر عن مسيرة 27 فيفري الفارط.

هذه الزيارة تضمنت ايضا كلمة القاها الرئيس ليجعل منها اعلانا «لحرب على الفساد». و كانت مختلفة قليلا عن خطابته السابقة. والاختلاف يكمن في انه قلص قليلا من درجات غموضه في الحديث عن الفساد وعن ضرورة وقف ظاهرة «الافلات من العقاب» او عن ضرورة عدم التهجم على من يقاوم الفساد..الخ.
تلك الكلمة يبدو انها تنقل سردية الرئيس الى مراحل جديدة لن تتضح ملامحها بشكل جلي إلا في الايام او الاسابيع القادمة. وإثرها قد يشكل فعليا فرزا على قاعدة جديدة صاغتها الرئاسة.

نشاط الرئيس يوم الاحد الفارط. اذا نظرنا اليه كوحدة مترابطة سيكون بمثابة خطوة هدفها الرئيسي استعادة الشارع من الحزام البرلماني وتحديدا من النهضة ليقول بشكل غير مباشر ان مسيرة 27 فيفري لا تغير طبيعة المعادلة اذا تعلق الامر بمن له ثقل في الشارع.

هذه نقرة، اما الثانية هي انشطة الرئاسة يوم الاثنين الفارط. اولها لقاؤه مع فريد بلحاج نائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وما تلا ذلك من اعلان عن تخصيص 300 مليون دولار اي ما يعادل 800 مليون دينار تونسي ستوجه لدعم العائلات الفقيرة تحت اشراف الرئاسة وفق بلاغها. وهنا ما لم تقله الرئاسة بشكل صريح ولكنها لمحت اليه هو ان المؤسسات المالية الدولية لم تعد لها ثقة في حكومة المشيشي.

لاحقا وقبل ان تغرب شمس الاثنين عقد الرئيس لقاء مع سفيري الولايات المتحدة الامريكية وكندا، ويبدو انه يستعد لقعد لقاءات مع سفراء وومثلي بعثات دبلوماسية اخرى. هذا اللقاء الذي قال بلاغ الرئاسة انه كان فرصة للتأكيد على عمق وعراقة الروابط التاريخية التي تجمع تونس بكلّ من الولايات المتحدة وكندا وبحث سبل تعزيزها وفتح آفاق أرحب للتعاون مع البلدين في مختلف المجالات.

لكن ما لا يقوله البلاغ ان اللقاء رد على الانتقادات التي توجه الى الرئاسة وضعف النشاط الدبلوماسي لتونس والحديث عن ان الرئيس «معزول» دوليا. اذ ان الرئاسة باتت تحرص على ان تكسر هذا التوصيف الذي يعتمده خصومها بلقاءات ومحادثات كلها تخدم غرضا وحيدا وهو ان للرئيس سياسة خارجية مختلفة ولكنه غير معزول.
ما يراد من هذا هو القول بان رئيس الجمهورية قيس سعيد متمكن من منصبه وقادر على القيام به بطريقة مختلفة تحقق النجاعة. هذه الصورة يراد لها ان تحل محل النقد الذي يستهدفه وهي خطوة يراد منها تقليص جبهة الانتقادات الداخلية والحشد خلف الرئيس في مواجهة الخصوم.
هؤلاء الخصوم تحرك الرئيس لكسر حصارهم عليه او كما كان خصومه يسوقون لاضعاف حزامه وجعله معزولا. كسر العزلة واستعادة الحلفاء والانصار يبدو انه يمهد لخطوات اخرى سينتقل فيها الرئيس الى الهجوم المباشر والصريح على الحكومة والاغلبية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115