باب القرآن: من بصائر القرآن (2)

الموضع الثاني: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم" البقرة:84. فالمراد من كلمة "أنفسكم" أي:

إخوانكم؛ لأنّ الإنسان لا يخرج نفسه من داره، بل يُخرجه غيره؛ ولذا قال بعدها "وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان"البقرة:85، فكأن الله تعالى يقول: لا تخرجوا إخوانكم الذين هم بمثابة أنفسكم...هل أحد منكم يقبل بأن يُهَجِّر نفسه من داره، ويسلمها لأعدائه أو لخصومه؟
الموضع الثالث: "ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم" البقرة:85، وهم في الحرب لا يقتلون أنفسهم، بل يقتلون إخوانهم، ولكنه بَشَّع ما يفعلون بإخوانهم وشنَّع، كأنهم يقتلون أنفسهم، كما أن التعبير يدل على ما يجب أن يكون من العطف واللطف والمحبّة تجاه الآخر المسلم، وصورت الآية هذه الصورة العجيبة التي تجعل مباشر الاعتداء يرتدع عن عدوانه؛ لأنه لن يعتدي على أخيه بل على نفسه.

الموضع الرابع: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" البقرة:188، قال الطبري: "يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل، فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل". فلا يوجد من يأكل ماله بالباطل، فالإنسان يأكل ماله بالحق، والباطل حرق للمال وإتلاف للثروة بالظلم، والإنسان لا يفعل هذا بماله، فيكون المعنى: لا تأكلوا أموال إخوانكم، ولكنه نسب الأموال إليهم، كأنه يقول: كما لا تحبون أن يأكل أحدكم مالكم، كذلك لا تأكلوا أموال غيركم وحقوقهم".

الموضع الخامس: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" النساء:29 ، فقد ذكر المفسرون في قوله: "ولا تقتلوا أنفسكم" عدّة معانٍ، من أوجهها: ولا يقتل أحدٌ منكم أخاه. وتحتمل معانٍ أُخر، مثل الانتحار بأن يقتل الإنسان نفسه، إلا أن من معانيها أن لا يقتل بعضكم بعضاً، روى السيوطي عن مجاهد وغيره: "ولا تقتلوا أنفسكم" لا يقتل بعضكم، قال: بعضاً، وفي تفسير مقاتل بن سليمان: "لا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأنكم أهل دين واحد".

الموضع السادس: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين" النور:12، والإنسان غالباً يظن بنفسه خيراً، فالمقصود هنا: ظنوا بإخوانهم، وكأن الله يقول: كما لا يحب الإنسان أن يظن به غيره إلا خيراً، كذلك يجب أن يظن الأمر ذاته بغيره، فلا يظن به سوءاً، ولا يتكلم عنه إلا خيراً، كما لا يحب أن يتكلم أحدٌ عنه إلا بالخير، ولذا قال الطبري: "وهذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة بما أرجف به، يقول لهم تعالى ذكره: هلا أيها الناس إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة ظن المؤمنون منكم والمؤمنات بأنفسهم خيراً: يقول: ظننتم بمن قرف بذلك منكم خيراً، ولم تظنوا به أنه أتى الفاحشة، وقال "بأنفسهم"؛ لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة؛ لأنهم أهل ملّة واحدة".

يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115