شخصيات: الشيخ محمد المختار بن محمود

محمّد المختار ابن شيخ الاسلام الحنفي محمود بن محمود من أقطاب الجامعة الزيتونيّة ومن أبرز أعلام الشريعة.

ولد بتونس وبها نشأ وتفقّه بجامع الزّيتونة الأعظم. وفي سنة 1938 تصدّر للتّدريس وقام بدور الدّفاع عن مقوّمات شخصيّة تونس العربيّة الاسلاميّة، ضدّ جميع محاولات التمسيح والتّغريب والادماج والفرنسة. وكان دوما في مكان الصّدارة بين الطّلاب الزّيتونيين الشّباب الذين يناضلون من أجل إصلاح التّعليم الزّيتوني، وتعريب الإدارة وتحرير البلاد من ربقة الاستعمار... وقد اضطلع بخطة مفت حنفي، وكاهيّة شيخ الاسلام. وكان عضوا بالمجمع اللّغوي بالقاهرة.

ولقد نشر الشّيخ محمّد المختار بن محمود كثيرا في صحف العصر ومجلاّته وخاصة في «المجلّة الزّيتونيّة» الشّهيرة وقد كان رئيسا لتحريرها من سنة 1936 إلى سنة 1955. كان محمّد المختار بن محمود يلقّب بالشّيخ الفقيه وكان شخصيّة طريفة للغاية، ويبدو لمن لا يعرفه غريب الأطوار.
لقد كان إنسانا اجتماعيّا إلى أبعد مدى لذلك كان يلذّ له أن يزور أصدقاءه وزملاءه... وكان دقيقا جدّا في مواعيده لا يخالفها بل يحتجّ بصرامة على كلّ من لا يحترم الوفاء بوعده وبخاصّة في مناسبات الزّواج والختان وما إلى ذلك.

وكان الشّيخ محمّد المختار بن محمود، إلى جانب شواغله الكثيرة، لا يترك مناسبة ثقافيّة أوغير ثقافيّة (تأبين، حفلات استقبال)، إلاّ حضرها واحتلّ مكان الصّدارة فيها ولا يعوقه عن الحضور شيء، فهو يتابع الأحداث لحظة بلحظة، كلّفه ذلك ما كلّفه، مشاركا في المناقشات حينا وسائلا أو معقّبا في أغلب الأحيان. وهو في ذلك كلّه منتبه وملاحظ لكلّ ما يصدر عن النّاس من أقوال أو أفعال أو ردود أفعال. ولا يترك شاردة ولا واردة إلاّ دوّنها بكلّ دقة وأمانة في كنّشه. لذلك يعتبر الشّيخ محمّد المختار مؤرّخ يوميّات أو أحداث، ولمدوّناته حول القضايا والأحداث الوطنيّة والاجتماعيّة والأشخاص الذين عايشهم قيمة لا تضاهى باعتبارها مادة لكتابة التّاريخ الاجتماعي. لكن أين هي اليوم تلك الكنانيش الكثيرة؟ كان الشّيخ الفقيه متواضعا ومهذّبا إلى أبعد الحدود لكنّه لا يخاف في الحقّ لومة لائم. وكان يعلن لطلاّبه وبعض زملائه شعار حياته الدّائم وهو المغامرة، ودخول كلّ مكان للاطلاع والبحث فقط لا للمشاركة. وكان يلذّ له أن يقول: «إذا احترت أمام طريقين: طريق خَطرة وأخرى أكثر خطورة فإنّي أختار الطّريق الأكثر خطورة!».

وكان الشّيخ الفقيه لا يتسامح إطلاقا في المناسبات الرّسميّة في أن يتقدّم عليه أحد فهو كالطّود أمام الجميع دوما، نظرا إلى تفوّقه بدنا وسنّا وهيبة. وممّا يؤثر عن الشيّخ الفقيه أنّه حزن حزنا شديدا لمّا فقد صديقه المفضّل العلاّمة محمّد الفاضل ابن عاشور الذي كانت تربطه به صداقة عائليّة وشخصيّة ترفع فيها الكلفة والمجاملة أحيانا إلى المعارضات الأدبيّة الفكهة والتندّر... توفي الشيخ محمد المختار بن محمود في منتصف ديسمبر 1973.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115