حدائق القرآن: عبادة واستعانة من فيوضات سورة الفاتحة

نكرر باستمرار خطابنا لربّ العزّة في سورة الفاتحة «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» مقرّين في نفس الوقت وجامعين بين العبادة والاستعانة معترفين بافتقارنا إلى عبادة ربنا وحاجتنا إليه طالبين الاستعانة بالله سبحانه والتوكّل عليه..

هي آية بأربعة كلمات مقسومة نصفين بين الرب وبين عبده فنصفهما له تعالى، وهو «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» ونصفهما لعبده وهو «إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» .
هي آية جامعة لدرر وفرائد وفوائد :

1 - تقديم مفعولي نعبد ونستعين فـ إيَّاكَ الأولى والثانية مفعول به مقدّم على الفعلين «نَعْبُدُ» و«نَسْتَعِينُ»...يقصد من هذا التقديم التخصيصَ والحَصْر ومعنى ذلك نخصّك بالعبادة، ونخصّك بالاستعانة، فلا نعبد إلاّ إياك، ولا نستعين إلا بك؛ فلو قيل: نعبدك ونستعينك دون «إياك» ، لم يفد نفي عبادتهم لغيره .

2 - تكرار ضمير الفصل «إياك» للتنصيص على طلب العون منه تعالى والتأكيد على قوة الاقتضاء..

3 - التعبير بالعبادة والاستعانة بلفظ الجمع لا الإفراد
إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام، المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم، فلو كان الخطاب بصيغة الفرد «إياك أعبد « لكان ذلك تكبراً ومعناه أني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان معناه أني واحد من عبيدك، فالأول تكبر، والثاني تواضع.
قال الشوكاني في فتح القدير: «والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد وقيل: إن المقام لما كان عظيمًا لم يستقل به الواحد استقصارًا لنفسه واستصغارًا لها فالمجيء بالنون لقصد التواضع لا لتعظيم النفس».

4 - اقتران العبادة بالاستعانة للدلالة على أن العبد لا يستطيع أن يقوم بأي عبادة إلا بإعانة الله وتوفيقه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه العبادة. وعلاج لغرور العبد وكبريائه.

5 - إطلاق العبادة والاستعانة لقصد التعميم فالعبد محتاج للاستعانة بكلّ صورها في مختلف العبادات بكلّ صورها .

6 - الالتفات من الغيبة إلى الخطاب فبداية سورة الفاتحة يتحدّث العبد عن الحضرة الربانية بصيغة الغائب «الحمد لله رب العالمين» ثم يتحوّل الكلام إلى خطاب وسر هذا الالتفات أن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات، بلغت به الفكرة منتهاها فتخيّل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربّه بالإقبال، ولذلك تخلص الكلام من الثناء إلى الدعاء، والدعاء يقتضي الخطاب....فالثناء يحْسُنُ فيه الإِعلانُ العامّ، وهذا يلائمه أسلوبُ الحديث عن الغائب، والعبادةُ الدّعَاءُ يَحْسُنُ فيهما مواجهة المعبود الْمَدْعُوّ بالخطاب.
يقول البيضاوى: «ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات، وتعلق العلم بمعلوم معين، خوطب بذلك أي يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة؛ ليكون أدل على الاختصاص وللترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود، فكأن المعلوم صار عيانا والمعقول مشاهدًا والغيبة حضورًا» .

7 - تقديم العبادة على الاستعانة :
*يعدّ من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها..
*إن ّ «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» متعلق بألوهيته واسمه الله وقد تقدّم في «الحمد لله» ، «وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» متعلّق بربوبيته، واسمه الربّ وقد جاء ذلك في «ربّ العالمين» ، فقدم إياك نعبد على إياك نستعين، كما قدم اسم الله على الرب في أول السورة.
* إن «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» قسم الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به وإنّ «وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو «اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ» إلى آخر السورة.
* إن الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس؛ ولأن الاستعانة طلب منه والعبادة طلب له.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115