طريق الجنّة التواضع

من أحسن أخلاق الصوفية التواضع، ولا يلبس العبد لبسة أفضل من التواضع، ومن ظفر بكنز التواضع والحكمة، يقيم نفسه عند كل أحد مقدارا يعلم أنه يُقيمه، ويُقيم كل أحد على ما عنده من نفسه، ومن رُزق هذا فقد استراح وأراح، وما يعقلها إلا العالمون.

إنه خلق حميد، وجوهر لطيف، ومن أخص خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شيم الصالحين المخبتين...
هو هدوء وسكينة ووقار واتزان، يتولد من قلب عالم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله...
هو انكسار القلب لله جل وعلا، وخفض الجناح والذل والرحمة للعباد...

من أعظم ما يتخلّق به المرء، فهو جامع الأخلاق وأُسّها، بل ما من خلق في الإسلام، إلا وللتواضع منه نصيب...
إنه خلق الأنبياء والمرسلين، وشيمة النبلاء والصالحين، وزينة الفضلاء والعارفين، تواضعوا للحق والخلق، عرفوا الحق فاتبعوه، والباطل فاجتنبوه.
ولا يكفي في التواضع العمل الظاهر، بل يجب أن يرافقه ويوافقه عمل الباطن، بتذلل القلب لله عز وجل والانكسار على أعتابه، «فإن وافقه القصد الخفي في النفس، بأن كان الحذر من انخداع الناس بظاهر استقامته وصلاحه، فذلك هو التواضع الحقيقي الذي يفسّره التذلل بين يدي الله وإظهار الفاقة له، وإنكار أي قيمة أو مكانة للنفس».

فالمسلم يتواضع من غير مذلة ولا مهانة، فهو يعلم أن ذلك خلق أوجبه الله عليه، ولا يزيده به إلا رفعةً وسمواً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»

وروى البيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر: «أيها الناس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبّر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير»

التواضع اعتراف بحق الله وحق عباده، وحقيقته: «أن يتواضع العبد لصولة الحق. يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع».
وما بلغ الأنبياء والمرسلون والعارفون والصالحون المنازل العالية والأخلاق السامية إلا بالانقياد للحق، وتعظيم حقوق الخلق، فمن قبِل الحق وانقاد له، ولم يحقّر أحداً، وتواضع لعباد الله، فهذا هو المتواضع للحق والخلق، وهو القائم بحقوق الله وحقوق الخلق.
وقد سئل الجنيد عن التواضع، فقال: «خفض الجناح للخلق، ولين الجانب لهم».

وقال أبو حفص: «من أحبّ أن يتواضع قلبه فليصحب الصالحين وليلتزم بحرمتهم، فمن شدة تواضعهم في أنفسهم يقتدى بهم ولا يتكبّر... وقيل لبعض الحكماء: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها، وبلاء لا يرحم صاحبه عليه؟ قال: نعم، أما النعمة فالتواضع، وأما البلاء فالكبر».

وإذ تبينت أهمية التواضع في طريق السير إلى الله تعالى، ومعناه الحقيقي ذي الأنواع الثلاثة: تواضع مع الله عز وجل، وتواضع مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع الخلق أجمعين، كان لزاما على المؤمن المجاهدة لتحقيق هذا الخلق، لأن الله سبحانه وتعالى يحب العبد المتواضع له، والشرف العظيم يُنال بالخضوع لله والتواضع للمسلمين، ولين الجانب لهم، واحتمال الأذى منهم، والصبر عليهم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115