أدباء في القلب والذاكرة: نورالدين بن محمود (1914 /1990) الصحفي المشهور والشاعر المغمور

هو شاعر له ديوان مخطوط كما أنّه نشر البعض من قصائده باسم مستعار ولكن قل من يعرف من شبابنا اليوم أنه شاعر وكاتب أغان ومسرحيات إذاعية وأنه شارك في تمثيل العديد منها فقد عرف في الأوساط الثقافية والأدبية بأنه صحفي عمل في الإذاعة وانشأ عدة صحف

ومجلات وكتب بالعربية والفرنسية في عديد الجرائد في تونس وفي فرنسا التي هاجر إليها اضطرارا وعاش فيها ردحا من الزمن ذلك هو الأديب نورالدين بن محمود الذي ينطبق عليه قول أبي القاسم محمد كرّو علم منسي حقا رغم إشعاعه في المجال الإعلامي ورغم ثراء وتنوع تجربته الأدبية

عن الأديب نورالدين بن محمود تحدث محمد اليعلاوي وعبد العزيز قاسم والشاذلي بن يونس في لقاء نظمته جمعية قدماء الصادقية في 16 أكتوبر 2014 احتفاء بمرور مائة عام على ميلاده وذلك بفضاء دار الكتب الوطنية وعنه أصدر الحبيب شيبوب كتابا عرف به وبمسيرته وببعض إنتاجه الأدبي وذلك ضمن سلسلة ذاكرة وإبداع التي يصدرها مركز الاتصال الثقافي الراجع بالنظر إلى وزارة الثقافة كما صدر عنه كتاب للصحفي والكاتب علي الجليطي بعنوان «نورالدين بن محمود علم من رواد الإعلام» وكانت مجلة الثريا في احد أعدادها الصادرة سنة 1947 قد نشرت قصيدة لشاعر نفطة سالم الضيف في الترحيب بنورالدين بن محمود الذي زار نفطة آنذاك كما نظم له في جوان 1935 حفل تكريم بمناسبة حصوله على الليسانس في الآداب العربية من جامعة بوردو (فرنسا) أنشد خلاله الشعراء العربي الكبادي وجلال الدين النقاش ومحمود بورقيبة قصائد اثنوا فيها على تألقه في مجال العلم والمعرفة

تفاصيل حياته ومسيرته المهنية
ولد نورالدين بن محمود يوم 16 أكتوبر عام 1914 في مدينة تونس حيث كان والده الصادق بن محمود التركي من سكان المدينة العتيقة كما كان له معمل نسيج بنهج سيدي مردوم في حارة اليهود. يقول نورالدين بن محمود متحدثا عن جذوره العائلية ما يلي «جدّي للأم من الساقية الحمراء بالمغرب الأقصى أما جدّي للأب فهو من أسرة تركية وتحديدا من إزمير وكلاهما حمل الجنسية التونسية أمّا أنا فكنت نبتة جمعت بين أقصى المغرب وأقصى المشرق « ويضيف »كان زوج عمتي (تركي) وقد كان بارعا في إصلاح الساعات ودكانه في باب سويقة بتونس (بجوار مكتب البريد) وذات يوم ركب الباخرة قاصدًا الإسكندرية (مصر) ولم يعد مدى الحياة».

لقد عاش الأديب والإعلامي نورالدين بن محمود طفولته في المدينة العتيقة وتلقى مبادئ القراء والكتابة وحفظ القران في « الكتّاب» بنهج الطرودي قبل أن يلتحق في شهر أكتوبر سنة 1922 بالمدرسة القرآنية الأهلية بنهج سيدي بنعروس- ومديرها آنذاك الشيخ محمد مناشو المثقف والأديب هو الآخر. وبعد أربع سنوات من التعلمّ انتقل إلى مدرسة خير الدين باشا وهي مدرسة عربية فرنسية وبعد عامين تحصل على الشهادة الابتدائية أي سنة 1928 وهو ما خوّل له الالتحاق بالمدرسة الصادقية وعن هذه المرحلة يقول »في منتصف السنة الثانية من الدراسة الثانوية بالصادقية ضقت ذرعا بما كنت أقاسيه من امرأة الأب التي انتقمت مني لا لشيء إلاّ لأنها عاقر ولأنّ والدي كان يحبني ويعطف عليّ ويرعاني فلجأت إلى أمّي وإخوتي الثلاثة في بيت جدّي للأم وشرعت في العمل في مكتب خبير عدلي لدى المحاكم باجر محترم كنت أسلّمه لأمّي للإنفاق على جمعنا... وكنت في مساء كل يوم أحضر درسين لتحضير شهادة »البروفي» للترجمة بمدرسة اللغة والآداب العربية بسوق العطارين وبعد نجاحي حضرت في السنة الموالية دروس التحضير لشهادة الدبلوم التي ظفرت بها بعد عام».

وانتسب نورالدين بن محمود بعد ذلك إلى جمعية الأوقاف التي مارس فيها الوظيف حتى سنة 1938 تاريخ التحاقه بالإذاعة التونسية في خطة مذيع أول وفي عام 1943 أصبح هو الكاتب العام للقسم العربي خلفا لعثمان الكعاك ولكنه – لأسباب سياسية على ما يبدو – استقال منها اضطرارا في ماي 1946 أي بعد عام ونصف من الإشراف والتسيير.
في الأثناء كان نورالدين بن محمود قد انتسب بالمراسلة إلى كلية الآداب ببوردو في فرنسا ومنها أحرز الإجازة في الآداب (جوان 1935) وفي الأثناء أيضا كان قد أصدر الجرائد والمجلات التالية : مجلة الثريا (والتي كان يكتب افتتاحية كل عدد منها ومقالا بعنوان

»هل تريد أن تعرف « خصصه للتعريف بالأدباء التونسيين)ونشرة المروج (أسسها سنة 1935 ولكنّ العدد الأول منها صدر في غرّة نوفمبر 1936) ومجلة الجامعة (من جويلية 1937 إلى ماي 1938) واصدر أيضا جريدتي الأيام والأسبوع. كما ترأس تحرير مجلة الأفكار سنة 1936 وساهم نورالدين بن محمود بالكتابة في الجرائد التالية : النديم – الإرادة وساهم أيضا بالتحرير في الصفحة الأدبية لجريدة الزهرة. ولم يكتف نورالدين بن محمود بذلك حيث ساهم أيضا بالكتابة بالفرنسية في الصحف الناطقة بلغة الفرنسيين وخاصة: تونس المسائية – لابريس – الديباش.

هذا التمرس بالكتابة بالفرنسية جعله يبادر عندما انتقل للعيش في فرنسا بعد فراره إليها سنة 1956 هربا من تبعات انتصاره لشق صالح بن يوسف المطالب آنذاك بالاستقلال التام والتي لم يعد منها إلا سنة 1973 عندما أصدر بورقيبة عفوا على اليوسفيين ولكنه سرعان ما رجع الى فرنسا التي مكث فيها حتى 1989 تاريخ عودته النهائية لتونس حيث تفرغ لكتابة مذكراته. وفي باريس عمل في عدة وظائف منها شركة لترجمة الأفلام ثم في وكالة الأنباء الفرنسية وساهم في الكتابة بالصحف الفرنسية : باري ماتش – جورنال دي فرانس – وجريدة «أوريون» كما أنشأ هناك مطبعة (قرطاج) ومكتبتها لكنّه لم يحالفه النجاح وقد ديّج هناك أيضا مقالات بالعربية نشرها على صفحات مجلة (العربي) الكويتية وفي الصحف العربية خاصة منها أضواء عربية و المستقبل.
وتجدر الإشارة إلى أنّه وقبل أن يعود نورالدين بن محمود من فرنسا إلى البلاد التونسية بصفة نهائية (1989) كان قد أصدر هناك بمعّية الأديب السوري إحسان حقي (مجلة/ الجامعة) وهي مجلة سياسية وثقافية موجهة للمهاجرين أساسا كما انه قد تولى هناك ترجمة معاني القران وأصدر ذلك في كتاب تعددت طبعاته في فرنسا ولبنان.

نورالدين بن محمود شاعرا
كتب نورالدين بن محمود الشعر ونشر أغلبه بأسماء مستعارة على غرار (الصادقي) أو (مجدي) كما أنّه ترك ديوانا مخطوطا هو الآن محفوظ لدى ابنه وسيم (وهو مهندس شهير ) الذي صمم ساحة القصبة ومبنى قصر البلدية هناك ولدى ابنته الطبيبة (د.عطف بن محمود/طبيبة أسنان) ونأمل أن يعملا على نشره حتّى يمكن الاطلاع على تجربته في هذا المجال.. لقد كتب نورالدين بن محمود إلى جانب الشعر والمقال والتأملات والأغنية والرواية والمسرحية والأمل معقود ان يقع التفكير في جمع انتاجه الأدبي والفني ويصدر في كتاب أو أكثر وذلك حفاظا على تراثه من الضياع

وفي يوم 16 أكتوبر سنة 1990 غيّب الموت نورالدين بن محمود بعد أن أرهقه مرض السكري في أواخر أيامه لتكون مقبرة سيدي يحي بالعمران مثواه الأخير وفي هذه المقبرة الكثير من الأسماء التي أثرت الساحة الأدبية والثقافية في بلادنا.
أكثر من ربع قرن مضى على الرحيل الأبدي لهذا الإعلامي المتميّز والشاعر المنسيّ الذي نأمل في أن تلتفت إليه وزارة الشؤون الثقافية وأن يهتمّ خاصة بيت الشعر بنفض الغبار عن شعره وجعله بين أيدي القراء والشعراء والنقاد.

مراجع حوله
• عمر بن قفصية : أضواء على الصحافة التونسية
(1860 - 1970) دار بوسلامة للنشر –تونس 1972
• د جعفر ماجد : الصحافة الأدبية في تونس (1904-1955) - منشورات الجامعة التونسية (كلية الآداب تونس) 1979
• د محمد حمدان :أ علام الإعلام في تونس (1860 - 1956) - المركز القومي للتوثيق –تونس 1991
• الحبيب شيبوب : الصحافي والأديب نورالدين بن محمود
(سلسلة ذاكرة وإبداع ) – مركز الاتصال الثقافي (وزارة الثقافة)
تونس 2000 - علي الجليطي : نورالدين بن محمود علم من رواد الإعلام – طبع سنباكت تونس 2014
من أغانيه
• في قربك شعلت ناري : تلحين محمد التريكي
• يا للي هويتك قبل ماريتك :تلحين خميس ترنان
• إنني كالكروان :تلحين على الرياحي
• خبريهم عن لوعتي : تلحين محمد التريكي
• ليس في الدنيا حزن : تلحين محمد التريكي
• اغني مع الروض : تلحين محمد التريكي
• حواء : تلحين علي الرياحي
من أعماله المسرحية
كتب نورالدين بن محمود عدة مسرحيات منها : الحي اللاتيني /جمجوم وجندوب /ابريق جحا / يا والله فال / اشرب وإلا طير قرنك / ليالي هارون الرشيد/وسيم الشاعر / المتمردة (وهذه الأخيرة توجت بالجائزة الأولى لبلدية تونس عام 1946)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115