موجات التضخم الناجمة عن الصدمات الخارجية إذ يتوقف حجم انتقال هذه الصدمات واستمرارها على طبيعة السياسات الاقتصادية والخصائص الهيكلية لكل بلد. ويشير الفصل الثاني من تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي الصادر عن الصندوق في أكتوبر 2026 إلى أن الصدمات العالمية في العرض سواء ارتبطت بأسعار الغذاء أو الطاقة أو اضطرابات الإمدادات لا تنتقل بالدرجة نفسها إلى مختلف الاقتصادات.
ففي حين تتمتع دول الخليج بقدر أكبر من الحماية بفضل دعم الطاقة واستقرار أسعار الصرف تواجه اقتصادات المنطقة غير الخليجية موجات تضخم أشد وأطول إذ يمكن أن يبلغ أثرها إلى عامين من الصدمة. ويعكس هذا التفاوت اختلاف قدرة الاقتصاديات على امتصاص ارتفاع الأسعار العالمية لكنه يكشف أيضا عن مواطن ضعف هيكلية تجعل بعض البلدان أكثر عرضة لانتقال الصدمات إلى السوق المحلية. ومن بين هذه العوامل ضغوط أسعار الغذاء والطاقة وارتفاع توقعات التضخم إلى جانب مستويات الدين المرتفعة وهي عوامل تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، بالنظر إلى ارتباط جانب من حاجياتها بالأسواق الخارجية وما يفرضه ذلك من تعرض لتقلبات أسعار المواد الأساسية وكلفة التوريد.
ويولي التقرير أهمية خاصة لمستوى الدين العام في تفسير حدة انتقال التضخم إذ ترتفع آثار صدمات العرض بنحو أربعة أضعاف في الاقتصاديات المثقلة بالديون مقارنة بالاقتصاديات الأقل مديونية. ويربط الصندوق ذلك بتراجع أكبر في سعر الصرف وارتفاع توقعات التضخم بما يدفع السلطات النقدية إلى تشديد السياسة النقدية بدرجة أكبر.
ولا تقتصر قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات على أدوات السياسة النقدية بل ترتبط أيضا بمدى استقلالية البنك المركزي وعمق الأسواق المالية ومرونة سوق العمل. فتعزيز استقلالية البنوك المركزية يساعد على احتواء التضخم ويحد من الحاجة إلى تشديد نقدي حاد في حين تساهم أسواق السندات الأكثر تطورا ومرونة سوق العمل في تقليص آثار ارتفاع الأسعار.
كما يحذر التقرير من أن بعض الإجراءات التي تخفف الأثر التضخمي على المدى القصير مثل دعم الوقود وتثبيت أسعار الصرف قد تكون لها كلفة اقتصادية ومالية لاحقا من خلال زيادة العجز أو تعميق الخسائر في الناتج المحلي الإجمالي. وبالنسبة إلى تونس لا تكمن المسألة في مواجهة موجة ارتفاع أسعار عابرة فحسب بل في الحد من العوامل التي تجعل الصدمات الخارجية أكثر نفاذا إلى الاقتصاد المحلي. فاحتواء التضخم يظل مرتبطا بقدرة السياسات الاقتصادية على تقليص الاختلالات المالية وتعزيز الثقة في السياسة النقدية وتطوير الأسواق المالية بما يرفع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات بدل انتقال كلفتها إلى الأسعار والنمو.