السينما التونسية على مفترق الإصلاح: بين طموح القانون وتحديات الواقع
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:13 26/06/2026
عادت قضية تنظيم قطاع السينما في تونس إلى الواجهة من جديد
مع مواصلة لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية دراسة مقترح قانون جديد يهدف إلى إعادة هيكلة الصناعة السينمائية والسمعية البصرية. وبين طموح الإصلاح وتشعّب الواقع، يطرح هذا المسار التشريعي أسئلة أعمق حول مستقبل القطاع وقدرته على التحول إلى صناعة حقيقية قادرة على المنافسة والاستمرارية.
عقدت لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية جلسة، أول أمس، قد خُصصت لمواصلة دراسة مقترح القانون المتعلق بالصناعة السينمائية في تونس، وكذلك لضبط برنامج عمل اللجنة خلال الفترة القادمة.
إرث قانوني متقادم وحاجة إلى التغيير
يعتمد قطاع السينما في تونس إلى اليوم على نصوص قديمة ولم تعد تستجيب لمتطلبات العصر واحتياجات الفن السابع. وتتمثل هذه النصوص خاصة في القانون عدد 19 لسنة 1960 المتعلق بتنظيم الصناعة السينمائية، والمرسوم عدد 86 لسنة 2011 المحدث للمركز الوطني للسينما والصورة.
هذا التراكم التشريعي، رغم أهميته التاريخية، لم يعد قادرا على مواكبة التحولات السريعة في عالم الصورة والإنتاج السمعي البصري، ما جعل مطلب التحيين ضرورة لا خيارا. إن المقترح الجديد لا يكتفي بتعديل جزئي، إنما يطمح إلى إرساء إطار قانوني موّحد يعيد تنظيم القطاع من جذوره، مع تعزيز دور المركز الوطني للسينما والصورة ومنحه مرونة أكبر في التسيير. كما يسعى إلى تجاوز البيروقراطية التي كثيرا ما شكلت عائقا أمام تطور الإنتاج السينمائي في تونس.
وقد بيّن أصحاب المبادرة أنّ المقترح يتضمن أساسا أحكاما تخص تنظيم المركز الوطني للسينما والصورة، المنظم حاليا بمقتضى المرسوم عدد 86 لسنة 2011، والذي بقيت العديد من أحكامه غير مفعلة لعدة أسباب، من بينها عدم صدور بعض نصوصه التطبيقية.
ويهدف هذا المقترح إلى إعادة هيكلة المركز وتطوير أساليب تسييره بهدف تعزيز قدرته على تنمية الصناعة السينمائية والسمعية البصرية، مع إخضاع أعوانه لأحكام النظام الأساسي العام لأعوان الدواوين والمؤسسات والمنشآت العمومية بدلًا من قانون الوظيفة العمومية، بما يضمن له مزيدًا من الفاعلية والمرونة في إدارة الموارد البشرية.
التمويل والاستثمار: رهان الصندوق الجديد
من أبرز نقاط القوة في هذا المشروع إحداث صندوق لدعم الاستثمار في السينما والسمعي البصري، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو خلق موارد تمويل مستقلة عن الميزانية العمومية. ويعكس هذا التوجه رغبة في تحويل السينما إلى قطاع اقتصادي منتج وليس فقط مجالا ثقافيا محدود الإمكانيات. وقد تضمّن المقترح أحكاما تتعلق بإحداث صندوق لتشجيع الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري، وهو ما تم تحقيقه فعليا من خلال الفصل 61 من قانون المالية لسنة 2026 الذي نص على إحداث هذا الصندوق وبيّن آليات تمويله.
واعتبر أصحاب المبادرة في هذا الصدد "أن هذا الصندوق يعد مكسبا تاريخيا ، إذ سيوفر تمويلا مستداما للصناعات السينمائية والسمعية البصرية، ويساهم في بناء منظومة صناعية متكاملة ذات قيمة مضافة عالية وجاذبة للاستثمارات الأجنبية".
بالرغم من أهمية الإصلاحات المقترحة، يبقى التحدي الأساسي مرتبطا بمدى تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع. فالتجربة السابقة تُظهر أن العديد من النصوص بقيت دون تفعيل بسبب غياب الأوامر التطبيقية أو ضعف المتابعة، وهو ما يجعل الحذر ضروريًا عند تقييم أي إصلاح جديد.
وإن يمثل هذا المسار التشريعي فرصة حقيقية لإعادة رسم ملامح السينما التونسية، فإنّ نجاحه يظل مرهونا بقدرة مختلف الأطراف على تحويل النصوص إلى واقع، والرؤية إلى صناعة ثقافية حية تعكس طموحات المبدعين وتطلعات الفن السابع.
آخر مقالات ليلى بورقعة
- المناضلة والكاتبة المصرية سلوى بكر لـ المغرب": مازال العرب حكومات وشعوبا في مرحلة المراهقة السياسية
- في تظاهرة "جو تونس 2026": شهر من الفن المعاصر والحوار العابر للحدود
- قريبا، المعرض الوطني للكتاب التونسي: رهان على صناعة المواطن القارئ
- بعد عام من المفاوضات بين الحكومة والمتحف: "فان غوغ" ينتصر على النسيان وأزمة التمويل
- في "المهرجان الدولي للعود بالمدينة": من تونس إلى "الثلاثي جبران"... العود يعزف ذاكرة الأوطان