إندونيسيا في معرض تونس للكتاب: "البانتشاسيلا".. الفلسفة التي روّضت التنوع وصنعت نهضة الأرخبيل

من قلب جاكرتا ومن عبق "الأرخبيل" الممتد

عبر آلاف الجزر إلى فضاءات معرض تونس الدولي للكتاب، أطلّت إندونيسيا كضيف شرف يحمل معه أكثر من مجرد إصدارات فكرية وأدبية. لقد حضرت بوصفها "مختبرا عالميا" ملهما في إدارة التعددية وصياغة الهوية الوطنية.
في ندوة فكرية اتسمت بالعمق الاستشرافي، وتحت ظلال مبادئ "البانتشاسيلا" الخمسة، أبحر الحضور في رحلة استكشافية لفهم أسرار الوحدة الإندونيسية التي نجحت في صهر آلاف اللغات والأعراق في بوتقة وطن واحد، لتتحول من دولة واجهت استعمارا دام قرونا إلى قوة اقتصادية صاعدة تستعد لترؤس مشهد الريادة العالمية.
فتحت الندوة الفكرية الحوارية التي عقدت في الجناح الإندونيسي بمعرض تونس الدولي الكتاب ، نافذة على التجربة الإندونيسية التي لا تقدم دروسا في التعايش فحسب، بل في كيفية الحفاظ على الروح الأصيلة وسط أمواج العصرنة المتسارعة. وتحولت الندوة إلى منصة لاستكشاف "العبقرية الإندونيسية" في إدارة التنوع الثقافي والديني.
البانتشاسيلا: فلسفة البقاء والتعايش
افتتح السفير الاندونيسي بتونس زهيري مصراوي الندوة وقال أنها تسعى للإجابة عن سؤال مهم يراود الكثيرين وهو، كيف يمكن لدولة تضم 280 مليون نسمة و17 ألف جزيرة وآلاف اللغات أن تعيش في وئام تام؟ وأكد السفير أن الجواب يكمن في البانتشاسيلا التي أوجدت دستورا فكريا وروحيا يوحد الاندونيسيين . كما شدّد على دور الثقافة في تقريب المسافات بين تونس وجاكرتا .
وفي مداخلة تحليلية عميقة، شارك الصحفي في جريدة المغرب زياد كريشان الحضور انطباعاته عن الدولة الأرخبيل، وأوضح أن دخول الإسلام إلى إندونيسيا مرّ بمراحل عدة وبطرق سلمية عن طريق التجارة ، اذ بدأ دخول الإسلام منذ القرن الحادي عشر (القرن الخامس هجري) عن طريق التجار المسلمين (الفرس، العرب، والأتراك). وهو ما تم من خلال التدرج والانتشار، فالإسلام لم ينتشر بشكل كامل في الحكم والمجتمع إلا في القرن السادس عشر.
وكذلك تحدث عن دور الطرق الصوفية ، فقد لعب "الأولياء" والمتصوفة دورا محوريا في نشر الإسلام عبر الترحال في مختلف بقاع إندونيسيا.
خصائص الإسلام في إندونيسيا
يصف الأستاذ كريشان الإسلام الإندونيسي بأنه فريد من نوعه. وقال ان إندونيسيا تشربت الإسلام تدريجيا دون التخلي عن خصوصيتها الثقافية.
و يرى المتحدث أن الإسلام هناك يختلف عن النمط السائد في مناطق ودول أخرى، فهو إسلام منفتح وممتزج بالثقافة المحلية.
كما وصف الديانات السابقة في إندونيسيا بأنها "ديانات مرتبطة بالأرواح" (في الشجر، الصخر، والروح)، وهو ما أضفى على الإسلام هناك صبغة من السحر والألوان والجمال. عقد المتحدث مقارنة بين التجربة الاستعمارية في تونس واندونيسيا . فتونس خضعت للاستعمار الفرنسي لمدة 75 سنة. وواجهت استعمارا طويلا جدا استمر لحوالي 350 سنة (ثلاثة قرون ونصف)، بدأ بالبرتغاليين ثم الهولنديين فالبريطانيين، وصولا إلى اليابانيين.
وأكد على أن الهوية الوطنية الإندونيسية قوية جدا رغم طول فترة الاستعمار وتعدد المؤثرات الخارجية.
كما قدم تحليلا فكريا عميقا حول "التجربة الإندونيسية" في الوحدة والتعددية، والدور التاريخي لمكة المكرمة كمركز للعولمة الإسلامية، ومستقبل آسيا الاقتصادي. وأشار كريشان إلى أن العالم شهد ما يمكن تسميته بـ "العولمة الإسلامية" قبل العولمة التجارية والتقنية الحديثة.
وتطرق الى دور وسائل النقل اذ لم تكن هذه العولمة ممكنة إلا بتطور وسائل النقل (القطارات والبواخر) في منتصف القرن التاسع عشر، مما سهل وصول الحجيج من المغرب العربي، إفريقيا، إندونيسيا، الهند وباكستان.
وأشار الى دور مكة آنذاك كملتقى فكري، فقد تحولت مكة في مواسم الحج إلى مركز عالمي يلتقي فيه العلماء والمثقفون لتبادل التجارب والخبرات.
واعتبر ان اللغة العربية هي الرابط المشترك واللغة الموحدة لكل هؤلاء المثقفين والعلماء من مختلف الأجناس، باعتبارها لغة القرآن والبحث العلمي.
تجربة "أحمد سوكارنو" وفلسفة الدولة
تطرق كريشان الى مبادئ الـ "بانتشاسيلا Pancasila " وهي المبادئ الخمسة التي وضعها القائد "أحمد سوكارنو" عام 1945 لتأسيس الدولة الإندونيسية، والتي تهدف لتوحيد أمة شديدة التنوع.
وأوضح كريشان أن سوكارنو كان يمتاز بالوطنية المنفتحة فقد شدد سوكارنو على ضرورة أن تكون الوطنية الإندونيسية "منفتحة على العالم" وليست منغلقة أو عنيفة، لضمان شعور الأقليات داخل إندونيسيا بالانتماء والولاء للوطن.
وقال ان الفلسفة الإندونيسية ركزت على أن الأغلبية (المسلمة) ليس لها الحق في فرض إرادتها على البقية، بل يجب أن يكون الحكم قائما على التشاور والمشاركة. وتطرق كريشان الى مفهوم "الألوهية" عند سوكارنو فهي روحانية منفتحة لا تنطلق من دين محدد بحد ذاته، بل هي إيمان بمبدأ "ميتافيزيقي" يوحد الجميع (مسلم، كاثوليكي، بروتستانتي، بوذي، هندوسي).
وتحدث عن النموذج البالي (جزيرة بالي)، ويضرب كريشان مثالا بكيفية تحول "الهندوسية البالية" إلى ديانة معترف بها رسميا في إندونيسيا بعد نقاشات طويلة، من خلال إيجاد نقاط التقاء روحانية وتوحيدية. وفيما يتعلق بوزارة الأديان، أشار كريشان الى تفرّد إندونيسيا بوجود وزارة تعنى بجميع الأديان المعترف بها، وليس بوزارة للشؤون الإسلامية فقط، لضمان التعددية وحماية الشعائر للجميع.
إندونيسيا كقوة اقتصادية قادمة
تحدث كريشان كذلك عن النهضة الشاملة وقال انه بفضل فلسفة الوحدة والعمل، انطلقت إندونيسيا من واقع اقتصادي صعب لتصبح واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً. وفيما يتعلق بتوقعات المستقبل، أشار المتحدث إلى أن إندونيسيا مرشحة لتكون "رابع قوة اقتصادية عالميا" في غضون الخمسين عاما القادمة، لتأتي بعد الصين، الهند، والولايات المتحدة. ويؤكد أن مركز الثقل العالمي سينتقل بصفة نهائية نحو قارة آسيا.
واختتم المتحدث بالتأكيد على أن "درس الوحدة والانفتاح" هو ما صنع المعجزة الإندونيسية، وهو درس يمكن الاستفادة منه في المنطقة العربية -ليس بالضرورة في الشكل-، ولكن في "الروح" التي تدفع نحو البناء الجماعي رغم الاختلاف.
تفاعل ثقافي عبر القارات
كما تمت الإشارة خلال الندوة الى أن الأمة الإندونيسية هي "صناعة وطنية" بامتياز، تشكلت في بدايات القرن العشرين كفعل إرادي من الشباب والمثقفين لمواجهة المحتل. و نجحت إندونيسيا في خلق هوية جامعة تتجاوز الفروق العرقية والمناطقية، مؤكدة على حقها في تقرير المصير وبناء دولة موحدة.
وساهم الصحفي فاضل الطياشي في إثراء النقاش حول أهمية التجربة الإندونيسية بالنسبة للشباب التونسي، خاصة في مجالات التضامن الاجتماعي والتنمية الاقتصادية المستقرة. واستعرض جوانب أخرى من "الروح الإندونيسية" مثل مفهوم "غوتونغ رويونغ" Gotong Royong . وتم التطرق إلى هذا المفهوم الإندونيسي الذي يعني "التعاون المتبادل" أو "التضامن الجماعي". وكيف أن هذا المبدأ متجذر في القرى والمدن الإندونيسية، حيث يتشارك الناس العمل من أجل المصلحة العامة، وهو ما عزز السلم الاجتماعي.
وكانت هناك إشارة إلى حضور المرأة القوي في المجتمع الإندونيسي، سواء في التعليم أو العمل أو الحياة السياسية، وهو ما لمسه المشاركون في رحلتهم.
وأكد المشاركون على أن الانفتاح على تجارب "الجنوب العالمي" مثل إندونيسيا يفتح آفاقا جديدة للتفكير بعيداً عن النماذج الجاهزة
وتمثل تجربة اندونيسيا دعوة للتونسيين للاستدارة شرقا نحو تجارب ملهمة تشبه بلادنا في تطلعاتها نحو الديمقراطية والتنمية، مع الحفاظ على الهوية الأصيلة. لقد أثبت جناح إندونيسيا في معرض الكتاب أنه كان مختبرا للأفكار التي تبني جسورا من التواصل الإنساني والحضاري.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115