تدريجياً يلامس عمق النموذج الاقتصادي للقطاع، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على استعادة نسق النشاط بعد سنوات من التقلبات، بل أصبحت مرتبطة بإعادة توجيه البوصلة نحو أنماط أكثر استدامة وربحية.
في هذا السياق، تبرز السياحة الإيكولوجية كأحد أهم المكونات الصاعدة، مدفوعة بتغير سلوك السائح العالمي من جهة، وبحاجة الاقتصاد المحلي إلى تنويع مصادر الدخل من جهة أخرى.
تبين مؤشرات نهاية الثلاثي الأول من سنة 2026 هذا التوجه بشكل واضح، إذ بلغت عائدات السياحة نحو 1،5 مليار دينار تونسي، مسجلة نمواً بنسبة 4.5% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن الأهم يكمن في مساهمة السياحة البديلة، التي تشمل الإيكولوجية والريفية، بنسبة تقارب 12% من هذه العائدات، وهي نسبة مرشحة للارتفاع في ظل الطلب المتزايد على هذا النوع من التجارب.
بداية الانتقال
تعكس المؤشرات المقدمة بداية الانتقال من نموذج قائم على الكثافة العددية إلى نموذج يراهن على القيمة المضافة، حيث يصبح السائح أقل عدداً لكنه أكثر إنفاقاً وأطول إقامة.
هذا التحول يتأكد من خلال المعطيات النوعية، إذ ينفق السائح الإيكولوجي في تونس حوالي 150 يورو يومياً، وهو ما يعادل ضعف إنفاق سائح الفنادق الكبرى تقريباً، كما تمتد إقامته إلى أكثر من أربع ليالٍ في المعدل. هذه الخصائص تجعل من هذا النمط السياحي أداة فعالة لتعظيم العائدات دون الحاجة إلى ضغط إضافي على الموارد الطبيعية أو البنية التحتية. كما أن أثره الاجتماعي لا يقل أهمية، إذ تشير التقديرات إلى أن كل عشرة سياح إيكولوجيين يساهمون في استدامة ثلاث وظائف محلية، ما يعزز دوره في دعم الاقتصاد الريفي والحد من الهجرة الداخلية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال السياحة الإيكولوجية في تونس تواجه جملة من الإشكاليات الهيكلية التي تعيق تطورها. أولى هذه التحديات تتعلق بمحدودية طاقة الاستيعاب، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة في دور الضيافة والإقامات الريفية المصنفة 2,500 سرير، وهو رقم ضعيف مقارنة بحجم الطلب المحتمل. هذه المحدودية تجعل نسب الإشغال ترتفع إلى مستويات قياسية، كما حدث خلال عطلة الربيع في مارس 2026 حيث بلغت حوالي 80%، لكنها في المقابل تعكس عجز العرض عن مواكبة الطلب، ما قد يؤدي إلى فقدان فرص اقتصادية مهمة.
إضافة إلى ذلك، تعاني العديد من المناطق الداخلية، التي تحتضن أغلب هذه المشاريع، من ضعف البنية التحتية، سواء على مستوى الطرقات أو الربط بشبكات الماء والكهرباء. هذه الإشكاليات لا تؤثر فقط على راحة السائح، بل ترفع أيضاً من كلفة الاستثمار والتشغيل بالنسبة لأصحاب المشاريع، ما يحد من قدرتهم على التوسع وتحسين جودة الخدمات. كما يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في غياب إطار قانوني وتنظيمي واضح وشامل لهذا القطاع، وهو ما يخلق حالة من الضبابية أمام المستثمرين ويؤثر على ثقة السوق.
تجارب ناجحة
لا تخلو الساحة من تجارب ناجحة تعكس الإمكانيات الكامنة لهذا النمط السياحي. ففي مناطق الشمال الغربي مثل عين دراهم وطبرقة، تمكنت بعض دور الضيافة من تطوير عروض متكاملة تجمع بين الإقامة في قلب الطبيعة، والأنشطة البيئية مثل المشي في الغابات، وتذوق المنتوجات المحلية. هذه التجارب لم تكتف بجذب السياح، بل ساهمت في خلق شبكة اقتصادية محلية تشمل الفلاحين والحرفيين، ما يعزز من القيمة المضافة داخل الجهة.
وفي الجنوب، برزت جهة الظاهر كنموذج آخر للسياحة الإيكولوجية، حيث تم توظيف التراث المعماري الصحراوي والبيئة الطبيعية لتقديم تجربة مختلفة تقوم على البساطة والاندماج مع المحيط. هذه التجارب أثبتت أن الاستثمار في الخصوصيات المحلية يمكن أن يكون أكثر جدوى من استنساخ النماذج السياحية التقليدية، خاصة في ظل المنافسة الشديدة على السياحة الشاطئية.
عند مقارنة التجربة التونسية بنماذج دولية، يتضح أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق نضج كامل لهذا القطاع. ففي المغرب، تم تطوير السياحة الإيكولوجية ضمن رؤية وطنية متكاملة، مع ربطها ببرامج تنمية قروية وتمويلات موجهة، ما ساهم في خلق وجهات معروفة عالمياً. أما في إيطاليا، فقد نجحت الإقامات الريفية في التحول إلى جزء أساسي من العرض السياحي، بفضل تأطير قانوني واضح وشبكات تسويق فعالة.
هذه المقارنات لا تهدف إلى التقليل من التجربة التونسية، بل إلى إبراز الإمكانيات غير المستغلة. فالعناصر الأساسية موجودة، من تنوع بيئي وثقافي، إلى موقع جغرافي متميز، لكن ما ينقص هو التنسيق بين مختلف المتدخلين، من الدولة إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني. كما أن التسويق الدولي للسياحة الإيكولوجية في تونس لا يزال دون المستوى، رغم تزايد الطلب العالمي على هذا النوع من الوجهات.
تحقيق الاهداف
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن تحقيق الهدف المعلن باستقطاب 12 مليون سائح مع نهاية 2026 لن يكون رهيناً فقط بزيادة عدد الوافدين، بل بقدرة تونس على تحسين جودة العرض وتنوعه. السياحة الإيكولوجية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في هذا الإطار، ليس فقط من حيث العائدات، بل أيضاً من حيث إعادة توزيع النشاط السياحي جغرافياً، وتقليل الضغط على المناطق الساحلية.
في النهاية، تطرح السياحة الإيكولوجية في تونس معادلة دقيقة بين الطموح والواقع. فهي تحمل في طياتها إمكانيات كبيرة لإعادة تشكيل القطاع السياحي على أسس أكثر استدامة وعدالة، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات حقيقية تتطلب معالجة شاملة. بين الأرقام المشجعة والتجارب الناجحة من جهة، والإشكاليات الهيكلية من جهة أخرى، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل هذا المسار إلى سياسة متكاملة قادرة على الصمود والتطور. وفي هذا الرهان تحديداً، يتحدد ما إذا كانت السياحة الإيكولوجية ستظل قطاعاً ناشئاً، أم ستتحول إلى أحد أعمدة الاقتصاد التونسي في المستقبل القريب.