ليبيا لم تعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل باتت تدريجيا جزءا من تفاعلات صراع دولي أوسع، في ظل الحديث عن امتدادات غير مباشرة لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، كشف تحقيق استقصائي نشرته إذاعة فرنسا الدولية عن معطيات مثيرة للجدل تتعلق بوجود نشاط عسكري واستخباراتي غير معلن داخل غرب ليبيا، يُعتقد أنه مرتبط بالتنافس المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا.
وبحسب ما أورده التحقيق ، فإن هذا الحضور لا يندرج ضمن الأطر التقليدية للتعاون العسكري، بل يتخذ طابعا أكثر تخصصا يرتبط بالتدريب على التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة وعمليات الاستطلاع. وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن هذا النوع من التعاون يعكس تحوّلا في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث تعتمد الأطراف المتنازعة على وحدات صغيرة عالية الكفاءة لتنفيذ عمليات دقيقة ذات تأثير استراتيجي، بدلا من الانتشار العسكري الواسع.
وكشف التحقيق ، عن حرب خفية تدور رحاها بين كييف وموسكو في ليبيا، ظهرت جلية منذ حوالي شهر عندما اتهمت موسكو أوكرانيا والمخابرات البريطانية بمهاجمة ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية "أركتيك ميتاغاز" قبالة السواحل الليبية.
وتعدّ السفينة جزءا من "الأسطول الشبح" الروسي المُصمّم للالتفاف على العقوبات. وكانت الناقلة المحملة بالغاز الطبيعي المسال تبحر في البحر الأبيض المتوسط متجهةً إلى بورسعيد بمصر.وكشف التحقيق أن الجيش الأوكراني كان بالفعل وراء هذا الهجوم وأن له وجوداً فعالا في ليبيا، وتحديداً في غرب البلاد.
وبحسب مصدرين ليبيين مطلعين، ، ينتشر أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري أوكراني في ليبيا، بالتنسيق مع حكومة طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة. ويتواجد هؤلاء العسكريون الأوكرانيون في ثلاثة مواقع.
وأفادت المصادر أن مقرهم المبدئي هو أكاديمية القوات الجوية في مصراتة. ويضم هذا المرفق الضخم قوات تركية وإيطالية وقوات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). كما يوجد فيه مركز استخباراتي بريطاني.ويمتلك الأوكرانيون قاعدة ثانية مجهزة بالكامل لإطلاق الطائرات المسيرة الجوية والبحرية في مدينة الزاوية، على بعد حوالي 50 كيلومترا شمال العاصمة، بالقرب من مجمع مليتة النفطي، وهو أحد أكبر المجمعات النفطية العاملة في ليبيا.
ويُستخدم موقع ثالث، لعقد اجتماعات التنسيق بين القوات الأوكرانية والجيش الليبي. ويقع هذا الموقع في مقر اللواء 111 التابع للجيش، على الطريق المؤدي إلى مطار طرابلس وفق نفس المصادر. ويأتي ذلك بعد أن وقّعت طرابلس في أكتوبر الماضي اتفاقية مع مستشار عسكري أوكراني لإنشاء وجود عسكري في ليبيا، بناء على طلب رسمي من الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، الجنرال أندريه بايوك. وفي المقابل، تتلقى طرابلس تدريبا للعسكريين الليبيين، لا سيما في استخدام الطائرات المسيّرة. وتنصّ الاتفاقية طويلة الأمد على بيع الأسلحة واستثمارات أوكرانية في قطاع النفط الليبي.
موقع حساس
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس لليبيا، إذ يشرف ساحلها الطويل على ممرات بحرية حيوية، ويقع بالقرب من منشآت طاقة إستراتيجية. وفي هذا الإطار، يلفت نفس التحقيق إلى أن أي نشاط عسكري غير معلن في هذه المنطقة قد يكون مرتبطا بمحاولات التأثير على توازنات الطاقة في البحر المتوسط، حيث تسعى روسيا إلى الحفاظ على تدفقات صادراتها، في حين تحاول أوكرانيا، ضمن صراعها المفتوح مع موسكو، تقويض هذه القدرات بوسائل غير مباشرة.
كما يبرز في التحقيق نفسه ما يشير إلى نمط من التصعيد الرمادي، حيث تنفذ عمليات دون إعلان رسمي أو تبن مباشر، وهو ما يجعل من الصعب التحقق من المسؤوليات أو بناء رواية دقيقة للأحداث. ويؤكد هذا الطرح عدد من المحللين الذين يرون أن هذا الأسلوب أصبح سمة أساسية في النزاعات الحديثة، لما يوفره من هامش إنكار سياسي للأطراف المنخرطة فيه، وفق ما نقلته أيضا إذاعة فرنسا الدولية في سياق تحليلها للمعطيات الميدانية.
تساؤلات داخل ليبيا
وفي الداخل الليبي، تثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة هذا النوع من العلاقات العسكرية المعقدة دون المساس بالسيادة الوطنية. ويشير التحقيق إلى أن غياب الشفافية في بعض الملفات الأمنية يعمّق من حالة الغموض، ويجعل من الصعب تقييم طبيعة هذه الترتيبات وحدودها القانونية، خاصة في ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد.
ولا تقف التداعيات المحتملة عند الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي، حيث تظل منشآت النفط والغاز عرضة لأي اضطرابات قد تنجم عن هذا التوتر غير المعلن. ووفق ما يفهم من سياق التحقيق ، فإن أي خلل في هذا القطاع الحيوي قد ينعكس ليس فقط على الوضع الداخلي الليبي، بل أيضًا على الأسواق الإقليمية والدولية.
ترسم هذه المعطيات صورة معقدة لمشهد يتجاوز حدود النزاع المحلي، ليضع ليبيا في قلب توازنات إقليمية ودولية دقيقة. وبينما تظل العديد من التفاصيل بحاجة إلى تحقق مستقل، فإن ما كشفه تحقيق إذاعة فرنسا الدولية يسلط الضوء على مرحلة جديدة قد تشهد مزيدا من التداخل بين الصراعات الكبرى والساحات الهشة، ما يجعل مستقبل الاستقرار في ليبيا أكثر ارتباطًا بتفاعلات تتجاوز حدودها الجغرافية.