في حوار لـ"المغرب'' أنه في مطلع عام 2026، يقف الشرق الأوسط على حافة لحظة فاصلة قد تعيد رسم خرائط القوة فيه لعقد كامل. وأضاف أن الضربات الأمريكية–الإسرائيلية داخل إيران، والردود الإيرانية التي طالت مواقع في الخليج وشرق المتوسط، لم تعد مجرد فصل جديد من "حرب الظل"، بل تحوّلت إلى اختبار قاس لحدود الردع، ولسقف استعداد واشنطن للانخراط في مواجهة مفتوحة تتناقض مع أولوياتها الكبرى في آسيا.
كيف ترون التصعيد الأخير في المنطقة ، وأصداؤه في الداخل الأمريكي خاصة؟
حين تعهّد الرئيس الأمريكي بإنهاء ''الحروب التي لا تنتهي''، كان يلامس تعبا وطنيا عميقا تشكّل بعد عقدين من النزيف في العراق وأفغانستان. رسالته كانت واضحة وهي تقليص الانخراط العسكري الخارجي، إعادة ترتيب الأولويات داخليا، والتركيز على التحديات الكبرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين. لكن التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، والدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل في حربها في غزة، يعيدان طرح سؤال استراتيجي صعب: هل تجد واشنطن نفسها مرة أخرى على أعتاب حرب إقليمية مفتوحة؟ .إذ أن ولايته الثانية تضعه أمام مفارقة حادة عبر توسّع الانخراط العسكري — مباشرا أو عبر الشركاء — في أكثر من ساحة توتر، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الداخلية لوقف الانزلاق إلى حرب واسعة مع إيران دون تفويض واضح من الكونغرس.
هل بالفعل هناك رفض في مؤسسات القرار لهذا الانخراط الأمريكي في الحرب ضد إيران ؟
الدستور الأمريكي يمنح سلطة إعلان الحرب للكونغرس، وقد تحرّك مشرعون من الحزبين لتقييد قدرة الرئيس على توسيع العمليات العسكرية دون موافقة تشريعية. الجدل ليس قانونيا فحسب، بل عكس انقساما أعمق حول جدوى الحرب وكلفتها في لحظة تنافس استراتيجي محتدم مع الصين وروسيا. السؤال الضاغط في واشنطن اليوم: كيف تحافظ الإدارة على تحالفاتها التقليدية، وفي مقدمتها إسرائيل، من دون الوقوع في فخ استنزاف طويل يعيد عقارب الساعة إلى حروب الأمس؟ .
يتجدد داخل الولايات المتحدة الجدل حول تأثير جماعات الضغط في رسم السياسات الخارجية، بما فيها السياسات المرتبطة بإسرائيل والشرق الأوسط. فإن النقاش يتركز على مدى اتساق بعض القرارات مع المصالح القومية الأمريكية طويلة المدى، خاصة في ظل تعهدات انتخابية بتقليص الانخراط العسكري الخارجي.هذا الجدل يعني وجود "سيطرة" مباشرة ما يعكس طبيعة النظام السياسي الأمريكي القائم على التفاعل بين اللوبيات والتحالفات الحزبية.
تقف الولايات المتحدة اليوم أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على تحالفاتها التقليدية دون أن تنجر إلى صراعات مفتوحة تتناقض مع وعودها الانتخابية؟ وكيف توازن بين دعم الحلفاء واحتواء الغضب الدولي المتصاعد؟.
ماهي برأيكم الخطوة المقبلة وكيف ستكون إستراتيجية البيت الأبيض في ظل توسع رقعة الحرب ؟
إذا استمرت العمليات بلا أفق سياسي، فلن تكون النهاية نصرا حاسما لأحد، بل تجميدا هشا بانتظار جولة أخرى. الحل الواقعي يبدأ بوقف التصعيد، وفتح مسار دبلوماسي جاد، وإعادة تعريف مفهوم ''الأمن'' بحيث لا يُختزل في التفوق العسكري وحده. البديل واضح: شرق أوسط أكثر اشتعالا، سباق تسلح أسرع، ونظام دولي يبتعد أكثر عن الاستقرار. فالتحالف الأمريكي–الإسرائيلي سيستمر، لكنه يمر بمرحلة اختبار داخل الولايات المتحدة نفسها. والمجتمع الأمريكي يبدو أقل استعدادا لتحمل كلفة حروب طويلة جديدة، خصوصا إذا لم تكن مرتبطة مباشرة بالدفاع عن الأراضي الأمريكية.
لم يكن الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران خيارا مفضلا لأي من الأطراف، لكنه كان احتمالا قائما في بيئة يسودها انعدام الثقة وسرعة اتخاذ القرار العسكري.
برأيكم ماهي كلفة هذه الحرب سياسيا واستراتيجيا؟
بالنسبة للولايات المتحدة، الكلفة الإستراتيجية لأي حرب واسعة في الشرق الأوسط تتجاوز الميدان العسكري. فالنظام الدولي يشهد تحوّلا تدريجيا من أحادية قطبية تهيمن عليها واشنطن إلى تعددية أكثر تعقيدا. الصين تواصل صعودها الاقتصادي والعسكري، وروسيا تسعى إلى تثبيت نفوذها في فضاءات متعددة. أي استنزاف طويل للموارد الأمريكية في صراع إقليمي سيعني عمليا تشتيت التركيز عن المسرح الآسيوي، حيث تتبلور المنافسة الحاسمة على شكل النظام الدولي القادم ف التجارب السابقة أظهرت أن التفوق العسكري لا يترجم تلقائيا إلى استقرار دائم، وأن الحروب التي تبدأ بشعارات الردع قد تنتهي باستنزاف طويل الأمد. وكان خطاب ترامب الأخير يعكس مزيجا من التصعيد العسكري والرهان على تغيّر داخلي في إيران، لكنه أثار في الوقت ذاته مخاوف من توسّع المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع . بعد بدء الهجمات ضدها، ردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على قواعد أمريكية ومواقع إسرائيلية في المنطقة، مما يؤشر إلى تصعيد متسارع وخطر انزلاق الحرب إلى نطاق أوسع.
في إيران ماهي تداعيات هذا التصعيد وكيف سيكون الرد ؟
تقف طهران في قلب المشهد، معتمدة إستراتيجية الحرب غير المباشرة عبر شبكة حلفاء إقليميين لتوسيع نفوذها من دون تحمّل كلفة مواجهة شاملة. في منطق الحرب غير المتكافئة، يكفي ألا تُهزم بالكامل لتعلن الانتصار. فالمهاجم يُستنزف سياسيًا واقتصاديا، بينما يراهن المدافع على الصمود والتعبئة الداخلية.
فالتاريخ العسكري الحديث يذكّر بأن ''الحكومات لا تسقط بالقصف وحده''. وأي هجوم واسع قد يولّد التفافا قوميّا حول القيادة في طهران بدل إضعافها.إيران تقف في قلب هذا المشهد. فهي تعتمد منذ سنوات إستراتيجية " الحرب غير المباشرة" عبر شبكة حلفاء إقليميين، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها دون تحمّل كلفة مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة. في المقابل، ترى إسرائيل أن استعادة قوة الردع بعد الضربة التي تعرضت لها ضرورة وجودية، وأن أي تهاون سيُقرأ إقليميا كضعف. أما واشنطن، فترى في تعزيز وجودها العسكري رسالة ردع هدفها منع اتساع الصراع. يكفي لإيران ألا تُهزم بالكامل لتعلن انتصارها. الصمود أمام القوة العظمى يمنحها شرعية التعبئة الداخلية والالتفاف القومي. إذ تراهن طهران على استنزاف المهاجم سياسيا واقتصاديا، محولة الوقت إلى حليف استراتيجي ضد الأنظمة الديمقراطية التي تخشى كلفة الحروب الطويلة.
''التحالف الأمريكي–الإسرائيلي يمر بمرحلة اختبار داخل أمريكا نفسها''
الكاتب المختص في الشؤون الأمريكية ماهر عبد القادر لـ"المغرب'' "هناك انقسام عميق حول جدوى الحرب وكلفتها داخل مؤسسات القرار الأمريكي''
- بقلم وفاء العرفاوي
- 15:19 03/03/2026
قال الكاتب المختص في الشؤون الأمريكية ماهر عبد القادر
آخر مقالات وفاء العرفاوي
- الكاتب والمحلل السياسي مصطفى ابراهيم لـ" المغرب " كل تأخير في الاحتواء يقرّب المنطقة من انفلات كامل"
- الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني مصطفى إبراهيم لـ"المغرب" ''تصريحات ''هاكابي'' حول ''إسرائيل الكبرى'' تأييد للتطهير العرقي الاستيطان والضم''
- بين الدبلوماسية والتصعيد.. وعلى وقع تحشيد عسكري غير مسبوق انقسام داخل مؤسسات القرار الأمريكي بشأن كلفة الحرب على إيران
- الحرب الروسية الأوكرانية تدخل عامها الخامس صراع السيادة والأرض وإعادة رسم التوازنات الدولية
- ملامح مرحلة ما بعد الحرب سوريا بين تخفيف العقوبات والانسحاب الأمريكي
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.