هو عنوان المحاضرة التي ألقاها ماتسورا ماساتو، معلم بودو أي فنون الدفاع ، في الجامعة المركزية بتونس . وتحدث ماتسورا ماساتو، خلال هذه المحاضرة عن مسيرته المهنية، وممارسته لمسرح نو، وعلاقة المعلم بتلميذه، والبعد الروحي لهذا الفن الياباني العريق ، وتأثير هذا الفن على الجمهور التونسي والأوروبي.
وأعرب السفير الياباني سايتو جون عن أهمية مثل هذه الفعاليات في تعزيز العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين تونس واليابان . وقال ان فنون الدفاع تعبر عن ثراء الثقافة اليابانية.
فن أصيل
وُلد مدرب القتال والفنان ماتسورا ماساتو عام 1965، درس الفلسفة الشرقية، ثم لاحقا أصبح التلميذ الشخصي لتيتسونوسوكي كانزي الثامن، أحد كنوز مسرح نو . ويرجع تاريخ هذا المسرح الياباني الى القرن الرابع عشر للميلاد. ويقوم الممثلون فيه بارتداء أقنعة، ويتخاطبون باستعمال نفس نبرة الصوت، تصاحبهم فرقة موسيقية مزودة ببعض الآلات التقليدية. تنتصب خشبة المسرح في الهواء الطلق، وتدعم سقفها أربعة من العواميد الخشبية. لهذا الفن سحره الخاص، وترمز الأقنعة وأشكالها المختلفة إلى شخصية حاملها.
ثم نشأ "مسرح نو" عندما تم الجمع بين اثنين من التقاليد القديمة اليابانية: "كاغورا"، وهو نوع من فنون الإيماء المسرحي، ويتم تأديته عن طريق الرقص، والحوليات التي كانت تنظم في شكل أشعار ثم يقوم بعض من الرهبان البوذيين المتجولين بقراءتها.
في هذا الفن المسرحي العريق، لكل حركةٍ أهميتها، ولكل صمتٍ وقعٌ عميق. ولتعزيز براعته البدنية، تدرب ماساتو ماساتو على فنون قتالية متنوعة مثل الكاراتيه، وفنون المبارزة، والأيكيدو وغيرها . علّمته هذه الفنون التحكم بجسده، ووضعيته، وطاقته، وهي مهارةٌ تنعكس في حضوره المسرحي وأسلوبه في التدريس.
في عام 2006 استقر في باريس وأسس مدرسة سايو، التي تُعنى بتدريس فنون الدفاع عن النفس اليابانية، إلى جانب تقديم أسلوبه الفريد. ومن خلال الدروس وورش العمل والمحاضرات والعروض، يُشارك هذا الفن العريق في فرنسا وحول العالم. وقد وصل تدريسه إلى الجامعات والمعاهد الموسيقية الفرنسية، وامتدت عروضه إلى أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، لتصل إلى جماهير متنوعة وعالمية.
انسجام الجسد والروح
ماتسورا ماساتو، ألف العديد من الكتب، منها "حكمة وكلمات أمل للعيش بمرونة" و"فن السيف: الرابط بين النار والماء". ويعتبر ماساتو من خلال كتاباته بان مسرح نو وفنون الدفاع عن النفس ليست مجرد تقنيات أو عروض، بل هي طريقٌ إلى انسجام الجسد والعقل والروح، وحوارٌ بين الانضباط والروحانية الشاملة.
وفي حديث لـ" المغرب " على هامش الفعالية أكد ماساتو ان مسرح نو يتميز عن مختلف أنواع أشكال المسرح الأخرى وقال ان الممثل يسعى الى تجاوز ذاته والتحرر من
إرادته ليصبح هو الدور نفسه. إنها لغة الروح، تخاطب مباشرة عقل المشاهد الواعي واللاواعي. وأضاف بالقول :" علّمتني فنون الدفاع عن النفس معرفة جسدي، والعمل على وضعية الجسم، والتنفس، والتركيز. فالسيف، والكاراتيه، والأيكيدو ليست مجرد تقنيات قتالية، بل هي ممارسات لتناغم الجسد والعقل". وبين ان هذه الدقة تنعكس في مسرح نو فكل حركة مُتحكَّم بها، وكل إيماءة تحمل طاقة ومعنى. وأشار الى ان هذا الانضباط البدني هو ما يُتيح عمقًا ودقةً في التعبير المسرحي."
يرتبط مسرح نو ارتباطًا وثيقًا بالتأمل وإيقاظ الوعي. لا يقتصر الأمر على أداء دور، بل يتعلق بخلق حضور، وتناغم مع المكان والزمان والجمهور. يصبح الممثل روحًا، أو شبحًا؛ يدخل في حالة تأمل فعّال، شبيهة بما هو موجود في الزن أو غيره من التقاليد الروحية. حتى المفاهيم الموجودة في الروحانية الإسلامية، مثل الدائرية والانسجام، تنعكس في إيماءات الممثل وممارساته.
وأوضح انه في التقاليد اليابانية، لا يُقدّم المعلم دروسًا رسمية، بل يتعلم المرء من خلال معايشته، ومراقبة إيماءاته، وإيقاعه، ونواياه. كل شيء يصبح درسًا: كيفية ارتداء الكيمونو، وكيفية الحركة، وكيفية التنفس. يعمل المعلم على الجسد والعقل من خلال القدوة، وعلى التلميذ أن يبقى منتبهًا، ومنفتحًا، ومتواضعًا.