الكاتب المختص في الشؤون الأمريكية ماهر عبد القادر لـ''المغرب'' "مجلس السلام" ينزع الطابع السياسي عن قضايا جوهرية مثل الاحتلال والسيادة ''

قال الكاتب الفلسطيني المختص في الشؤون الأمريكية

ماهر عبد القادر في حديث لـ''المغرب'' حول توجهات إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب إزاء قطاع غزة، ومشروع إنشاء ما يُسمّى ''مجلس سلام'' لغزة، قال أنّ هذا الطرح يعكس تحوّلا جوهريا في المقاربة الأمريكية من محاولة حلّ الصراع إلى الاكتفاء بإدارته وضبط تداعياته.
وقال عبد القادر أن ''المشروع يقوم على نقل الدبلوماسية الأمريكية من إستراتيجية حل الصراعات إلى إستراتيجية إدارة الأزمات، حيث يصبح الأمن شرطا مسبقا لأي مسار سياسي لاحق، لا نتيجة له. ووفق هذا المنطق، يتم السعي إلى خلق حالة من ''الاستقرار الوظيفي'' التي تضمن الحد الأدنى من الهدوء، حتى لو جاء ذلك على حساب الحقوق السياسية الفلسطينية ومرجعيات القانون الدولي، الأمر الذي يفضي عمليا إلى مأسسة شكل من أشكال الوصاية الأمنية''.
وفي هذا السياق، أشار عبد القادر إلى أنّ أحد أخطر مرتكزات المشروع يتمثل في نزع الطابع السياسي عن القضايا الجوهرية، مثل الاحتلال والسيادة وحق تقرير المصير، وتحويلها إلى ملفات إجرائية وتقنية، كإدارة المعابر، وتوزيع المساعدات، وإجراءات التدقيق الأمني. وتابع أن هذا التحويل، ليس تفصيلا إدارياً، بل إعادة تعريف للصراع نفسه بوصفه أزمة إنسانية وأمنية، لا قضية تحرر وطني.
وتابع عبد القادر أن المقترح الأمريكي يسعى إلى إنشاء سلطة تكنوقراطية في غزة، بمهام إدارية محدودة ومن دون أي سيادة قانونية أو سياسية حقيقية، على أن تخضع هذه السلطة لإشراف مباشر من ''مجلس السلام'. وأكد أن مثل هذا الترتيب، يكرّس نموذج الحكم غير السيادي، ويُقصي المؤسسات والمرجعيات الفلسطينية القائمة عن أي دور فعلي في إدارة القطاع.
أما على مستوى الأمن، فلفت عبد القادر النظر إلى أن المشروع يربط بشكل صارم بين إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية وبين تفكيك البنى التنظيمية المحلية، وفق معايير أمنية تضعها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. واعتبر أن هذا الربط يحوّل الإعمار إلى أداة ضغط سياسي، ويجعل من الاحتياجات الإنسانية وسيلة لفرض وقائع أمنية طويلة الأمد.
وعند سؤاله عن المواقف الدولية، وضح عبد القادر أن واشنطن وحلفاءها يسعون إلى تمرير هذا الطرح عبر غطاء دولي يخفف من الكلفة السياسية المباشرة للتدخل، في حين تعارض روسيا والصين أي تجاوز لدور الأمم المتحدة، خشية أن يتحول ''مجلس السلام'' إلى أداة للهيمنة الأمريكية الأحادية. أما الأطراف الإقليمية، ففقد قال عبد القادر '' أنها تحاول الموازنة بين الرغبة في التهدئة ومنع الانفجار، وبين الخشية من الانخراط في ترتيبات أمنية تفتقر إلى الشرعية الوطنية والشعبية''.
وفي ما يتصل بالمسار التفاوضي، أكد عبد القادر أن حكومة الاحتلال الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، تضع عراقيل جدية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من أي اتفاق، عبر طرح شروط أمنية تعجيزية، مثل المطالبة بالسيطرة الأمنية المطلقة، ونزع السلاح كشرط مسبق، وربط أي تقدم سياسي بملفات إنسانية، كإعادة جثامين المحتجزين.
وبخصوص البعد الاقتصادي في تفكير دونالد ترامب،قال الكاتب الفلسطيني '' أن الرئيس الأمريكي يتعامل مع ملفات المنطقة بعقلية "رجل الصفقات""، حيث يسعى إلى تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط للتفرغ لمواجهة الصين اقتصاديا وتأمين مصادر إستراتيجية بديلة، وهو ما يفسر ، اهتمامه بملفات خارج المنطقة مثل جزيرة غرينلاند وما تختزنه من معادن ثمينة'' وفق تعبيره.
وعن مستقبل الدور الأممي، قال عبد القادر أن ''ترامب لا يؤمن بفاعلية الأمم المتحدة كمرجعية سياسية، لكنه يوظفها كواجهة دولية تمنح سياساته قدرا من الشرعية الشكلية، وكأداة يمكن استخدامها لتقاسم الأعباء والكلفة الاقتصادية مع أطراف أخرى''.وحذّر عبد القادر من أن مشروع ''مجلس السلام'' يحمل في طياته مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها تقويض مفهوم السيادة وخلق سابقة دولية تسمح بالتدخل في شؤون الدول تحت ذريعة “الفشل الأمني”. كما أن تغييب العدالة السياسية عن أي تسوية يجعل الاستقرار الناتج عنها هشّاً وقابلاً للانهيار، ما يفتح الباب أمام دورات عنف أشد في المستقبل. الأخطر، وفق تعبيره، هو احتمال استخدام غزة كمختبر لتجريب نماذج أمنية يمكن تعميمها لاحقاً على بؤر توتر أخرى في العالم العربي والإسلامي.
وأضاف عبد القادر إلى أنّ مواجهة هذا المشروع تستدعي التمسك الصارم بالمرجعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بإنهاء الاحتلال، ورفض أي آليات موازية تحاول الالتفاف عليها. كما شدد على ضرورة عدم الانخراط في أي ترتيبات أمنية أو إدارية لا تكون مرتبطة بمسار سياسي واضح وجدول زمني ملزم لتحقيق السيادة الكاملة، إلى جانب تفكيك الخطاب الذي يروّج لمفاهيم مثل ''السلام الوظيفي'' و''الإدارة المشروطة''، واستبداله بخطاب يؤكد أن السلام العادل وإنهاء الاحتلال هو الضمانة الوحيدة لاستقرار حقيقي ومستدام.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115