الفوترة الإلكترونية أربكت المسار : هل يمكن "للمرونة ” أن تُصلح ما قد يكون خللًا في الصياغة أو نقصًا في الإعداد؟

هل تُسنّ القوانين لتنظيم الواقع أم لافتراض واقع

غير موجود بعد؟ وهل تكفي عبارات مطمئنة مثل “المرونة” و“التدرّج” لمعالجة إشكالات تشريعية وتقنية عميقة؟ ثم، ماذا يعني عمليًا أن يكون قانون ما نافذًا، لكن تطبيقه “مرنًا”؟ وأين تقف حدود هذه المرونة حين يتعلّق الأمر بالتزامات جبائية وعقوبات محتملة؟ هل يكفي أن يُنشر قانون في الرائد الرسمي ليصبح قابلًا للتنفيذ؟ وهل يمكن لعبارة مثل “التطبيق بمرونة” أن تُصلح ما قد يكون خللًا في الصياغة أو نقصًا في الإعداد؟ ثم، ما الذي تعنيه المرونة عمليًا عندما يتعلّق الأمر بنصّ قانوني نافذ يرتّب التزامات جبائية وعقوبات مالية؟

هذه الأسئلة، وغيرها، فرضت نفسها بقوة مع انطلاق العمل بأحكام الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 المتعلّق بإلزامية الفوترة الإلكترونية و لم تعد نظرية، بل تحوّلت إلى محور نقاش واسع.

اعتماد المرونة في التطبيق

أصدرت وزارة المالية التونسية في 13 جانفي 2026 بلاغًا أكدت فيه أنّ الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 ينصّ صراحة على إخضاع العمليات للفوترة الإلكترونية بداية من غرّة جانفي 2026، معتبرة أنّ هذا الإجراء يندرج في إطار تحديث المنظومة الجبائية وتعزيز الشفافية ومقاومة التهرّب. غير أنّ اللافت في البلاغ لم يكن تأكيد النفاذ، بل الإصرار في المقابل على اعتماد “المرونة” في التطبيق، تفاديًا للصعوبات، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة في النفاذ إلى المنصّات الرقمية، وتجنّبًا لأي اضطراب قد يمسّ استقرار النشاط الاقتصادي.
هذا الخطاب المزدوج والذي يطرح قانونا نافذا من جهة، وتطبيق مرن من جهة أخرى، يعكس بوضوح فجوة قائمة بين منطق التشريع ومنطق الواقع. فالاعتراف بالحاجة إلى المرونة هو، في حدّ ذاته، إقرار ضمني بأن شروط التطبيق لم تكتمل بعد. وهنا يبرز السؤال الجريء لماذا يُسنّ قانون قبل استكمال البنية التحتية التقنية والتنظيمية الضرورية لإنجاحه؟ ولماذا يُترك عبء التكيّف لاحقًا للإدارة والمهنيين بدل أن يكون جزءًا من مرحلة الإعداد التشريعي؟
مرونة غامضة وحدود غير واضحة

في الفقه القانوني، يُفترض في القاعدة القانونية أن تكون واضحة ومستقرة وقابلة للتطبيق على الجميع دون تمييز. لكن حين يصبح التطبيق “مرنًا” دون تحديد دقيق لمجالات هذه المرونة، ومدّتها، ومعاييرها، فإن ذلك يخلق منطقة رمادية خطيرة: قانون واجب التطبيق نظريًا، لكن غير محسوم عمليًا. فهل ستُطبّق العقوبات؟ ومتى؟ وعلى أي فئات؟ وهل ستُعامل جميع المؤسسات بالطريقة نفسها؟
هذا الغموض لا يهدّد فقط مبدأ الأمن القانوني، بل يُضعف أيضًا الثقة بين الإدارة الجبائية والمتعاملين الاقتصاديين. فالفاعل الاقتصادي، خاصة الصغير والمتوسط، لا يبحث عن الاستثناءات بقدر ما يبحث عن قواعد واضحة تمكّنه من التخطيط والاستثمار دون خوف من تأويلات متغيّرة.

ردّ المهن الحرة والإشكال أعمق من التقنية

أصدر مجلس عمداء الاتحاد التونسي للمهن الحرة في اليوم نفسه، بيانًا عبّر فيه عن انشغاله العميق من الإشكاليات القانونية والتطبيقية التي أفرزها تنزيل الفصل 53. واعتبر الاتحاد أنّ توسيع نطاق الفوترة الإلكترونية ليشمل عمليات إسداء الخدمات تمّ بصياغة عامة ومطلقة، “تطلق يد الإدارة في التأويل”، ودون احترام مبدأ التشاركية أو عرض المشروع على المجلس الوطني للجباية، رغم ما يضمه من تمثيلية مهنية وخبرات.
البيان لم يركّز فقط على الصعوبات التقنية، بل لامس جوهر الإشكال التشريعي. فقد نبّه إلى تناقضات داخل النصّ نفسه، حيث أُدرجت عمليات إسداء الخدمات ضمن فقرتين تقرّان وجوبية الفوترة الإلكترونية بالنسبة لكبرى المؤسسات في مجالات محددة، مع إعفائها منها في مجالات أخرى، وهو ما اعتُبر توجّهًا غير مبرّر ولا مقبول من حيث المبدأ.

يتمثل أحد أكثر النقاط حساسية في مسألة “مذكرة الأتعاب”. فقد ذكّر الاتحاد بأن الفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة أحدث تمييزًا صريحًا بين الفاتورة التجارية ومذكرة الأتعاب، وخصّص لكلّ منهما نظامًا جبائيًا مستقلًا. وبما أنّ الفاتورة الإلكترونية أحالت صراحة على الفاتورة التجارية دون التنصيص على مذكرة الأتعاب، فإنّ إخضاع أصحاب المهن غير التجارية للفوترة الإلكترونية يظلّ، من وجهة نظر قانونية، محلّ جدل مشروع. فالتشريع الجبائي، كما هو معلوم، لا يحتمل التوسّع في التأويل أو القياس.
بعيدًا عن الجدل القانوني، تبرز مسألة الكلفة كعامل ضغط رئيسي. إذ يحذّر المهنيون من أنّ عناصر الإفصاح الجبائي يجب أن تكون مجانية من حيث المبدأ، وأن تحميل المطالبين بالأداء أعباء اقتناء البرمجيات، وشهادات التوقيع الإلكتروني، والاستثمار في المعدات والربط البيني، إضافة إلى كلفة التكوين، قد يُقصي الباعثين الشبان والهياكل ذات الإمكانيات المحدودة من الدورة الاقتصادية بدل إدماجهم فيها.
وفي ظلّ غياب منصّات معتمدة وصيغ تقنية وقانونية واضحة، تتحوّل الرقمنة من أداة إصلاح إلى عبء يومي يهدّد استمرارية النشاط.

دروس من تجارب دولية

في الواقع، لا يقتصر الجدل حول الفوترة الإلكترونية أو الإصلاحات الجبائية الرقمية على الحالة التونسية، بل تؤكّده تجارب دولية متعدّدة أظهرت أنّ التشريع، حين يسبق الجاهزية، قد يتحوّل إلى عبء بدل أن يكون أداة إصلاح. ففي إيطاليا، ورغم نجاح تعميم الفوترة الإلكترونية منذ 2019 في تحسين الاستخلاص الجبائي، واجهت الدولة في بدايات التطبيق موجة احتجاجات من أصحاب المهن الحرة والمؤسسات الصغرى بسبب الكلفة التقنية وصعوبة الامتثال، ما اضطرّ السلطات إلى إقرار إعفاءات وتأجيلات مرحلية ودعم تقني لاحق. أمّا في الهند، فقد أدّى إطلاق نظام ضريبة السلع والخدمات الرقمي دفعة واحدة إلى ارتباك واسع في التصاريح الجبائية وتعطّل آلاف الشركات الصغرى، قبل أن تعترف الحكومة بالحاجة إلى التبسيط والتعديل المتكرّر للقانون. وفي فرنسا، وعلى الرغم من التقدّم الرقمي، تمّ تأجيل تعميم الفوترة الإلكترونية بين الشركات أكثر من مرة، بعد مشاورات واسعة مع المهنيين، إدراكًا لصعوبة التطبيق الفوري على النسيج الاقتصادي. أمّا البرازيل، فقد كشفت تجربتها أنّ الرقمنة دون تبسيط تشريعي قد تُنتج منظومة شديدة التعقيد، تدفع جزءًا من المؤسسات نحو الاقتصاد غير المنظّم بدل إدماجها فيه. وفي المقابل، تُستحضر تشيلي كنموذج أقرب إلى النجاح، لا بسبب صرامة الإلزام، بل لأن الدولة استثمرت طويلًا في البنية التحتية، ووفّرت منصّات مجانية، واعتمدت مراحل تجريبية ومرافقة تقنية قبل تعميم القانون. وتُجمع هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، على درس واحد واضح ان الإصلاح الجبائي الرقمي لا يُقاس بجرأة النصوص، بل بواقعية التنفيذ، وبمدى استعداد الدولة لتحويل القانون من عبء مفروض إلى مسار إصلاحي قابل للحياة.
الفوترة الإلكترونية خيار استراتيجي لا جدال فيه، لكن نجاحه يظلّ رهين ترتيب مراحله. فالتشريع الرشيد يبدأ بدراسة الأثر، ثم تجهيز البنية التحتية، وتكوين المتدخلين، وتوضيح الإطار القانوني، قبل الانتقال إلى الإلزام والعقوبات.
المرونة، إن لم تُدعّم بإطار قانوني واضح وجدول زمني واقعي وحوار تشاركي فعلي، قد تُخفي الأزمة بدل حلّها. أمّا الإصلاح الحقيقي، فهو ذاك الذي يجعل القانون قابلًا للتطبيق قبل أن يجعله إلزاميًا، ويحوّل الرقمنة من عبء مفروض إلى رافعة ثقة ونمو مستدام.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115