منبــــر: قراءة في آلية الصلح الجزائي

تمّ بموجب المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلّق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته ضبط إجراءات الصلح مع الدولة

في الجرائم الاقتصادية والمالية والأفعال والأعمال والممارسات التي ترتّبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتّب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت أضرارا مالية للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أيّ جهة أخرى.
كما تمّ بموجب ذات المرسوم ضبط طرق توظيف عائدات الصلح الجزائي.
أوّلا: الأهداف المعلنة للصلح الجزائي:
طبقا للأحكام الواردة بالباب الأوّل من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 سالف الذكر، يهدف الصلج الجزائي إلى:
- إيقاع الصلح في شأن الجرائم الاقتصادية المالية والإقتصادية وفي كل الأفعال والأعمال والممارسات غير الشرعية التي ألحقت ضررا بالدولة أو بالجماعات المحلية والمنشآت والمؤسّسات والهيئات العمومية أو أيّ جهة أخرى، وبالتالي تحقيق المصالحة الوطنية في المجالين الاقتصادي والمالي،
- تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية كوسيلة مستحدثة وبديلة عن الدعوى العمومية لتوظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على أساس قاعدة العدل والإنصاف، وذلك من خلال دفع مبالغ مالية أو إنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة،
- توحيد مسار استرجاع الأموال المنهوبة،
- تطهير الوضعية القانونية للمصالحين من كل شبهات الفساد المالي والإقتصادي العالقة بهم وإعادة إدماجهم في الميدان الاقتصادي والإجتماعي على أساس مبدأي الشفافية والنزاهة.
ثانيا: نطاق الصلح الجزائي والأشخاص المعنيون به:
باستثناء الجرائم الإرهابية والأفعال والأعمال والتصرفات والدعاوى والحقوق التي سبق التصالح في شأنها، يتميّز مجال أو نطاق الصلح الجزائي بالتنوع والتعدّد، فهو يشمل بالأساس ما يلي:
- الجرائم الاقتصادية والمالية، ويشمل ذلك الجرائم المتّصلة بالمال العام وبملك الدولة العام والخاص والرشوة وغسيل الأموال والجباية والديوانة والصرف والسوق المالية والمؤسسات المالية،
- الأفعال والأعمال والممارسات التي ترتّبت عنها منافع غير شرعية أو يمكن أن تترتّب عنها منافع غير شرعية أو غير مشروعة والتي أنتجت أضرارا مالية للدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات والهيئات العمومية أو أيّ جهة أخرى،
- الأشخاص المشمولين بأحكام جزائية،
- الأشخاص المشمولين بتتبّعات قضائية أو إدارية،
- الأشخاص المرتكبين لأعمال كان من الواجب أن تترتّب عنها جرائم اقتصادية ومالية،
- الأشخاص الذين لم تستكمل في شأنهم إجراءات مصادرة أموالهم واسترجاعها من الخارج طبقا لمرسوم المصادرة عدد 13 لسنة 2011 والمنقّح بالمرسوم عدد 47 لسنة 2011،
- الأشخاص الذين استفادوا من الأملاك المصادرة دون القيمة الحقيقية لها،
- كل الجرائم الاقتصادية والمالية المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حدّ 20 مارس 2022 الموافق لتاريخ نشر مرسوم الصلح الجزائي بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية،
- كل الوضعيات والحالات والملفات التي تتعهد بها اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بطريق التعهد التلقائي المسند لها.
ثالثا: آليات تفعيل الصلح الجزائي:
على غرار اتّساع نطاق الصلح وتعدّد الأشخاص المشمولين به، فإنّ الهياكل والآليات المكلّفة إيقاع الصلح الجزائي وبتنفيذ مقتضياته تتميّز هي الأخرى بالتعدّد، فلكل هيكل مهام وخصائص معيّنة تختلف عن الأخرى، غير أنّها تتداخل أحيانا وتحدث تعقيدا بارزا سنبرز تباعا تجلياته.

1 - اللجنة الوطنية للصلح الجزائي:
• الخصائص:
- ملحقة برئاسة الجمهورية،
- يتمّ تعيين أعضائها من قبل رئيس الجمهورية لمدّة ستة أشهر (6) قابلة للتجديد مرة واحدة، بما يعني أنّ عهدتها لا يمكن بحال أن تتجاوز العام الواحد في أقصى الحالات.
- لرئيس الجمهورية الحقّ في إعفاء أيّ عضو من أعضائها من مهامه،
- مصاريف اللجنة محمولة على ميزانية الدولة،
- أعضاء اللجنة متفرّغون كامل الوقت، وتسند لهم منحة شهرية تضبط بأمر رئاسي تضاف إلى راتبهم الأصلي، وهو أمر لم يصدر بعد،
- تتركّب اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من ثمانية أعضاء (8)، وهم ثلاثة قضاة (3)، قاضي عدلي من الرتبة الثالثة كرئيس، وقاضي إداري برتبة رئيس دائرة تعقيبية كنائب أوّل، وقاضي مالي برتبة رئيس دائرة تعقيبية كنائب ثاني.
كما تضمّ اللجنة ممثّلا عن الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية، ومراقبا عامّا عن هيئة الرقابة العامة للمالية، وممثّلا عن وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، وممثّلا عن اللجنة التونسية للتحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي، وممثّلا عن المكلّف العام بنزاعات الدولة. ويتولى كتابة اللجنة مقرّر من إطارات المكلّف العام بنزاعات الدولة.

• المهام:
_ ضبط قائمة المعنيين بالصلح الجزائي ودعوتهم إلى إيداع مطالب صلح في أجل 15 يوما من تاريخ الدعوة.
_ التعهد بمطالب الصلح التي يقدّمها المشمولون بأحكام الفصل 3 من القانون الأساسي عدد 77 لسنة 2016 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلّق بالقطب القضائي المالي، وذلك في أجل شهر من تاريخ إعلان اللجنة عن انطلاق نشاطها،
_ التعهد بالإحالات الواردة على اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من اللجان والهياكل المتعهدة قانونا بملفات لها علاقة بسائر الجرائم المالية ولاقتصادية على نحو ما تم تعريفها بالفصل 6 من المرسوم، ولو لم تترتب عنها جرائم أو تتبّعات قضائية أو إدارية،
_ التفاوض مع طالب الصلح وضبط المبلغ المالي المستولى عليه أو قيمة المنفعة أو مقدار الضرر الذي طال المال العام تضاف إليه نسبة 10% عن كل سنة،
_ إبرام الصلح النهائي إذا تمّ دفع كامل المبلغ النهائي،
- إبرام صلح وقتي في صورة الاتفاق على إنجاز مشروع أو مشاريع في حدود المبالغ المطالب بدفعها، شريطة تأمين 50 % من قيمة المبالغ المحدّدة، على ألا يتمّ إبرام الصلح النهائي إلا بعد إنجاز المشروع أو المشاريع المتّفق عليها،
_ البتّ في جميع مطالب الصلح في أجل أقصاه أربعة أشهر (4) من تاريخ تعهد اللجنة بها.

2 - لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات:
• الخصائص:
- نحدث لدى الوزارة المكلّفة بالإقتصاد،
- نتكوّن من تسعة أعضاء (9) ومقرّر، وذلك من بين الشخصيات من ذوي الكفاءة في المجالات القانونية والإقتصادية والإجتماعية والمالية،
- يتمّ تعيين أعضاء اللجنة بأمر رئاسي، وهم يعملون بالتفرغ الكامل، ويتقاضون منحة شهرية تضبط بأمر تضاف إلى مرتّباتهم الأصلية.
• المهام:
- متابعة تنفيذ اتّفاقيات الصلح واختيار المشاريع ومتابعة إنجازها،
- ترتيب المعنيين بالصلح الوقتي ترتيبا تنازليا بناء على المبالغ المضمّنة باتّفاقيات الصلح،
- تحديد المشروع الذي يتعيّن إنجازه بناء على الترتيب الرسمي المعتمد لدى الإدارة المركزية بخصوص المناطق الأكثر فقرا إلى أقلّها،
- إعلام المنتفع بالصلح الوقتي بالمشروع الذي سيعهد إليه وريط الصلة بينه وبين المجلس الجهوي أو الهيكل العمومي المعني ودعوته لإبرام عقد في الغرض في أجل ثلاثة أشهر (3) من تاريخ دعوته،
- متابعة تنفيذ المشاريع النهائية بالتنسيق مع اللجان الجهوية لمتابعة المشاريع.

3 - لجنة الخبراء:
• الخصائص:
- يتمّ اختيار لجنة الخبراء من ضمن قائمة بقرار من رئيس الحكومة،
- تعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية للصلح الجزائي.
• المهام:
- مساعدة اللجنة الوطنية للصلح الجزائي على تقدير الأموال المستولى عليها أو المنفعة المتحصّل عليها أو الضرر الحاصل للدولة والهياكل العمومية من خلال جملة الإختبارات التي تقوم بها، كلّ ذلك في أجل لا يتجاوز 20 يوما من تاريخ نعهدها،
- لطالب الصلح التظلم لدى اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من نتيجة الإختبار في أجل 7 أيام من تاريخ إعلامه بنتيجة الإختبار،
- يجوز للجنة الوطنية للصلح الجزائي أن تأذن بإعادة الإختبار بواسطة لجنة خبراء من نفس القائمة،

- في كل الأحوال، فإنّ أعمال لجنة الخبراء غير ملزمة للجنة الوطنية للصلح الجزائي.

4 - اللجان الجهوية لمتابعة وتنسيق المشاريع:
• الخصائص:
- تحدث على مستوى كل ولاية من ولايات الجمهورية التونسية،
- يرأسها والي الجهة،
- تتركّب من مديري الإدارات الجهوية التابعة للوزارات بكل ولاية،
- أعضاؤها يعملون دون مقابل.

• المهام:
- تتولى دعوة متساكني المعتمديات المعنية إلى تقديم مقترحات المشاريع التي يرغبون في إنجازها في أجل شهرين من تاريخ الدعوة،
- يجب أن تكون مقترحات المشاريع مكتوبة وممضاة من قبل ما لا يقلّ عن 1000 ساكن، وأن تكون مرفوقة بدراسات أوّلية للمشاريع تتضمّن وصفا دقيقا لها وكلفتها وطاقتها التشغيلية ومردوديتها،
- دراسة مقترحات المشاريع والبتّ فيها والإعلان عن قائمة المشاريع التي حظيت بالموافقة، وإحالتها على لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات.

5 - حساب عائدات الصلح الجزائي لتمويل المشاريع التنموية:
طبقا للفصلين 29 و30 من المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، يتولى وزير المالية بموجب قرار فتح حساب أموال مشاركة بخزينة الدولة يسمّى»حساب عائدات الصلح الجزائي لتمويل المشاريع التنموية» تودع فيه المبالغ المالية المتّفق عليها مقابل وصل يسلّم للمعني بالأمر طبقا للفصل 24 من هذا المرسوم، علما بأنّ الإحالة إلى الفصل 24 سالف الذكر لم تكن موفّقة، ضرورة أنّه لا علاقة له بموضوع الفصل 29، وهو ما يفيد أنّ خطأ تسرّب على مستوى عدد الفصل المحال إليه، فهو الفصل 25 من المرسوم وليس 24 باعتبار أنّ الفصل 25 يتعلّق بإجراءات دفع المبالغ المتّفق عليها، في حين يتعلّق موضوع الفصل 24 بعمل لجنة الخبراء لا غير.
علما بأنّ المبالغ المودعة بالحساب المذكور توظّف وجوبا في تمويل إنجاز مشاريع تنموية اعتمادا على خصوصية المناطق واحتياجات الأهالي والأولويات الوطنية والمحلية والأهداف المرسومة بمخططات التنمية. وتوزّع عائدات الصلح كما يلي:
- 80 % ترصد لفائدة المعتمديات المنتفعة بالمشاريع المذكورة حسب ترتيبها من الأكثر فقرا إلى الأقلّ فقرا.
- 20 % تخصّص لفائدة الجماعات المحلية بغاية المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية طبقا للتشاريع الجاري بها العمل.

6 - وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب:
بحسب الفصل 36 من مرسوم الصلح الجزائي وتوظيف عائداته، تتمثّل مهمة أو دور وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب في إعلام الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية بالمحكمة المتعهدة بالقضية أو المباشرة للتبع بختم الصلح الجزائي مصحوبا بنسخة من من كتب الصلح.

7 - الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية:
يتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية حسب الحال مطالبة الجهة المتعهدة بالتصريح بانقضاء الدعوى العمومية بموجب الصلح والإفراج حالا عن طالب الصلح إن كان موقوفا.
وإذا كان المتصالح مشمولا بحكم غيابي أو بتنفيذ عقوبة سالبة للحرية، يتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية إصدار قرار بسقوط العقاب بموجب الصلح، ومن ثمّة إعلام كبير حرّاس السجون بذلك ليتولى تسريح المتصالح.
أمّا إذا كان المتصالح محلّ تتبّع جزائي لدى النيابة العمومية، يتولى الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف أو وكيل الجمهورية اتخاذ قرار بحفظ الملف لانقضاء الدعوى بموجب الصلح والإفراج ىعن المتصالح إن كان موقوفا.

8 - الشركات الأهلية:
يعدّ المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2002 الإطار القانوني المنظّم للشركات الأهلية، وهذه الأخيرة ترتبط ارتباطا وثيقا بمرسوم الصلح الجزائي، ذلك أنه فضلا عن تزامن صدور المرسومين المذكورين في نفس اليوم، فقد نصّ الفصل 30 من مرسوم الصلح الجزائي على أن «توظّف الأموال المودعة بحساب عائدات الصلح الجزائي لتمويل المشاريع التنموية في تمويل إنجاز مشاريع تنموية اعتمادا على خصوصية المناطق واحتياجات الهالي والأولويات الوطنية والمحلية والأهداف المرسومة بمخططات التنمية. وتوزع عائدات الصلح الجزائي كما يلي: وتوزّع عائدات الصلح كما يلي:
- 80 % ترصد لفائدة المعتمديات المنتفعة بالمشاريع المذكورة حسب ترتيبها من الأكثر فقرا إلى الأقلّ فقرا.
- 20 % تخصّص لفائدة الجماعات المحلية بغاية المساهمة في رأس مال مؤسسات محلية أو جهوية تأخذ شكل شركات ذات صبغة أهلية أو استثمارية أو تجارية طبقا للتشاريع الجاري بها العمل».
كما اقتضى الفصل 49 من ذات المرسوم أن «يتمّ تسجيل وتحيين المؤسسات المحدثة في إطار توظيف عائدات الصلح الجزائي (والمقصود بهذه المؤسسات الشركات الأهلية أساسا) بالسجل الوطني للمؤسسات حسب التشريع الجاري به العمل، ويتمّ إفرادها بسجّل فرعي يطلق عليه تسمية» السجّل الفرعي للمؤسسات المحدثة في إطار تنمية المعتمديات الأكثر فقرا».
ومن جهنه اقتضت أحكام المرسوم عدد 15 لسنة 2022 المتعلق بالشركات الأهلية أنّ الشركات الأهلية تتولى خاصة:
- بعث المشاريع اقتصادية استجابة لاحتياجات المتساكنين،
- التصرف وإدارة المشاريع في مستوى الجهة المعنية،
- تحقيق التنمية الجهوية وفقا للإرادة الجماعية للأهالي وتماشيا مع خصوصيات مناطقهم،
- تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات من خلال ممارسة جماعية لنشاط اقتصادي انطلاقا من المنطقة الترابية،
- تنتفع الشركات الأهلية بإعفاء تامّ من الضرائب لمدة 10 سنوات،
- تشرف الدولة وتراقب نشاط الشركات الأهلية من خلال إبداء الرأي في تقاريرها المالية والإقتصادية، وبإمكانها المطالبة بتغييرها إذا لم تنل رضاء الوالي أو وزير الاقتصاد،
- تتدخّل السلطة المركزية في قرارات الشركات الأهلية وتتصّرف في نسبة هامة من مرابيحها.

رابعا: الصلح الجزائي بين العدالة الجزائية التعويضية والعدالة الإنتقالية:
في غياب وثيقة رسمية تشرح بإسهاب أسباب إصدار المرسوم المتعلّق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، يمكن الجزم بأنّ فلسفة هذا المرسوم تقوم على تكريس مبدأ العدالة الجزائية التعويضية كوسيلة لتوظيف عائدات الصلح الجزائي لفائدة المجموعة الوطنية على أساس العدل والإنصاف.
كما أنّ مرسوم الصلح الجزائي يقدّم على أنّه آلية جديدة محدثة على أنقاض التجربة التونسية في مجال العدالة الإنتقالية والتي أشرفت عليها هيئة الحقيقة والكرامة، وهي تجربة غير موفقة ولم تحقّق النتائج المرجوة منها، فضلا أنه يأتي بعد ثبوت تعثّر مسارات المحاسبة والمصادرة واسترجاع الأموال المنهوبة، وصولا إلى النتائج الهزيلة التي سجّلتها تجربة المصالحة الاقتصادية والمالية التي أطلقها الرئيس الراجل الباجي قائد السبسي.
وفي هذا الإطار، توجّب التمييز بين العدالة الجزائية التعويضية والعدالة الإنتقالية باعتبارها مسارا متكاملا من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الفساد المالي من خلال كشف جقيقتها مساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا بما فيهم الدولة ذاتها وردّ الإعتبار لهم بما يحقّق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثّقها ويرسي ضمانات عدم التكرار والإنتقال من حالة الإستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان.
أمّا العدالة الجزائية التعويضية والمجسّمة في الصلج الجزائي، فهي تهدف إلى جبر الضرر الناتج عن الجرائم جبرا عادلا ومتناسبا مع حجم الضرر دون اشتراط للمحاسبة أو للملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم أو الانتهاكات، بل هي تهدف إلى استبدال الدعوى العمومية أو ما يترتّب عنها من محاكمات أو عقوبات بدفع مبالغ مالية أو بإنجاز مشاريع وطنية أو جهوية أو محلية بحسب الحاجة، على أن يتمّ ذلك تحت إشراف لجنة وطنية للصلح الجزائي تتكوّن من قضاة ومن ممثّلين عن بعض الهيئات الرقابية والوزارات يعيّنهم جميعا رئيس الجمهورية.

1 - في مدى استقلالية اللجنة الوطنية للصلح الجزائي:
بالإطلاع على أحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المتعلّق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، يتبيّن وفقا لما سبق بيانه أعلاه أنّ اللجنة الوطنية للصلح الجزائي تخضع لإشراف رئاسة الجمهورية وأنّ رئيس الجمهورية ينفرد بتعيين أعضائها، كما يمكنه إعفاء أيّ عضو منها دون تجديد صور الإعفاء وحالاته وأسبابه.

2 - في المساس بمبادئ اتّصال القضاء وسقوط الجرائم والعقوبات بمرور الزمن:
يمكّن مرسوم الصلح الجزائي اللجنة الوطنية للصلح الجزائي من رفع يد القضاء عن جميع ملفات الفساد المالي والإعتداء على المال العام بما فيها تلك التي سبق التعهد بها ولا تزال جارية أمامه أو تلك صدرت فيها أحكام أو تمّت مباشرة التتبع والمحاكمة وتنفيذ العقاب، كما يمكن للجنة التعهد تلقائيا بقضايا لا تزال على بساط النشر أو بأي وضعية أخرى لم تكن محل تعهد سابق، فضلا أنّ اللجنة يمكنها الإذن بإنهاء العمل بأحكام قضائية باتّة بمجرد إبرام الصلح.
ومفاد ما تقدّم أنه يجوز مسائلة نفس الشخص من أجل فعل سبق أن حوكم من أجله، كما أنّ تمتّع اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بصلاحية التعهد التلقائي يخشى منه انفرادها بسلطة تقديرية واسعة ومطلقة لفرض الصلح الجزائي على كل شخص دونما جاجة لاختياره وطلبه، فضلا عن عدم إتاحة الفرصة للطعن فيما يصدر عن اللجنة المذكورة من قرارات حين ممارستها لصلاحية التعهد التلقائي سالفة الذكر.

3 - اختصاص موضوعي وزمني واسع مقابل آجال مختصرة ومقتضبة:
لئن حدّد مرسوم الصلح الجزائي مدة تكليف أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي بستّة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، فإنّه لم يجدّد مدّة عملها الفعلي، غير أنّنا لا نرى أنّ مدة التكليف تختلف عن مدة العمل، لذلك هل ستكون مدة السنة القصوى كافية لتمكين اللجنة المذكورة من إتمام مجمل أعمالها بما تنطوي عليه مهامها من شمول وإطلاق على المستويين الموضوعي والزمني، ذلك أنّ نظر اللجنة يشمل كل الجرائم المرتكبة قبل سنة 2011 وإلى حدود تاريخ 20 مارس 2022 ، كما انّها مكلّفة بمتابعة تنفيذ الصلح الجزائي إذا ما أفضى إلى إنجاز مشاريع.

4 - تفعيل الصلح الجزائي سيصطدم بعوائق ومطبات ملحوظة:
طبقا لمرسوم الصلح الجزائي، توظّف عائدات الصلح الجزائي لتنمية المعتمديات المفقّرة بناء على مقترحات المتساكنين (1000 ساكن)، وكذلك بناء على مدى استجابة المشاريع المقترحة لتطلّعاتهم.
والسؤال الذي يطرح في هذا الإطار هو الآتي: هل ستتطابق فعلا إرادة المتساكنين مع متطلبات التنمية الحقيقية للمعتمديات أو الجهات بحسب الحال مع وجهة نظر الإدارة التنفيذية عموما عموما والمجسّدة طبق نفس المرسوم في «اللجان الجهوية لمتابعة تنسيق المشاريع»، حال أنّ هذه اللجان يترأسها ولاة الجهات وتتركّب من مديري الإدارات الجهوية؟ كما أنّ هذه اللجان الجهوية مدعوة إلى تحديد قائمة المشاريع المقبولة وإحالتها على «لجنة متابعة تنفيذ اتّفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات»، وهي لجنة محدثة لدى الوزارة المكلّفة بالإقتصاد خوّل لها المرسوم إمكانية طلب تمكينها من توضيحات تكميلية وإرجاع المشروع إلى اللجنة الجهوية المعنية للتداول فيه من جديد، وهو ما يجعل من تصوّر إنجاز المشاريع بناء على تطلعات ورغيات المتساكنين أمرا نظريا باعتباره سيصطدم حتما بمسار إداري معقّد وثقيل من جهة التصور والإجراءات بما قد يفرغ الأهداف العامة والتصورات المنشودة بمرسوم الصلج الجزائي من كل محنوى.

بقلم: محمد العيادي
قاض بالمحكمة الإدارية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا