برج بابل: خط تطاوين – صربيا: الهجرة إلى العائلة

ما الذي يمكن أن يجمع بين مدينة في جنوب تونس وبلد مثل صربيا. مبدئيا لا شيء يمكن أن يصل الأولى بالثانية. لا علاقات هجروية قديمة ولا اتصال من أي نوع،

تاريخي أو معرفي أو حتى قصة حب عابرة. وحدها الشبكة يمكن أن تجمع بين أشياء لا يمكن أن يجمع بينها منطقيا أي شيء. قوّة الشبكات التي تسير العالم الآن في قدرتها على تجميع المتناقضات الممكنة. تمتلك الشبكات سيولة لا تمتلكها البُنى الأخرى. من السهل جدا التعامل معها والوصول إليها والاستفادة السريعة من مزاياها وخدماتها. خط تطاوين – صربيا هو خلاصة هيمنة الشبكات في هذه الألفية.

تستطيع الشبكة مهما كان مجال اختصاصها أن تكون قريبة من المستفيدين، أن تقدم لهم ما يطلبونه بشكل مشخصن. تعطيك الشبكة إحساسا وقناعة أنها تعمل كل ذلك من أجلك، فقط عليك الدفع دون ارتياب. ومع هذا توفر الشبكة كل ما يقود إلى النجاح قدر الإمكان. وإذا ما بحثنا حول ما تقوم به شبكة الرحلة تطاوين- صربيا من أجل زبائنها سنجد أنها على العموم شبكة تضع الفرد نصب اهتمامها، إنها تضع كل يوم على شبكة التواصل الاجتماعي قائمة محينة بأسماء الواصلين إلى فرنسا. تطمئن الشبكة أولياء الشباب المهاجر وفي ذات الوقت تنبه الآخرين أن خدماتها هي خدمات خمس نجوم.

إن خط تطاوين – صربيا للهجرة غير النظامية هو خط جوي وبري. جغرافيا جديدة للوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط دون بحر. يقتطع المهاجر تذكرة طيران من مطار تونس إلى مطار إسطنبول ومنه إلى مطار صربيا وبعدها تبدأ الرحلة البرية لتجاوز الحدود وصولا إلى النمسا ومنها إلى فرنسا. تفيد المؤشرات الكمية أنه في السنة الحالية تمّ شراء حوالي 15 ألف تذكرة سفر عبر الطائرة من وكالات الأسفار في تطاوين. وتشير مؤشرات أخرى أن حوالي 5 آلاف ضمان أبوي للسفر إلى تركيا وقع إمضاؤه في بلدية المدينة لمن هم دون 25 سنة والتي لا تسمح السلطات التونسية بسفرهم إلى تركيا في إجراء لمنع الشباب من الانخراط في شبكات الإرهاب. ملعب المدينة هو الآخر لم يعد يستقبل إلا المئات من المتابعين لمباريات فريق اتحاد تطاوين بعد أن كان في السنوات السابقة يعج بالحاضرين. مقاهي المدينة ستعلن إفلاسها قريبا والأعراس لا باهتة فقط هي للنساء والأطفال وكبار السن. ولم يعد هناك «كامور» في تطاوين.
يعتمد مهاجرو خط تطاوين- صربيا على الشبكة العائلية. من لحظة انطلاق التجربة الهجروية يقع تفعيل الشبكة العائلية المقيمة في فرنسا على وجه الخصوص. الدعم المالي للمشروع الهجروي يُصاغ من خلال هذه الشبكة العائلية التي ترافق المشروع من بدايته. وخلال الرحلة التي يمر فيها المهاجر بدول عديدة يقع إرسال الحوالات المالية كلما احتاج الشاب إلى دعم مالي. وتشتغل شبكة التهجير تطاوين – صربيا مع المقيمين في فرنسا والذين يتابعون وصول أبناء تطاوين حلال الرحلة ويلتزمون بالإيفاء بتعهداتهم المختلفة إزاء الشبكة.

يصل المهاجر غير النظامي إلى فرنسا ويجد في الاستقبال أبناء عمومته، يدمجونه بسرعة ويوفرون له العمل الذي يمكنه في ظرف وجيز من خلاص مصاريف الرحلة. تحتضنه الشبكة العائلية وتحميه من كل إمكانية للانحراف. إن الضمانات العائلية والمواقف التضامنية العائلية هي التي تدفع بالآلاف من شباب تطاوين إلى اختيار مشروع الهجرة غير النظامية. هناك في فرنسا وقد اطمأن الشاب على معاشه اليومي يبدأ في استثمار الشبكة العائلية من أجل البحث عن زواج ممكن مع « بنت العمّ» المقيمة هناك مع عائلتها والتي توفر له حسب القوانين المعمول بها من إمكانية على الحصول على إقامة شرغيه دائمة.
نخن أمام هجرة غير نظامية إلى فرنسا ولكن هي هجرة إلى العائلة هناك، نفس الروابط الاجتماعية ، نفس الثقافة المحلية، نفس المهنة، فقط اختلاف في الجغرافيا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا