قهوة الأحد: وجوه من الإبداع: دلال طنقور رائدة الصورة الفوتوغرافية في العالـم العربي

عرفت الصديقة دلال طنقور وشريك حياتها الصديق الدكتور فريد بوسلامة منذ سنوات خلت .كنا نلتقي في المهرجانات الثقافية وبصفة خاصة مهرجان قليبية للسينمائيين

الهواة أو ملتقيات جامعة نوادي السينما أو المهرجانات الثقافية الأخرى .
كانت سنوات يلتقي فيها الشباب من كل المناطق والجهات في العطل حيث يقضون الوقت في النقاش والحديث وتبادل الابتسامات ويفتحون المجال لأولى خفقات القلب .كانت سنوات يلتقي فيها الشباب ويمتزجون وكلهم شوق لمعرفة الجهات الأخرى في البلاد وتبادل الأفكار والآراء بالكثير من العفوية والفرح .
وحوّل الشباب الرافض للاستبداد القادم الى هذه الفضاءات الثقافية إلى منابر للنقاش السياسي .
كانت سنوات وأيام امتزجت فيها الصداقات والقرب والنضال والرفض وشيء من الحب وقليل من العشق .
عرفت الصديقة دلال في تلك السنوات الحلوة .كانت هادئة كتومة كثيرة الخجل وصبورة أمام النقاشات الساخنة التي تشهدها هذه الفضاءات وكانت كثيرة النظر حتى تحسبها غائبة .لم أكن أعلم وقتها أن هذه الصفات هي أساس عمل المصور الفوتوغرافي وهي التي جعلت من دلال طنقور رائدة الصورة في العالم العربي .
• الوالد وآلة التصوير والبدايات:
ولدت دلال طنقور في مدينة قربة حيث بدأت تعليمها الابتدائي .وستكتشف هناك التصوير الفوتوغرافي مع الوالد اثر اقتنائه لآلة تصوير بسيطة في نهاية الستينيات .وكانت تصحبه في زيارته الميدانية بعديد المناطق بالوطن القبلي لأخذ الصور .وكان من حين إلى آخر يعطيها آلة التصوير لأخذ بعض الصور للأزهار والورود والمناظر الطبيعية .
وسينطق عشق الصورة عند دلال طنقور من هذه الجولات مع الوالد وبداية اكتشاف هذا العالم السحري للتصوير الفوتوغرافي .
وستواصل دلال طنقور تعلمها الثانوي في المعهد الثانوي بنابل وهناك ستواصل علاقة الحب بالفنون والتي انطلقت منذ سنوات الصبا حيث ستنخرط في عديد النواحي الفنية التي كانت تزخر بها معاهدنا في تلك السنوات .فانخرطت في نادي الفن التشكيلي ونادي السينما.
ثم صحبها شريك حياتها فريد بوسلامة إلى نادي السينمائيين الهواة بالحمامات والذي كان من أهم نوادي جامعة السينمائيين الهواة حيث كان ينشط فيه العديد من الشباب ومن ضمنهم المرحوم الهادي التركي ولطفي القابسي والحبيب القزدعلي واسماعيل خضيرة .وتميز نادي السينمائيين الهواة بالحمامات بميزتين هامتين سيكون لهما تأثير كبير على مسيرة دلال طنقور الفنية .الميزة الأولى هي أن نادي الحمامات بخلاف الأندية الأخرى ركز في عمله على الصورة الفوتوغرافية وبرع فيها لتصبح خاصيته الكبرى .أما الميزة الثانية لهذا النادي فهي ابتعاده عن الانحراف اليسراوي الذي عرفته الحركات الثقافية منذ نهاية السبعينات ليبقى مركزا على الجانب الفني والجمالي ويغلب الإبداع على السياسة .
سيكون لهذه الاختيارات الفنية تأثير كبير على مسيرة دلالا طنقور.
• دلال طنقور والانحياز إلى الفن:
بعد حصولها على الباكالوريا ستقرر دلال طنقور الانحياز نهائيا للفن .رغم حصولها على الباكالوريا في العلوم التقنية بمعدل هام يسمح لها بالتوجيه إلى أبرز الكليات العلمية ومدارس تكوين المهندسين إلا أنها قررت التوجه للفن والإبداع اللذين أخذا هواها منذ سنوات .
ورغم احتراز العائلة قررت الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة بتونس لتختص في مجال الصورة الفوتوغرافية .
بعد تخرجها من المعهد ستنتقل إلى الجزائر حيث ستواصل تكوينها في مجال الصورة الفوتوغرافية بمعهد الفنون الجميلة .وستنغمس في الحياة الفنية والثقافية التي ستشهدها الجزائر في ربيعها قبل أن يحيلها الإرهاب إلى شتاء قارس رحل بأبرز الفنانين والمبدعين هناك .وقد عرفت في هذه الرحلة الجزائرية التي امتدت من 1981 إلى 1983 عديد المبدعين والمثقفين ومنهم الكاتب المسرحي عبد القادر علولة والشاعر الطاهر دجاعوت واللذين طالتهما يد الإرهاب والكاتب الكبير كاتب ياسين ومحمد عسلة .
وستبدأ في هذه الرحلة مسيرتها الفنية حيث ستقوم ببعض المعارض كما ستعرض صورها في عديد المعارض الجماعية .إلا أن الانطلاقة الحقيقية ستبدأ عند عودتها إلى تونس .
• العودة إلى تونس وانطلاقة المسيرة الفنية:
عند عودتها إلى تونس انطلقت المسيرة الفنية لدلال طنقور لتجعل منها إحدى أهم رائدات الصورة الفوتوغرافية في العالم العربي .
وستواصل دلال طنقور تحصليها العلمي لتتحصل على شهادة الدروس المعمقة في الصورة من معهد الفنون الجميلة في تونس .وستبدأ مسيرة مهنية في التدريس في المعاهد الثانوية قبل أن تنتقل إلى الجامعة لتدرس الصورة في معهد الفنون الجمكيلة بنابل منذ سنة 2000 إلى حدود سنة 2018 عند إحالتها على التقاعد .
الى جانب التدريس ستبدأ دلال طنقور مسيرة فنية من خلال معارضها الشخصية ومشاركتها في المعارض الجماعية والتي جعلت منها إحدى أهم رائدات الصورة الفوتوغرافية في الوطن العربي .
ومن أهم المعارض الشخصية لدلال طنقور معرض «من صفاقس إلى قرقنة» سنة 2014 و»سماواتي» سنة 2014 و»حور» سنة 2015.
كما شاركت في عدد كبير من المعارض الجماعية منها معرض الصورة في باما كو في مالي سنة 2007 وباريس سنة 2014 وبرشلونة في 2016 ومدريد سنة 2017 ومعهد العالم العربي سنة 2018 وغيرها من المعارض الكبرى في أهم المدن والعواصم الأوروبية .
وكانت هذه النجاحات وهذه المسيرة المتميزة وراء طلب رواق Ayn Gallery بباريس من دلال طنقور تمثيلها في أهم التظاهرات العالمية وعند محبي الفن في العالم .
ولعل اهم تجربة عاشتها دلال طنقور والتي تركت فيها تأثيرا كبيرا وتصميما على مواصلة الدفاع عن الفن وجعله احد اسس المواطنة في المجتمعات الديمقراطية هجوم المجموعات السلفية على معرض العبدلية سنة 2012 والذي شاركت وتم وضعها على قائمة التصفيات .وتشكل مسيرة دلالا طنقور لحظة مهمة في تاريخ الصورة الفوتوغرافية في بلادنا .
• تاريخ وأجيال الصورة في بلادنا:
لم يعرف مجال الصورة الفوتوغرافية في بلادنا تطورا إلا في السنوات الأخيرة .وقد عاني هذا المجال في بلادنا من صعوبتين أساسيتين .
الصعوبة الأولى تخص موقع الصورة في الثقافة العربية الإسلامية حيث ترفض بعض القراءات الدينية المتشددة التصوير مع الاكتفاء بالمناظر الطبيعية والأشجار والورود .
أما الصعوبة الثانية فتكمن في رؤية الصورة في المجال الإبداعي والتي لم تكن تعتبر فنا قائما في المجال الإبداعي كما لم تعتبر فنا قائما بذاته بل اعتبرت مرحلة في اتجاه المرور الى الفن السابع والسينما .ونجد هذا التصور حتى في الجمعيات المختصة مثل جامعة السينمائيين الهواة والتي لم تعط للثورة الأهمية التي تستحقها .
ورغم هذه الصعوبات عرفت بلادنا تدريجيا ظهور فن الصورة الفوتوغرافية ليصبح مجالا مهما للابداع ولتحصل فيه على سبق كبير في المنطقة العربية.
وقد بدأ هذا المجال الفني مع جيل الأوائل مثل جاك بيريز(Jacques Perez) والذي توفى مؤخرا وتم تخصيص معرض كبير له في الأشهر الأخيرة كذلك المرحوم عم البشير المنوبي الذي أصبح إيقونة الصورة لا في بلادنا فقط بل كذلك على المستوى العالمي بفضل لباسه الفريد .وكان التوثيق السياسي والرياضي والاجتماعي الهاجس الأساسي لهذا الجيل .
ثم سيأتي الجيل الثاني والذي تنتمي اليه دلال طنقور وجلال القصطلي وبعض الفنانين الذي سبقوهما مثل محمد العايب صاحب رواق فنون.ويختلف هذا الجيل عن جيل الأوائل من حيث انه درس التصوير في المدارس المختصة .واختار منحى جماليا خاصا به وهو التركيز على الجانب الإبداعي والحميمي في الصورة لا الجانب التوثيقي .
ثم سياتي جيل مصوري ما بعد الثورة والذين نجد فيهم جيل الشباب مثل منى الجمل وشاهين الضحاك وأمين الأندلسي وقيس بن فرحات واسكندر خليف وزياد بن رمضان. ويشكل التدخل السياسي والاجتماعي الاختيار الأساسي لهذا الجيل من خلال التركيز على التهميش وتونس الأعماق والواقعية وشيء من المباشراتية في بعض الأحيان .
هكذا تشكل المشهد الفني للصورة الفوتوغرافية بصفة تدريجية والذي أصبحت دلال طنقور إحدى أيقوناته الأساسية.
ولن يقتصر انغماس دلال طنقور على إبداعاتها بل سيأخذ جانبا مواطنيا مهما من خلالا مساهمتها في جمعية In’art الفنية والتي لعبت دورا كبيرا في دعم الفن في مدينة الحمامات وجهة الوطن القبلي .
In’art ودعم الإبداع:
تم بعث جمعية In’art سنة 1993 بدعم من الفنان الكبير عبد الرزاق الساحلي مع مجموعة من الفنانين ومنهم دلال طنقور والفنانين التشكيليين وأصدقائهم في الحمامات .وتحتل الجمعية مقرا بديعا وهو فضاء سيدي عبد الله داخل المدينة العتيقة وعلى أسوارها .
وتهدف هذه الجمعية إلى تكوين اجيال جديدة من المبدعين وتنشيط الساحة الثقافية في الجهة لتفادي الشح الكبير الذي تعيشه في المجال الثقافي .
وعرفت الجمعية تطورا كبيرا بعد الثورة لتلعب دورا مواطنيا مهما وتشهد تطورا كبيرا في أنشطتها من عروض سينمائية وتقديم كتب وتنظيم معارض .
ورغم من هذه الأنشطة المختلفة حافظت دلال طنقور على موقف جمالي راديكالي حيث تبقى الصورة مجالا للإبداع ولا للتسويق .
• الصورة موقف إبداعي:
تكمن أهمية دلال طنقور ومسارها الإبداعي في رأيي في الموقف الجمالي الراديكالي وفي قطيعة جذرية مع الموقع المبتبذل للصورة كمجال للتوسيق والذي تدافع عنه ما يسمى صاحبات التأثير (les influenceuses) في الشبكات الاجتماعية .
وتبقى الصورة حسب دلال طنقور بالأساس نظرة ذاتية للواقع في علاقة وطيدة بالأضواء والظل.ويسرق المصور والفنان هذه اللحظة للوقت ولمسار التاريخ لترتقي الى الكونية .
فالصورة ليست اعادة انتاج للواقع لان نظرة المصور ذاتية وحميمية تحمل عواطفه وانفعالاته وحساسيته .لتبقى قوة الصورة في قدرتها على دفع الاحساس وتنمية التفكير .
وتعي دلال طنقور بكثير من الكآبة وشيء من الحزن التصورات التي عرفتها في مجال الصورة الفوتوغرافية ففي السابق ومع الأفلام المحدودة كان عمل الفنان يتميز بالنظرة المقتصدة (regard econome) والانتظار والصبر والسيطرة على انفعالاته من اجل اخذ لحظة ذاتية من الواقع ومحاولة إعطائها جانبا كونيا .إلا أن ظهور الصورة الرقمية ادخل تحولا جذريا على هذا الميدان ليصبح النهم اليوم في اخذ الصور والسرعة والتراكم الكبير للصور أهم مميزات هذا المجال .وفتحت هذه التصورات مجالات كبيرة لانحراف الفن الفوتوغرافي عن رسالته الفنية ليدخل مجال التسويق في المجتمعات الاستهلاكية لما بعد الحداثة من خلال التطور الكبير لصاحبات التأثير (les influenceuse) في شبكات التواصل واللواتي يستعملن الصورة للإشهار والدعاية .
وقد أبقت على الموقف الراديكالي المدافع عن الصورة كأداة لتصوير الأحاسيس الدفينة والوصول إلى كنه الإنسان لتجعل هذا المجال الفني طريقا للرقي بالحس الجماعي وجعله يقترب من المجال الذي يسمو بالفرد ويمكنه من الانخراط في علاقات التعاون التي تجمع المجموعة البشرية في اطار العقد الاجتماعي الذي تبنيه المجتمعات في صيرورتها التاريخية .موقف فني وسياسي عند الفنانة دلال طنقور ليس وليد اللحظة بل يعود إلى الهدوء والصبر والنضال والرفض والكثير من الحب والعشق للناس وللوطن والذي ميز البدايات .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا