25 جويلية استفتاء وبعد

كلمة قيس سعيد أمام مكتب اقتراع تلخص كل معانى ذلك اليوم الطويل في تاريخ تونس، فحين سألته الصحفية عن شعوره في ذكرى عيد الجمهورية،

حول الموضوع للحديث بإطناب عن مزايا جمهوريته التي يعتزم إقامتها ولم يذكر الجمهورية السابقة حسب نظره إلا بالحديث عن حكامها الذين غادروا الحكم بالطرد أو بالموت، رسالته واضحة في هذا المجال ولا تحتاج إلى الكثير من التدقيق والتمحيص، فمغزاها هو أنه جعل من نفس اليوم الذي ولدت فيه جمهورية جويلية 1957، يوم وأدها ودفن تاريخها بكلّ ما فيه من بورقيبة وبن على وما جرى في العشرية الأخيرة، ولفسح المجال للجمهورية الجديدة وضع الجميع في نفس الكيس، فهم إما فاسدون أو فاشلون وذلك منذ الاستقلال، وأنّ التاريخ الحقيقي سيبدأ معه، هو الذي جاء للبلاد ممّا هي عليه، وسينطلق في ذلك ومباشرة بعد الاستفتاء بدخول دستوره الجديد حيز التنفيذ.
والهدف من الاستفتاء هو إضفاء شرعية شعبية على ذلك الدستور ، من أجل ذلك قام بتعبئة ضخمة، تعيد إلى الذاكرة المهرجانات الانتخابية التي كانت تنظم في عهد المرحوم «بن على»، معلقات عملاقة في كل الأماكن، تجنيد الإذاعات والتلفزات للدعاية وحث المواطنين على الذهاب إلى صناديق الإقتراع وتسخير أجهزة الدولة بمسؤوليها وإمكانيتها وتعيين هيئة انتخابات على المقاس لتكون منسجمة مع أهداف الإستفتاء وفتح توقيت الإقتراع من الفجر إلى ساعة متقدمة من الليل في سابقة لم تشهدها أي عملية اقتراع في العالم وكانت الغاية من كل ذلك تحقيق أعلى مشاركة، ليس لاعتماد إرادة الأغلبية بل لإقناع الخارج بشرعية مشروع الرئيس واتخاذ موقف مساند له، لأن الداخل لا أهمية له حسب تفكير الرئيس فالأمر كان محسوما من وجهة نظر الرئيس منذ صدور دستوره بالرائد الرسمي والذي نص على أنه سيدخل مباشرة حيز التنفيذ بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء دون وضع تسقيف لنسبة المشاركين والمصادقين
ومرة أخرى تسيطر الارتجالية والإستهانة بالقواعد القانونية في هذا المسار، فالتضارب الواضح في أرقام النتائج التي نشرتها هيئة الإنتخابات يؤكد ذلك، ورغم مسارعة هذه الأخيرة لاحتواء الموقف بإعلانها عن تسرب خطإ مادي في تجميع الأرقام ولا يمس بنزاهة العملية، لكنها لم تقدر أن تنزع شبهة التلاعب والتدليس، وقد صرحت جمعيات رقابية أن العملية تتجاوز حدود الخطإ البسيط بوجود تضارب في الأرقام في 25 محضر من جملة 33 محضر وقررت الطعن لدى المحكمة الإدارية،
وحتى إذا سلمنا بصحة النسبة التي وقع التصريح بها من طرف الهيئة فإنها تبقى بعيدة كلّ البعد عن الانتصار الساحق الذي توعد به أنصار الرئيس ومسانديه.
فمن خلال نفس تلك الأرقام يمكن استنتاج أن سردية التفويض الشعبي لقيس سعيد ليفعل ما يريد فقدت مؤيداتها، فحسب دراسة أوردتها مؤسسة «سيغما كونساي» لسبر الآراء فإنّ 23 في المائة صوتوا دعما لمشروع قيس سعيد و13 في المائة فقط اقتناعا بالدستور ، إذن 40 في المائة فقط من المصوتين الذين كانت نسبتهم أقل من الثلث من كامل الجسم الانتخابي يمكن اعتبارهم منخرطين في مشروع قيس سعيد،
لذا يتضح من الأرقام بأن هذا الاستفتاء لم حسم في الأمر شيئا ، والأكثر احتمالا أن الصراع على شرعية الدستور وتطبيقه سيستمر.....سيستمر خاصة بعد انضمام أطراف أخرى من الأنتليجنسيا ومن فعاليات مدنية نشيطة من غير تلك المتهمة بما يسمى» عشرية الخراب» للصراع ضد مشروع قيس سعيد.
فالكثير من المؤشرات تدل علىأن الأمور تتجه أكثر نحو تعمق الإنقسام في الرأي العام، وأن قيس سعيد على عادته سيزيد في الهروب إلى الأمام وسيمر إلى معركة القانون الانتخابي الذي حتما سيكون في نفس سياق الدستور والاستفتاء، فمن خلال شروط الترشح للمجلس التشريعي ولمجلس الأقاليم التي ذكرها في الدستور يظهر أن نيته تتّجه نحو التضييق على الأحزاب والقوى التقليدية وتوفير كل الخظوظ أمام المرشحين الذين يحملون رسالة «الجمهورية الجديدة».
من الصعب التكهن بحصول تبدل ما في موازين القوى على المدى المتوسط وقد يواصل الرئيس الإستفادة من حالة الوهن التي عليها جزء واسع من معارضته، تلك المعارضة التي تجد صعوبة جمة اليوم في استعادة ثقة الرأي العام بسب الانطباع السائد حول دورها في العشرية الفائتة، وأن المعارضة الجديدة التي انبثقت من النخبة التي راهنت عليه وساندته في البداية وتراجعت بسبب خيبة أملها فيه واصبحت تشك في حقيقة خياراته، لا أحد يمكنه أن يعرف كم تتطلب من الوقت للتشكل وشق طريقها.
العقبة الأخيرة التي تقف فى وجه الرئيس والأخطر على مشروعه تتمثل في الملفات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ومن غريب الأمور أن تلك الملفات على أهميتها، لم يتطرق لها الرئيس ولو بكلمة واحدة في خطبه، حتى الوعد الذي صدر عن العميد الصادق بلعيد والعميد بودربالة وهما رأس لجنتي الحوار لإعداد الدستور بأنّ الأولوية في الوثيقة التي سيعدانها ستكون للمسائل الاقتصادية، لكن لم يتحقّق منه شيئ وجاء الدستور خاليا من أي إشارة للاقتصاد.
لذلك أصبح الرئيس بعد أن أزاح كل خصومه وأحكم قبضته على دواليب الحكم، مطالبا لوحده بإيجاد الحلول العاجلة لندرة بعض المواد الأساسية واضطراب مسالك توزيعها والحد من الارتفاع الجنوني للأسعار ا ووضع حد لأزمة الفواضل في المدن الكبرى ولعجز الدولة في الإيفاء بتعهداتها حتى إزاء بعض السفن التي أصبحت تعود أدراجها دون أن تفرغ حمولتها بسبب عدم حصولها على ثمن حمولتها، كما أنه عليه إيجاد مخرج للمحادثات المتعثرة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، فقد لم تعد جهود الحكومة كافية لضمان كل شهر أجور أعوانها وموظفيها لإطالة صمت الأغلبية، تلك الأغلبية التي تبدو حاليا كالبحر عند هدوئه لكن لا أحد يعرف ما بجوفه
كذلك هو التاريخ لا يكشف كل أسراره

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا