منبر: الدين والدولة والدستور: مقاصد الإسلام أم مقاصد السّاسة ؟ (الجزء الثاني والأخير)

الحجّة الثانية، ذات طابع تاريخي يذكّر قيس سعيّد أو يُعلم بأنّ أوّل دستور لبلد مسلم نصّ على علاقة الدّولة بالدّين هو الدستور العثماني لسنة 1876

الذي نصّ في المادّة 11 على أنّ دين الدّولة العثمانيّة هو دين الإسلام، وأنّ جميع الأديان المعروفة مصونة وتحت حماية الدّولة. بقطع النّظر عن تلك الوضعيّة ليست جديدة، وأنّ الأقليّات الدّينية لم تشهد اضطهادا أو تهديدا منذ زمن بعيد، وهو ما يعرفه قيس سعيّد ولم يذكره، يمرّ هذا الأخير مباشرة إلى غرضه وهو الإعلام بكون واضع الدّستور العثماني الصّدر الأعظم مدحت باشا، إنّما هو يهوديّ من أصل بلغاري أسلم لأجل الإثراء وأنّ له علاقات مع رئيس الحكومة الأنكليزي آنذاك، وحُكم عليه بالإعدام بتهمة الضّلوع في اغتيال السلطان عبد العزيز، وأعيد العمل بدستوره سنة 1908 قبل عزل السلطان عبد الحميد. ومثلما نرى فإنّ حُجج سعيّد مثيرة للجدل، بدءا بالعلاقة بين الأصل اليهودي لزعيم حزب تركيا الفتاة ورئيس الوزراء العثماني المذكور واستيحاءُه مفهوم دين الدّولة من الدّستور البلجيكي، وُصولا إلى إنكار الأخذ من الدّستور البلجيكي بحجّة « وُجود خلافات جوهريّة بين المسيحيّة والإسلام في مستوى العلاقة بين الدّولة والدّين»، فكلّ هذا يتطلّب نقاشا معمّقا لا يتيحه المقام.

وفي مضمار الإشارة إلى دور التأثيرات الأجنبيّة ذكر سعيّد أيضا تدخّل المندوب السامي البريطاني لدى شيخ الأزهر بخّيتْ لأجل تضمين نفس الفكرة في الدستور المصري لسنة 1923 ونجاحه في ذلك، مع وضع ذلك في إطار السعي لمحاصرة الذكر الشيوعي الصّاعد. وأيضا تأثير القنصليّة البريطانيّة في تبنّي المجلس الملّي الإيراني سنة 1907 لمشروع دستور ينصّ على أنّ الإسلام دين الدّولة ومذهب الإثناعشريّة مذهب رسمي، وذلك سعيا من الإيرانيين للحدّ من ظلم شاه إيران، ومن الجمعيّة الماسونيّة لنشر مثل الإنسانيّة واللاّئكيّة وفقا لما أورده قيس سعيّد دون انتباه إلى تناقض هذه التّأكيدات.
ولكن هب أنّ كلّ ما ورد عن التأثيرات الخارجيّة صحيح، فهل نستنتج من ذلك أنّ تاريخنا وتاريخ الفكر السياسي والقانونيّ عندنا هو نتاج مؤامرات أجنبيّة أكثر ممّا هو حصيلة تطوّرات وتفاعلات اجتماعيّة –ثقافيّة، أو أن تضمين الدّساتير المذكورة لفكرة الإسلام كدين للدّولة مجرّد انهزام أمام الاستعمار؟ وهل يجوز لنا أن نضع الصياغات المماثلة لدساتير دول عربيّة أخرى حقّقت أو استكملت استقلالها، على غرار تونس والجزائر ومصر، في نفس سياق الخضوع للمستعمر أو لتأثير أجنبي قويّ؟ ألم يكن ذلك نتاج نمط تفكير نخب سياسيّة جديدة متشبّعة بتصوّر ومفهوم الدّولة- الحديثة على خلاف المشائخ الذين ثمّن قيس سعيّد وهو يتحدّث عن المغرب الأقصى، عدم تطرّقهم لفكرة دين الدّولة؟ ثمّ إذا اتخذنا من تونس مثالا لاختبار دور التأثير الثقافي والإيديولوجي والقانوني الأجنبي: فما دُمنا تعرف قوّة تأثّر نخبتها العصريّة بالمبادئ والقيم اللاّئكيّة، يصبح السّؤال المطروح: لماذا امتنعت عن متابعة فرنسا في نهج الفصل بين الدّين

والدّولة واتّخذت خيارا معاكسا تماما لما تفضّله النّخبة الفرنسيّة؟
وهناك أسئلة أخرى نطرحها على قيس سعيّد صاحب المحاضرة والدّستور الجديد: هل يكفى أن تكون فكرة أو قيمة ذات مصدر غربي لنرفضها؟ في هذه الحالة لماذا لا نرفض مفهوم الحريّة – الحديث طبعا- وهو الذي أتانا من الغرب؟ ولماذا نستبدل مفهوم الشورى بمفهوم الدّيمقراطيّة كما بنى الغرب أركانه الرئيسيّة؟ نحن لا نطعن في مشروعيّة إثارة قضيّة الكونيّة-الفعليّة أو المزعومة- للمفاهيم وعلاقتها بالخصوصيّة، علما بأنّنا كتبنا في هذا الموضوع منذ منتصف التسعينات. إنّ المقاربة النقديّة في التعاطي مع منظومات القيم والمفاهيم التي أنتجها وروّج لها المركز الغربي ضروريّة لتنسيب وتبعيّة هذه المبادئ والأفكار، لكنّها لا ينبغي أن تتحوّل إلى رفض لا مبرّر له سوى الانغلاق والتّمرّس وراء الموروث.

بخصوص الحالة التونسية على وجه الحصر يلمّح قيس سعيّد ولا يُصرّح بأنها جزء من الكل وأنّ ما قاله عن الدساتير الأخرى ينطبق على الفصل الأوّل من دستور 1959، ومذكّرا بأنّ عبارة «الإسلام دينها»، كانت قد وردت في الأصل في صيغة أولى اقترحها الحبيب بورقيبة وهي: « الإسلام دين الدّولة والعربيّة لغتها». وهنا ينخرط سعيّد في مسلسل من التناقضات، فهو يقول: « الفصل الأوّل من الدّستور التونسي لا نظير له ولا شبيه له في سائر الدّساتير في البلاد العربيّة والإسلاميّة». الشيء الذي يُفترض معاملته على حدة، والأغرب هو الانقلاب الذي حصل في مواقفه بين لحظة صياغة دستور 2014 وما ورد بمحاضرته، وخاصّة بدستوره للجمهوريّة الجديدة. فقد قال في محاضرته: « والله وحده يعلم الدّور الذي قمت به من أجل الإقناع بضرورة الإبقاء على الفصل الأوّل من دستور 1959 في دستور 2014.» فلماذا غيّر قيس سعيّد موقفه ذاك ؟ لا نعرف !
وعلاوة على ما عاينّاه من ضعف في الخلفيّة الفكريّة والنظريّة التي استند إليها في تقييم عمليّات صياغة البناءات الدستوريّة السّابقة، فإنّه لا يسعنا إغفال الإخلالات التي وقع فيها سعيّد في تعامله مع إعلان عهد الأمان من قبل محمّد باي سنة 1857، سواء عند محاججته لبلدان الإتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة التي اتّهمها بالتدخّل في المسار السّياسي والدّستوري التّونسي أو فيما أورده بتوطئة دستوره.

المعلوم والذي أثبتته كتابات المؤرّخين التّونسيّين بدءا من ابن أبي الضّياف؛ هو أنّ عهد الأمان حصل تحت ضغط القوى الأجنبيّة لأجل تمرير تشريع يسحب صلاحيّة محاكمة اليهود التونسيّين والأقليّات غير المسلمة والجاليات الأجنبيّة من سلطة القضاء الشّرعي التّونسي ويسندها إلى محاكم تشارك القنصليّات في تركيبتها، وكان ذاك تدخّلا سافرا في الشّأن التّونسي وابتزازا فظّا من القوى الأوروبيّة يدخل في إطار العلاقات اللاّمتكافئة، ولكن لا علاقة له بإشكاليّة دين الدّولة. والغريب أنّ قيس سعيّد المُطالِبِ في كلّ مناسبة بإحترام السّيادة التونسيّة ينسى هذا الأمر ويتحدّث في توطئة دستوره عن عهد الأمان بوصفه سبقا قانونيّا ودستوريّا تفتخر به تونس. لقد تعامل المؤرّخون التونسيّون مع عهد الأمان بإعتباره من التّنازلات التي أجبرت عليها تونس، وإن جاءت حاملة لقيم الحرّية، على غرار ما سبقه من منع القرصنة والعبوديّة. لذلك وخلافا لبعض الحقوقيّين نرى بأنّ لعهد الأمان وجهين: وجه استعماريّ وآخر تحرّري ليبرالي، ولا موجب للكلام بشأنه عن إنجاز دستوريّ وإصلاحي وطنيّ كما فعل قيس سعيّد في توطئته، والتي ضمّنها مبالغات وعبارات طنّانة حول »الصّعود الشّاهق وغير المسبوق في التاريخ « أو »الشّعار العابر للتّاريخ: الشّعب يريد » وغير ذلك من إنفلاتات التّعبير التي تتعارض مع قواعد كتابة النّصوص التّأسيسيّة والوثائق الرّسميّة.

3 - مسؤوليّة ضبط المفاهيم بديلا عن اللّعب بالألفاظ
إذا ما رمنا الدّقة والجدّية بديلا عن التّهويمات والتّأويلات الشّاذة، فسيكون علينا تناول الإشكال الحقيقي الذي تطرحه الصّياغة الدّستوريّة لعلاقة الدّين بالدّولة. من ذلك مفهوم الدّولة الذي ظنّ قيس سعيّد بأنّه يمكنه اختزاله في تعريف شبه فلسفي لا يعرّف شيئا. التعريف الذي نعتمده مركّب وهو الذي يعمل به علماء الاجتماع الغربيّين والعرب أيضا. ووفقا له فإنّ الدّولة »كيان سياسي قانوني يمارس سلطة سياديّة معترف بها على رقعة ترابيّة محدّدة ومجموعة بشريّة معيّنة«. هذا الكيان يحتكر القوّة وشرعيّة إستخدامها ويتجسّد في جهاز بيروقراطي مدنيّ – عسكري – أمني يمارس السّيادة إلى جانب تأمين الوظائف المتصلة بإشباع الحاجيّات التنظيميّة والمادّية والرّوحيّة. بيد أنّه لا بدّ من الملاحظة بأنّ ثمّة شرطا لشرعيّة الدّولة سابق عن أداء كل الوظائف المذكورة وهو أن تمثّل هويّة السّكان والمجتمع؛ سواء كانت هذه الهويّة عرقيّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو قوميّة. هنا تطرح المقوّمات التي تنضاف إلى التّراب والسّكان وهي اللّغة والثقافة والدّين، وبالتالي تطرح الهويّة الثقافيّة للكيان السّياسي المتمثّل في الدّولة.

وفيما يخصّنا فقد سبق أن اقترحنا إجراء فصل نظري بين الدّولة من حيث هي كيان سياسي قانوني يشكّل إطارا لهويّة المجتمع – الأمّة أو الشّعب، ونفس الدّولة منظورا إليها كنسق من علاقات السّلطة والمؤسّسات والخيارات الكبرى المؤثّرة لا محالة على مصير البلاد والكيان. لهذا الاعتبار نرفض تلاعب قيس سعيّد بصيغة »الإسلام دينها« ونعتبر تعريف الدّولة وعلاقتها بالدّين قضيّة وجيهة تستحقّ معالجة رصينة من كلّ المتخصّصين في العلوم الاجتماعية والسياسيّة والقانونيّة، وليس بإطلاق الكلام على عواهنه والاحتجاج ببديهيّات من قبيل أنّ الدّولة لا تصوم ولا تحجّ... إلخ.
بالنسبة للحالة التونسيّة، وأخذا بالاعتبار ما قدّمناه عن مسار العلاقة بين الدّولة والدّين حتى حدوث الثّورة؛ سنتناول فيما يلي الجدل الذي رافق عمليّة كتابة دستور 2014 ومآله. فلم تمض على سقوط حكم بن علي سوى أشهر قليلة حتى عادت ماكينة الإستقطاب الإيديولوجي وتقسيم المجتمع ونخبه بين شقّ حداثي وآخر إسلامي ينزع كل منهما إلى شيطنة الآخر وإن وجدت أطراف معتدلة تحاول تكسير الفجوة.

كان أبرز إطار لتلك التجاذبات ومساعي التقريب بين المواقف هو ماراطون كتابة الدّستور، وقد إعترض اللائكيّون من أحزاب اليسار وفي حزب نداء تونس على ما جاء بتوطئة المشروع الذي قدّمته حركة النّهضة من تنصيص على »ثوابت الإسلام « معتبرين بأنّه مشروع يهدف لإقامة دولة دينيّة، كما عارضوا إستعادة ما جاء بالفصل الأول من دستور 1959، فضلا عن إشتراط إسلام المترشّح لرئاسة الجمهوريّة. وكان السّؤال يلحّ حول مبرّرات رفض هذا التيّار لصيغة أجمع عليها مؤسّسو الدّولة الوطنيّة وارتضتها أغلب النّخب حتى قيام الثّورة، ولماذا أصرّ على تأويل عبارة »الإسلام دينها « بكون الضّمير يعود على تونس كبلاد أو مجتمع وليس على الدّولة وهذا ما تقتضيه قواعد اللّغة العربيّة. فمع وصول الإسلاميّين إلى الحكم، أصبح الحداثيّون واللائكيّون يؤوّلون الفصل الأول بما يفيد أنّ الإسلام دين الدّولة. وممّا ساعدهم على ذلك الإلتباس المحيط بعبارة »دين الدّولة « وما يقابلها في اللّغة الفرنسيّة Religion de l’Etat التي يرَوْن فيها نيلا من الحياد العقائديّ الواجب على الدّولة. وعبارات مثل Religion d’Etat أو Religion Officielle دين دولة / دين رسمي، وهي صيغ يرفض المتشدّدون من الحداثيّين القبول بها مع أنّها تترجم عن المبدأ الذي أقرّه مؤسّسو الدّولة الوطنيّة، كما يجري العمل بها دون إشكال في عدد من دول الغرب على غرار بريطانيا والسّويد والنّرويج؛ حيث يحتلّ الملك طبقا للتّقليد القومي صفة رئيس الكنيسة البروتستانتيّة في بلاده.
على أيّ حال فقد أفضى مسار كتابة الدّستور بعد مخاض عسير إلى استبدال عبارة «ثوابت الإسلام» بــ «تعاليم الإسلام» والاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 1959 مع إردافه بفصل ثان ينصّ على مدنيّة الدّولة، إلى جانب الإحالة على المرجعيّة الكونيّة لحقوق الإنسان وإلغاء الفصل 141 من النّسخة قبل النهائيّة والذي ينصّ على أنّه »لا يمكن لأيّ تعديل دستوري أن ينال من الإسلام باعتباره دين الدّولة « ، وهكذا تمّ التوصّل إلى توافقات في مقابل تنازلات قدّمها أو اضطرّ لتقديمها الإسلاميّون.

4 - مقاصد الشّريعة ومقاصد قيس سعيّد
رغم المصادقة الواسعة على دستور 2014، ارتفعت من حين لآخر أصوات رافضة للفصل الأول وإستتباعاته وكذلك لنمط توزيع الصلاحيّات بين الرّئيس والبرلمان ومتحدّثة في هذا الخصوص عن »دستور النّهضة «. حول هذه النقطة التقى شقّ من الحداثويّين مع قيس سعيّد في مشروع التخلّص من الدّستور على ما يفرّق بينهم في مستوى التموقع الثقافي والمرجعيّات، وهو ما أظهرته المقارنة بين نسخة الدّستور الجديد التي أعدّها قيس سعيّد وتلك التي اقترحها الثنائي بلعيد / محفوظ.

لم يكتف قيس سعيّد بإلغاء الفصل الأول التاريخي مع تبرير فعله، ولا بإلغاء الفصل الثاني عن مدنيّة الدّولة دون تقديم أي تفسير، بل اقترح فصولا وتعديلات كان لها وقع الصّدمة على من عقدوا الأمل في أن كون حصان طروادة الذي يحقّق أحلامهم. وفي الفصل الخامس – النّسخة الأولى – قرّر ما يلي »تونس جزء من الأمّة الإسلاميّة، وعلى الدّولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النّفس والعرض والمال والدّين والحرّي. « بعبارة أخرى، فقد أخرج قيس سعيّد فكرة الدولة التونسيّة دينها الإسلام من الباب ليعيدها من الشّباك. وبقطع النّظر عمّا يعكسه ذلك من تذبذب أو بحث عن صيغة تحفظ الأصالة التي يتمسّك بها، فإنّنا نلمس إشكالا آخر في الخلفيّة الفكريّة التي يستند إليها الفصل الخامس نتيجة جمعه بين مرجعيّتيْن: واحدة تقليديّة تواضع عليها الأصوليّون بالكليّات الخمس ونظّر لها الشّاطبي تحت عنوان مقاصد الشّريعة، والثانية محدثة أو حديثة تجسّدت إبتداء في إحلال الحرّية محل حفظ العقل وتاليا في تحوير ينصّ على أنّ تحقيق المقاصد الخمس يكون في ظل نظام ديمقراطي. حصل هذا بعد الغضب الذي أحدثته الصّيغة الأصليّة والخشية من أن يكون مقصد قيس سعيّد إرساء حكم الشّريعة، فيما ذهب البعض الآخر إلى تأويلها أو تنزيلها ضمن إستراتيجيّة لإزاحة منظومة النّهضة التي أصبحت رخوة وطالها الفساد لفائدة منظومة محافظة وصلبة. لكن بعيدا عن هذه التكهّنات، فإنّ بعض المسائل التي يثيرها دستور قيس سعيّد تتطلّب المعالجة من طرف أهل النّظر والسّاسة.

لنتّفق على أنّ كلاّ من الحرّية – بمعناها الحديث – والدّيمقراطيّة مفهومان ينتميان إلى حقل معرفيّ وعالم ثقافي مغاير تماما للّذي يتحرّك فيه الأصوليّون من الغزالي إلى الشّاطبي، إلى ابن عاشور وعلاّل الفاسي. الكليّات الخمس الأصليّة كانت تلخّص الغايات التي نسبها علماء الدّين للشّارع والتي جاءت مطابقة – وهو أمر لا ينبغي أن تعجّب منه- لأسس النظام الاجتماعي التّقليدي في ظل دولة الخلافة. بدليل التّنصيص على قواعد حفظ العرض وحفظ المال وحفظ الدّين بتأويلاتها الموروثة عن السّلف، مقابل السّكوت عن مبادئ كان يمكن تضمينها على غرار مبدأ العدل وحريّة الإنسان والتّكافل أو الإيثار أسوة بعمر بن الخطّاب وعلي بن أبي طالب. لقد انتبه المصلحون في تونس في القرن التّاسع عشر وعلى راسهم خير الدّين إلى هذه المسائل عند مقارنة أحوال الأمّة المسلمة بالأمم الأوروبيّة واستنتجوا أنّ تلافي الضّعف وتحقيق المنعة يقتضي تجديد الفكر المقاصديّ. الأمر الذي يفسّر مكانة قيمتيْ العدل والحرّية في كتاب أقوم المسالك. وللعلم فقد ربط سعيّد قيمة الحريّة بالخضر حسين ولم يقل شيئا عن السابق إليها أي خير الدّين ولا عن ابن عاشور الذي كتب في مقاصد الشّريعة.

على أنّ إستدعاء قيس سعيّد للمعالجة المقاصديّة يأتي في سياق تاريخي وثقافي جديد، وفي ظل أزمة سياسيّة من نوع غير مسبوق؛ فماذا يريد به؟ هل ينوي تحوير المنظومة القيميّة التي تركها بورڤيبة في اتجاه محافظ وتحقيق ما عجزت عنه حركة نهضة شغلها هاجس التموقع على رأس المؤسّسات عن الدّعوة لقيمها وإعطاء المثال؟ هل هي مزايدة عليها وسحب للبساط من تحتها عبر تأكيد احتكار الدّولة لصلاحيّة العمل بمقاصد الإسلام؟ وبالتالي نزع هذه الصلاحيّة هن الهيئات الدينيّة والمدنيّة والسياسيّة التي مارستها لحدّ الآن؟ ثم كيف نفسّر سرعة تنازل قيس سعيّد لضغط الرّأي العام الدّيمقراطي والحداثي عبر التّنقيحات التي أدخلها يوم 08 جويلية على نسخة 30 جوان من الدّستور الجديد ونصّه على أنّ الدّولة تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام في ظل نظام ديمقراطي؟ ما هو الثمن الرّمزي أو السّياسي الذي ينبغي أن يقدّمه حتى يُقْبَلَ منه دستوره ؟ وما هي ملامح الدّيمقراطيّة التي ستتأسّس على مجموع المبادئ والقيم المذكورة ؟

عند هذا الحدّ، وبناء على ما سبق نحاول إجابة عن سبب إسناد سعيّد مهمّة صياغة الدّستور لزميليْن له مشهورين بمواقفهما الحداثويّة والعلمانيّة المكافحة ويكاد لا يجمعهما شيء بنمط تفكيره، ثم ما تلا ذلك التكليف من إستبعاد سريع لفصول إقترحاها ولم يكن ينتظر منهما غيرهاي.
يبدو أنّ الغرائب التي شهدها التونسيّون منذ انطلاق مسرحيّة إعداد دستور »الجمهوريّة الجديدة « لم تكن في جانب منها سوى ثمرة حسابات ماكيافليّة (كل واحد شيطانو في جيبو) جعلت كتابة هذا الدّستور أقرب إلى المخاتلة واستغفال الحليف المؤقّت لأجل تمرير المشروع المجتمعيّ والأهداف الخاصّة بكل طرف مشارك. انعقدت الهيئة الإستشاريّة حول الدّستور بمن حضر أي بأسلوب المرور بقوّة أخذا بالاعتبار اتساع نطاق المعارضة لهذه الخطوة، ولكن المرور بقوّة إلى ماذا؟

ففي ذلك المشهد السّريالي ما لبث أن انقلب السّحر على السّاحر. تبيّن للثّنائي بلعيد / محفوظ أنّ سعيّد ليس سهل التّرويض إذ سرعان ما انتفض على المنحى اللاّئكي – الحداثوي الثّاوي في مقترحهما والذي يعكس ما يكرهه بالضّبط أي الأسْر الذي تمارسه منظومة قيم ومفاهيم الحداثة الغربيّة وتحديدا النّموذج الفرنسيّ. لذلك لا نستغرب كون تنصيص الثّنائي على فكرة »تعلّق الشعب التونسي بتعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتّح والإعتدال « لم يكن كافيا لإقناع قيس سعيّد بهذه الصّيغة الإنتقائيّة والملتبسة. على أنّ انقلاب السّحر على السّاحر شمل أيضا الرّئيس قيس سعيّد الذي وجد نفسه محاصرا بغضب المتخوّفين من أن يكون بصدد الإعداد لنظام محافظ يلغي الحرّيات الخاصّة باسم الآداب العامّة.

لكلّ ما سبق نرى من المشروع التّساؤل هل كانت مصلحة تونس تتطلّب تغيير الوضع الدّستوري للدّين والحرّيات والحقوق كما ورد في دستور 2014؟ ما ضرّ لو تمّ الإبقاء على صيغة »الإسلام دينها « ؟ ألم يكن ذلك ليجنّبنا إضاعة الوقت في جدل إيديولوجي وفقهي وحقوقي والحال بأنّ للبلاد أولويّاتها الحارقة التي تتطلّب حلولا عاجلة ومشاكلها المزمنة والمتراكمة التي تقتضي التهيّء للمستقبل؟ هل طالبت أغلبيّة الشّعب بتغيير الفصل الأول أو غيره وهو المنشغل أصلا بتدهور مستوى المعيشة والخدمات العموميّة وبخراب المرافق العامّة والبيئة والصحّة والمدرسة؟

ليس ما تقدّم موقفا من مجمل مشروع قيس سعيّد فهذا الأمر لا يتّسع له المقال، وربما يكون سابقا لأوانه. هناك مسائل مازالت تنتظر التوضيح في غاياته وسياسته رغم ما يمكن أن تشكّله من أرضيّة للإلتقاء بين مكوّنات طيف تقدّمي واسع وفي مقدّمتها مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع بلا هوادة، ومنها الخيار الشّعبي الاجتماعي، وهاجس الإنجاز التنموي بما يدعم المقوّمات الإقتصاديّة للسّيادة الوطنيّة، بالإضافة إلى الموقف الإيجابي من الموروث العربي الإسلاميّ في مواجهة دعوات الإنسلاخ الثّقافي، وهذا ما يجعل المشكل الأساسيّ مع قيس سعيّد كامنا في طريقته في التعامل مع مكوّنات السّاحة السياسيّة والفكريّة وإمتناعه عن الحوار والتّشاور وإستبداده برسم الخيارات واتخاذ القرارات - وليس في خياراته الشعبيّة والوطنيّة المتجذّرة. المأخذ الأساسيّ على قيس سعيّد أنه يرفض التعامل بنديّة وعلى قدم المساواة مع القيادات الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة وإشراكها في وضع السّياسات وإدارة البلاد وعلى عكس ذلك يسعى للحطّ منها وممّا تزخر به من قدرات وكفاءات ويعمل على إظهارها في صورة سيّئة وتعميم أعوارها ومساوئها عليها جميعا. وكل ذلك حتى يبرز كزعيم أوحد رغم نقص مقوّمات الزّعامة الكاريزميّة والخصال الإستثنائيّة التي تتطلّبها.
إلى جانب ذلك فإنّ دستوره يهدف إلى تعويض دكتاتوريّة البرلمان السّابق وفوضاه بحكم رئاسي صلب ذي صلاحيّات واسعة ولا يخضع للمساءلة أو المحاسبة. لكن هذه الإعتبارات لا تبدو محدّدة الآن في اتّجاهات جمهور هامّ من التونسيّين منحاز إليه دون قيد ولا شرط ويتصرّف بأسلوب ردّ الفعل ومعاقبة كل من يرمز إلى المنظومة التي تنفّذت في العشريّة السّابقة.

(انتهى)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا