أي خطاب ديني.. لمعالجة ظاهرة الإسلام السياسي..؟

بقلم: د.محمد اللومي
كنا تعرضنا في مقال سابق الى ظاهرة الإسلام السياسي كمنظومة فاشلة في تسيير أمور الدولة والمجتمع.. و ذلك بالنظر إلى مخرجات تجربة الإسلام السياسي

في الحكم خلال العشرية الأخيرة.. لا في تونس فحسب.. على اثر ثورة 14 جانفي 2011.. ولكن أيضا إقليميا.. اذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما حدث في ليبيا وفي مصر.. و كنا تناولنا أيضا ضرورة معالجة العوامل الموضوعية المساعدة على ظهور و انتشار ظاهرة الإسلام السياسي..
أما إذا تناولنا الدوافع الذاتية التي تدفع «بالمسلم العادي» إلى أن يتحول إلى «إسلامي».. فمن بالغ الأهمية الوقوف على ما أكد عليه فريد بن بلقاسم, في كتابه - الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر-من أن الأنظمة العربية كثيرا ما تعاملت مع الإسلام السياسي باعتباره تنظيمات وحركات, فواجهته على هذا الأساس, واهتمت بدرجة أقل بالإسلام السياسي من حيث أفكاره وأيديولوجيته, و هو ما يفسر استمرار حضور الإسلام السياسي و توالد حركاته رغم ما لقيته طوال عقود من قمع و اضطهاد.. و هو ما يحيلنا على الأهمية القصوى والقاعدية , في اعتقادي, لمعالجة البنية الذهنية و الفكرية الحاضنة لظهور حركات الإسلام السياسي, و المهيئة للاستقطاب و التجييش.. و هي معالجة تقتضي الوقوف .. أولا عند ضرورة تجديد الخطاب الديني.. و أجد هنا في خطاب مفتي الديار المصرية, الشيخ شوقي علام, في جانفي 2015..ما يشفي الغليل ..حيث قال «... و هذه الظاهرة – الغلو و التطرف- نشأت نتيجة تصدر أناس من غير المتخصصين في علوم الشريعة, و نتيجة لعدم فهمهم الجيد و الحقيقي و المتكامل للدين, فتسارعت وتيرة الفتاوى الشاذة غير المنضبطة و أحدثت حالة من السيولة في فتاوى التكفير التي نالت – ولا تزال- من المجتمعات الإسلامية. إن ما نعنيه ونقصده و نذهب إليه من تجديد الخطاب الديني ليس المقصود منه العدوان على مبادئ و قيم هي من صلب العقيدة الإسلامية الثابتة أو ثوابت الدين, إنما نتحدث عن الأدوات و الآليات التي تعمل بشكل منضبط و وفق ضوابط معينة لكي نستطيع من خلالها الوصول إلى خطاب ديني رشيد».. إن ما شدد عليه الشيخ شوقي علام من ضوابط وانضباط في التعاطي مع تجديد الخطاب الديني يحيلنا إلى ما نص عليه قول محمد بن ادريس الشافعي 150 ه - 204 ه .. « وليس لأحد أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم و جهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس».. و هو ما أتباناه شخصيا.. وهو ما يتعارض في نفس الوقت, صراحة, مع ما ذهب إليه فريد بن بلقاسم .. من ضرورة تخليص التشريع من الفقه وفصل القانون عن الدين فصلا واضحا و نهائيا , و ذلك نقلا عن محمد الشرفي في كتابه «الإسلام و الحرية».. و من أن القراءة المرجوة للنص القرآني هي قراءة فردية حرة ومسؤولة, و هي نتيجة المحاورة الذاتية بين القارئ و النص, متحررة من أي قيد مؤسساتي .. إلى أن يقر بعدم الحاجة إلى مأسسة التفكير في القضايا المتعلقة بالفكر الديني, أي أن يتحول التفكير في هذه القضايا إلى مبادرات فردية أو جماعية تتولد من رحم المجتمع ولا تحتكره فئة معينة تفرض سلطانها على الجميع, و تنبع من النقاشات و المساجلات داخله بين مختلف فئاته وأفراده.. ففي تقديري, فان ما ذهب إليه فريد بن بلقاسم, إنما سيدخل المجتمع في فوضى من الفتاوى , تتهافت عليه من كل حدب و صوب, بما يعرضه إلى أمواج عاتية من عدم الاستقرار, و التنافر, والتناحر ..في تهديد خطير للسلم الأهلية.. علاوة عن كونه سيفسح المجال واسعا وشاسعا للجماعات الإسلامية, لتنطلق في حرية مطلقة.. أدلجة وتسييسا للدين.. نحو ما نبه إليه عبد المجيد الشرفي نفسه في كتابه « الإسلام بين الرسالة والتاريخ».. لفرض رؤاها و فهمها للدين والحياة, واستبعاد المخالف ورميه في دوائر البدعة و الفسق والزندقة والكفر, و التصرف من منطلق الأحقية في الحديث باسم الله و استئثارها بفهم النص المقدس و تأويله.. لذا فان الرأي عندي هو ما ذهب إليه «الشاذلي االقليبي» في كتابه « تونس و عوامل القلق العربي».. قائلا..» و أعتقد أن مقاصد الإسلام تدعو إلى الاجتهاد في تطوير وظائف ديوان الإفتاء, و صلاحيات المجلس الإسلامي الأعلى, و برامج الجامعة الزيتونية, لتكون تونس دوما أحد أهم مراجع الفكر الإسلامي, و ملاذ الكثيرين من خارجها, كما كانت فيما خلا من عصور».. ذلك أن اطلاق العنان لحرية الفرد و المجموعة.. تأويلا للنص الديني.. ونقدا غير مشروط لكل ما يطرح من قضايا وموضوعات متصلة بالدين.. انما تصب في خانة تغذية و تأجيج الفكر الاسلاموي.. و فسح المجال أمامه شاسعا.. أدلجة للدين و و تسييسا له.. وعلى هدى ضرورة النأي بالخطاب الديني عن الانفلات و الفوضى.. وبالنظر الى دورها الهام في صناعة الرأي العام وتوجيهه, فان الحاجة ملحة , إلى أن يتم وضع ضوابط و قواعد ملزمة للخطاب الديني الذي تنشره وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية العربية اليوم.. و لعل أهم تلك الضوابط و القواعد أن يبتعد عن الدعوة الى الحقد و الكراهية والعنف.. وأن يتجنب أدلجة الدين و توظيفه في الصراعات و المنافسات الحزبية ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا