مجتمع الصيف، التونسيون في حالة اختبار

هناك في العلوم الإنسانية والاجتماعية تخصصات في الزمن، هناك الدراسات الليلية أي تلك الدراسات التي تبحث في ما يحدث في الليل.

عمّال الليل، ساهرو الليل في الملاهي، الممرضون والأطباء، الأمنيون و غيرهم. هؤلاء يعيشون ليلهم مختلفين عن الآخرين. احتجاجات الليل في الأحياء الشعبية. وهناك أيضا الدراسات الصيفية، أي تلك الدراسات التي تهتمّ أساسا بما يحصل في الصيف على أنه زمن اجتماعي، تدار فيه الأشياء بأشكال مختلفة عن المواسم الأخرى. الصيف موضوع سوسيولوجي دون منازع.
الصيف إذن ليس فصلا من فصول السنة فقط، هو زمن تبدو فيه المقارنات خفية ومعلنة سيدة الموقف. هو موسم يبدأ بإعلان النتائج الدراسية، هناك من يحبّ الصيف لأنه يسمح بالتحرّر وهناك من يفضل عليه فصل الشتاء لأنه فصل يمكن للأفراد فيه أن يتخفوا عن الأعين. الصيف فصل فاضح للأجساد على شواطئ البحر وفي الأعراس. هو أيضا فصل النزاعات الاجتماعية لأن الناس أكثر اتصالا ببعضهم البعض.
مجتمع الصيف هو كذلك مجتمع الأفراد وهو مجتمع نرجسيات الفوارق الصغرى. الصيف مليء بالحركة، هناك اهتمام إضافي بتوزيع الوقت وتنويع الأنشطة وهناك إمكانيات أكبر للتفاعلات بين الأفراد في الشوارع والمساحات العامّة والمقاهي وقاعات الأفراح وغيرها. وتمتلأ فضاءات التواصل الاجتماعي بسير الأفراد وإنجازاتهم الصيفية، إنجازات الأفراد وهم يرتادون الشواطئ وهم يحتفلون في مناسباتهم وهم يعلنون ذهابهم إلى وجهة ما في سفر ممتع وهم يُظهرون ما منّت عليهم به سنوات الهجرة القاسية.
مجتمع الصيف هو مجتمع التجلّي، يمارس فيه الأفراد فرديتهم ويقيسونها تفاعلا مع فردانيات الآخرين. وهنا يحصل الإرهاق النفسي والمجتمعي عندما لا يجد بعض الأفراد حساباتهم في سوق التجلّي الذي هو السوق الأصعب الآن. وينتج عن هذا الخلل الذي يحدث في هذه السوق بين العرض والطلب الكثير من المشكلات الاجتماعية، جريمة وطلاق وسوء معاملات مالية وخلافات بين الأفراد متعددة الأبعاد ومحاولات مختلفة لإعادة التموقع داخل شبكة علاقات المعنى وعلاقات القوّة. هذه المسألة أيضا مضنية للأفراد لأنها تضعهم في سباق محموم من التحديات التي من المرجح أنها صعبة المنال.
في آخر مجتمع الصيف هناك عملية جرد حساب فردية وجماعية. ماهي حدود الربح وماهي حدود الخسارة؟ ماهي المكتسبات المادية والرمزية؟ ما الذي عطّل المشاريع الفردية والجماعية؟ هناك إذن جرد حساب يقوم به الفرد على جميع المستويات، هناك من يواصل وكأن شيئا لم يكن وهناك من يراجع نظرته للحياة ولنفسه وللمحيطين به ويختار مراحل مشاريعه القادمة.
يسمح مجتمع الصيف للأفراد بأن يختبروا قدراتهم لأن الحراك الذي يوفّره مليء بالأحداث والمعاني. ولكن الطي يحصل أن الأفراد يعيشون خيباتهم المختلفة على أنها إخفاق شخصي ويتصورونها خللا في قدراتهم على السيطرة على الأمور. وعليهم في هذه الحالة أن يعودوا إلى أنفسهم يراجعون ما بها من هنّات. وفي ظلّ غياب مؤسسات المرافقة الاجتماعية ينظر الفرد إلى كلّ هذه الأشياء على أنها حمل ثقيل عليه أن يتحمله وعليه ان يجد له كل متطلبات النجاح. هنا وفي هذه الحالة لا يُحاسب الفرد نفسه إلاّ على قدرته على الوصول إلى الهدف، لا تهمّ هنا التجاوزات القانونية والأخلاقية، إذ لا يحاسب الفرد نفسه بالرجوع إلى علاقته بالتجاوزات مهما كان نوعها، بل يُحاسب نفسه بالقدرة الكامنة فيه على إيجاد الحلول لمشكلات أرهقته.
مجتمع الصيف هو مجتمع للاختبار الفردي بلا منازع. والأهم من كل هذا هو قدرتنا على فهم مضامين هذه الاختبارات وتحولاتها العميقة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا