تونس والكنز المهدور

يُحكى عن ثلاثة حطّابين كانوا يخرجون دوما معا إلى الغابة لجمع الحطب وبيعه في السّوق ويقتسمون بالتساوي ما يحصلون

عليه كلّ يوم في رضا تام بما كانوا يكسبونه، وذات يوم بينما كانوا يقطعون جذع شجرة يابسة أحسّوا باصطدام فؤوسهم بجسم صلب تحت الجذع فعرّوا عنه التّراب، فإذا بهم يعثرون على صندوق مملوء ذهبا وفضّة، اهتزّوا فرحا وغنّوا ورقصوا وقد ظنّوا أنّ طاقة القدر فتحت لهم وطلّقوا الفقر مدى الحياة، ولمّا جلسوا ليرتاحوا قليلا على حافة الحفرة أخذوا يفكّرون في كيفية التصرف مع ذلك الكنز. وفي الختام استقرّ رأيهم على نقله لبلدتهم وإخفائه في مكان آمن وعدم إخبار أحد بالأمر «حتى يجدوا له صرفة» ، فأعطوا لأحدهم بعض النّقود وأرسلوه إلى البلدة ليأتيهم بحمار ليحملوا عليه الصّندوق ويشتري لهم بعض الأكل، لكن ما إن غادرهم وصارا لوحدهما حدّثتهما نفسهما بغدر زميلهما للاستئثار بالكنز واقتسامه بينهما فقط حتّى تكبر حصّتاهما، واتّفقا على قتله.
لكن ذلك الرّجل أيضا وهو يسير وحيدا على الطّريق «زنّت عليه نفسه» وزيّنت له الاستحواذ على كامل الكنز لوحده كي يصير من أكبر الأثرياء فقرّر قتلهما، لمّا اشترى الطعام دسّ لهما فيه السمّ في الأكل الذي اشتراه ، حين بلغ إليهما وبعد أن سلّمهما الأكل والحمار هويا عليه بفأسيهما وأردياه قتيلا ، ثمّ جلسا يأكلان الطّعام بشراهة منتشين بنجاح خطتهما وحصولهما على كلّ الكنز لوحدهما ، لكن ما إن مضغا بعض اللّقم حتّى أحسّا بأمعائهما تتمزّق وبأنفاسهما تضيق إلى أن فارقا الحياة وسقطا ممدّدين على الأرض إلى جانب الكنز وإلى جانب زميلهما والحمار ينظر إلى ثلاثتهم بسخرية.
هاته الخرافة تشبه إلى حدّ بعيد قصّة من الواقع سنجد أنّ جماعة السّياسة وما فعلوه ببعضهم كان مماثلا لفعل الحطابين الثّلاثة ببعضهم ، فكانت نهايتهم أن وجدوا أنفسهم ذات مساء على قارعة الطّريق وهم يتفرّجون في السّلطة تضيع من بين أيديهم.
تلك الجماعات قضت عشرات السّنين وهي تلهث للحصول على موقع للمشاركة في الحياة العامّة لا أكثر، وقد ذاقت من أجل ذلك مختلف ألوانها شتّى صنوف الحرمان والمطاردة والتشرّد والسجون حتّى حصلت معجزة ذات يوم من شهر جانفي 2011 لم ينتظروها، لم تتحطم قيودهم واكتسبوا حرّيتهم فحسب، بل جاءتهم الفرصة كي يتولّوا الحكم على طبق، فاندفعوا نحو كرسيّ الحكم عميانا لا يلوون على شيء ولم يمنحوا لأنفسهم الفرصة لالتقاط أنفاسهم ونزع جبّة المعارضة وتعلّم أبجديات التسيير ومعرفة مقتضيات إدارة الحكم ودخلوا في سباق محموم للاستحواذ على مقاليد الحكم كلّ طرف منهم يحلم بأن يكون له لوحده أو على الأقل أن التّحكّم في توزيع الحصص
ومن الوهلة الأولى بدأوا بإفراغ المواقع في الدولة وفي الإدارة لتكبير حصص كلّ طرف منهم
فكان قرار إبعاد أعضاء الحزب الحاكم السّابق مآخذ فرديّة أو محاكمات عادلة في حركة تشبه إلى حدّ بعيد التّجربة العراقيّة الرّديئة تحت سلطة الاحتلال في اجتثاث حزب البعث العراقي في إعادة إنتاج نفس المظالم والتجاوزات والعقوبات الشيء الذي كانوا يدّعون مقاومته في النّظام السابق
وبما أنّ الإقصاء لا يستدعي إلاّ الإقصاء جاء الدّور على الجمهور الذي لا تهمّه قسمة المناصب والمواقع الإداريّة وكلّ ما يمكن طلبه هو إعادة القسمة في توزيع الثروة وشيء من الشّغل والخبز والكرامة. تلك الشّعارات التي كان صدّقها ونزل من أجلها إلى الشّارع، لكنّه وجد نفسه بعيدا عن تلك المطالب ومطالبا بالانتظار إلى حين اكتمال البناء السّياسي ، ذلك البناء الذي صار مصدرا لسجالات وحوب هويّاتية ، حيث تركت تلك الجماعات مشاكل الأرض جانبا وتوجّهت لحلّ مشاكل السّماء ، فغرقت في جدال لا ينتهي حول الشّريعة والفقه والإيمان والجهاد وكلّ شؤون الدّين وكأنّها تعش حالة « فتح جديد « ، فتح لم يفتح سوى أبواب البلاد على مصراعيها للمبتدئين من الدعاة والأدعياء والدجالين الذين زادوا في ترسيخ مناخ العنف والخوف والكراهية وتحويل ذلك الحلم إلى كابوس
وكان كلّما ازدادت اللهفة على الحكم ازداد الخبط العشوائي والانحراف عن الطريق، وتولية تلك المرأة التي هي في الأصل ناشطة سياسية وحقوقية ومسكونة بحقد أعمى على الدولة وشق واسع من التّونسيين، مهمّة العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة خطأ في غاية الفداحة حيث أعطى عمل هيئتها نتائج عكسية بمزيد تعميق الشرخ بين الفرقاء والعبث بالذّاكرة الوطنيّة دون تحقيق لا كرامة ولا حقيقة.
والمأساة أنّ هاته الجماعات لم تتفطن إلى الدخان المتصاعد إلى أنفها وإلى الغضب الذي عمّ الشوارع والأحياء وبات يهدّد بإسقاط « المعبد « على رؤوسها مجتمعة إلاّ بعد الصّعود الصّاروخي للشعوبيّة التي استغلّت الفراغ الذي تركته تلك الجماعات، ورغم المخاطر التي باتت تهدّد أركان الدّولة وتنذر بانزلاق البلاد في مجاهل لا أحد يعرف نهاياتها فإنّ تلك الأحزاب ما زالت تعيش حالة من الإنكار وتبحث عن الذرائع لتبرير أخطاءها وإلقائها على غيرها، هنالك من يقول بأنّه من الوهم انتظار استفاقة من تلك الجماعات وهي التي هيأت واحتضنت وربت الأغوال الشعبوية التي باتت تهدد وجودها هي نفسها ، وهاته الجماعات محكومة بغريزة الصراع والتّفرّد وإلغاء الأخر، لذلك هي غير مستعدّة للشراكة واقتسام « الكنز» مع غيرها ولو كلّفها ذلك نهاياتها كلّها كنهاية الحطابين الثلاثة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا