منبــــر: وتغتال شيرين... وتبقى الحقيقة عارية أمام وهم الحداثة

بقلم: المنصف بن عبد الجليل
مضت أعوام من عمري لم أهتزّ أبدا ولم أشكّ في جدوى الحداثة، بل دافعت هنها في شتّى كتاباتي ودروسي، ومازلتُ.

وبقيت على ذات الرأي حتى نشرت يوما موقفا قادني إليه صحفي باكستاني بكاراتشي ولم أتردّد في الإصداع به، فكان عنوان مقالة في جريدة الفجر الباكساتانيّة (Dawn): «هل فشلت الحداثة؟» ويبدو أنّي لم أكن مخطئا في تشخيصي ولا مبالغا. رأيت وقتها كثرة الحروب التي اندلعت في المواطن العديدة من المعمورة؛ وقرأت إحصائيّات مذهلة عن نسب الفقر والأميّة، واغتيال الطبيعة بالقطع والحرق والاتّجار. واطلعت على أنواع الآفات التي تغلغلت في المجتمعات الفقيرة وما أضحى يتعاطاه الشباب من ضروب المخدّرات والأفيون، والمحطّمات للروح والبدن؛ ووقفت على تشدّد الحركات الدينيّة وانتشارها بين الناس وإتيانها على الأخضر واليابس والاتّجار بالوهم استئثارا بعزائم الناس وسلبهم فكرهم وروحانيّتهم؛ وحسبتُ وقتها في تلك العقود الأولى من الألفية الثالثة أنّ الإنسانيّة مقبلة على خراب شديد، وعدميّة لا علم لنا بنتائجها. وقلتُ وقتها إذا كانت هذه هي الحداثة التي آمن جيلي بها، فهي لا تعدو كونها «حملا كاذبا» وويلا شديدا على الإنسانيّة؛ ولينتبه الناس إلى أنّنا ننقاد جميعا إلى موت سريريّ لا نجاة منه. وأنّ المدمّرين لهذا الحلم ودعاته لهم ممّن سينالهم ذات المصير، ولا خلاص لهم منه.

رحم الله «هانس كونغ» فقد نبه إلى هذه المخاطر الداهمة في كتابه الشهير عن «الأخلاقيّة العالميّة» وحسب وقتها أن «لا سلا م في العلم إلا بسلام بين الأديان»، وها هي الأديان كلّها تتواطأ مع الحركات المتوحّشة على خراب العالم لأنّ عقيدة الإنسانيّة اليوم أضحت بلا أدنى شكّ عقيدة الكسب والسيطرة والاستبداد والاستئثار بخيرات الدنيا وحتّى الآخرة لمن آمن بها.

ما يعنى أن ينفق العالم كل دقيقة أكثر من 1,8 مليون دولار على التسلّح والقتال؟ وكيف يقبل أن يموت أكثر من 1,500 طفلا كلّ ساعة جوعا أو بسبب أمراض أحدثها الجوع؟ وهل من المقبول أن ينقرض كلّ يوم فصيلة أو جنس من أجناس الحيوان والنبات؟ وهل عرفت البشريّة سنوات أحلك من الاستبداد والتعذيب وقتل النفوس وحمل الناس على الهجرة، مثل ما نشاهده في السنوات الأخيرة من الألفية الثانية وحتى بداية الألفية الراهنة؟ وماذا يقول العقلاء عن التداين اليوم، وارتهان ثروات البلدان، وعزائم الشابّات والشبّان وطموحهم ليقضى عليهم بالتبعيّة الأبديّة إلى نظام اقتصادي تتملّكه فئات من المتاجرين بالنفوس والأموال والأخلاق؟ وماذا تقول البشريّة اليوم وهي تشهد بأمّ العين تحطيم مساحة من الغابات الاستوائيّة وغيرها تعادل ثلاثة أرباع مساحة كوريا مجتمعة، سنويّا. ولو زدنا تفصيلا أكثر عن الأمراض والأوبئة وأصناف العلاج وأمر التعليم والمدارس والهجرة القسريّة والعنف والتمييز العنصري لوقفنا على مشهد مفزع يسير إليه العالم بخطى متسارعة. والحال أنّنا نفخر بلا حدّ ولا تواضع بتطوّر الإنسانيّة نحو التقانة والاتّصال وما يشبه، وهو شأن محمود في ذاته لولا أن ترسّخت أزمة الإنسانيّة وقيمها الأخلاقيّة في قلب التطوّر ذاته.

وبدل أن تزيد أواصر الاتصال قربا بين المجتمعات الإنسانيّة، وبدل أن تحقّق «قَرْيَنَةُ» العالم المتباعد الأرجاء تواشجا وتعاطفا وتضامنا، ازدادت الهيمنة، وعظم التوحّش وسارت البلدان «المتقدّمة» بآلة العلم والحرب والفتك والمال تضخّما واستبدادا، و هي التي تدّعي اليوم تحرير المواثيق الدوليّة ضمانا للسلام والأمن في العالم ورعاية لحقوق الإنسان، وحتّمت في ما ظنّت أن تنتشر الحرّيّة والديمقراطيّة في سائر أنحاء المعمورة؛ وطفقت تعلّم البشريّة كلّها مهما اختلفت ثقافاتها المحلّيّة وتواريخ مجتمعاتها المتتالية، ومهما تنوّعت رؤاها الأصيلة، تعلّمهم جميعا عقيدة الديمقراطيّة التي لا تكون حداثة التفكير إلاّ بها.
وتعلن تلك البلدان الغربيّة في فجاجة لا مثيل لها أنّها تمنع الناس من زيارتها، إلاّ بصكّ الرضا منها عن البعض دون سواهم؛ فاخترعت فضيحة التأشيرة، واستولت على أموال المحتاجين الراغبين في التنقل والزيارة لشأن ما، وهي التي استولت أصلا على الثروات كلّها إمّا بسنوات الاستعمار الطويلة، أو بالتحايل التجاري والصناعي، أو الاستقطاب المالي والسياسي؛ وأجهدت كلّ فرد بشروط مجحفة منها ما هو من أسرار الحياة الخاصّة، ومنها ما لا يليق اشتراطه ولا طلبه عملا بمبدإ الحقوق الإنسانيّة والأخلاقيّة. وأرى مع ذلك الإعلان المتواصل عن برامج التعاون الثقافي والفكري، ومشاريع التعارف بين الشعوب، والحوار بين الحضارات... وأرى الشابّات والشبّان يحلمون بالسفر والمشاركة والهجرة... يمنّون النفس بدخول الجنّة والسعادة الأبديّة... وأضحك في ما بيني وبين نفسي، وأبكي حزنا ويأسا... وأرى أنّ الحاصل من منع الناس حرّيتهم في التنقّل والتعلّم، والتباحث والمشاهدة، واستتباب التّعارف، أن نشأتْ من تلك الحال قسمة العالم «قسمة ضيزى». وماذا يتوقّع الناس أن تنجب الإنسانيّة المنشطرة غير الكراهيّة والاستبداد وانقطاع الحقوق والحروب المتتالية ومزيدا من الفقر المؤذن بخراب العالم.

ولينظر العاقل إلى ما أصاب الدنيا عندما طعن الغرب في مقتل في 11 سبتمبر بالولايات المتّحدة الأمريكيّة: قامت ولم تقعد إلى اليوم. تلاها تدمير العراق بهتانا، وذبح رئيس الدولة فجر يوم العيد، وتتالى التدمير في الأوطان العربيّة، والكلّ يغنّي بأمل واسع لا حدّ له: أمل في الرقي والتنمية والحداثة الرائعة حتّى عدّ شعب تونس في أكثر من مناسبة شعبا دوّخ العالم برمّته. وليسأل ذات العاقل عن تونس اليوم، وعن ليبيا وعن سوريا وعن مصر وعن اليمن، وعن البحرين، بل عن السعوديّة وغيرها ممّا استقامت لهم الحياة المادّيّة والرفاهة العابرة إلخ. سيقف السائل العاقل على حقيقة المأساة التي ألمّت يهذه الأوطان، وهي جزء من أوطان مماثلة في القارات الأخرى التي مازالت تكابد آفات الفقر والحاجة والاستبداد وامتناع الحقوق، وهي في الجملة عار على الحداثة والألفية الثالثة. عار أن يجوع اليوم طفل، وعار أن يموت من مرض ما، وعار ألاّ يدرس، وعار ألا يجد شربة ماء، وعار أن يهجر محلّه...
قد أقول بيني وبين نفسي: ما أسخف ما تعلّمناه من أفكار رائعة ومذهلة، آمنّا به كما لو كنّا نؤمن بأنفسنا. كلاّ. لم نؤمن ببؤس العلم، وما ظننّاه يوما قاصما للظهر. لا ولا رأينا في القيم الكونيّة الراقية غير ما تستقيم به الحياة شريفة عفيفة حرّة ومسؤولة، لا ولا خشينا يوما أن تكون الحضارة في منابتها غير مساهمة طريفة في الحضارة الإنسانيّة

العتيدة....تعلّمنا ذلك، ودرّسناه، وثابرنا عليه... ولكنّا نفيق اليوم على استلاب جماعي سحيق، لا حدّ له، ولا مخرج منه لأنّه نفق مظلم مظلم مظلم، ثلاثا وأكثر.

ما رأي السادة العقلاء في أنّ بلدا غربيّا راقيا، ديمقراطيا، كامل الوثوق بالحقوق والمعاهدات الدوليّة، يمنع شعبه من مشاهدة غير قناته التلفزيّة ويمنعه من مشاهدة القنوات الروسيّة حتّى يكون رأيه في الحرب الدائرة اليوم بين روسيا وأوكرانيا رأيا أحاديّا «وطنيّا». وأين التفكير النقديّ إذن؟ وأين الحرّية التي تبالغ النصوص القانونيّة والحقوقيّة في الترويج لها؟ أهي وصاية جديدة على شعب لا يعي؟ ما أشدّ ما آلت إليه أوضاع الرعاية. شعب بمثابة طفل عاجز عن التفكير بنفسه.

إنّي لأخجل من الانتماء إلى هذا العالم ! لا... ولا أقاسمه أحدا من هؤلاء الذين جزّأوه شيعا وأهواء. لا ولا أنتمي إلى فكرة الاستبداد الأحاديّة، وإن كانت دينا. لا ولا أنتسب إلى هذه القيم المعلنة ظاهرا والمقوّضة للذات باطنا.
ثمّ ما رأي السادة الحكماء في العالم في أمر فلسطين؟ ألهذا الحدّ من التواطؤ والخنوع واستبدال الأخلاقيّة الإنسانيّة والتاريخيّة والحقوقيّة بالانتهازيّة الرهيبة والشنيعة تستبدل الحقائق، وتضيع كرامة الناس، ويعوّض نسل بغيره من طوارئ الهجانة؟ ما معنى أن يبقى في السجون الإسرائيليّة اليوم سجناء الرأي والسياسة أكثر من خمسين سنة؟ ماذا قال حكماء

العالم وعقلاؤه عن موت طفل مثل الدرّة، وعن أطفال الحجارة، وعن تعذيب أهل غزة كلّ يوم وكل آن؟ ماذا قالوا عن استلاب الأرض، وتدمير البيوت، واحتلال مازالت العهود والمواثيق تشهد بفظاعته. ظننّا أن الأمم المتّحدة ستكون على ما نشأت عليه من الأسس والمبادئ فتدافع عن ذاك الدستور الرائع الحامل لحلم البشريّة عند نشأته... ولكنّ صنّاعه كانوا من أهل الاستبداد على العالم برمّته، ولم نحسب لذلك حسابا: إنّ صورة روزفالت وتشرشل وستالين أيّام التدشين كانت تمثّل الصياغة الجديدة للعالم وللإنسانيّة فيه. وكنت شخصيّا واهما عندما حلمت بمستقبل مشرق. فليعذرني الجميع، وقد أفقت على حلاك دامس.

عفوا... إنّي لأحزن اليوم حزنا شديدا على عالم ظننته حداثيا رائعا. لا... لا أقاسمه أحدا من دعاته اليوم... لا ولا أشهد أنّه سيتعافى ما دام العقلاء يطأطئون رؤوسهم مردّدين «آمين» خلف دعاة الاحتكار والاستيلاء على ما بأيدي الشعوب الضعيفة... لا ولا أغادر محلّي إلى غيره من الأوطان ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري.
ها أنّ شيرين أبا عاقلة تقتل اليوم وهي تشهد حقيقة الاحتلال، وترصد بعينها وقلبها شجرة الزيتون بفلسطين تقتلع، ونسي القاتل أنّ الدم المسفوك سينبت شجرا أخصب... ألم تكن تلك مسيرة الأنبياء في تلك الأرض المقدّسة. شيرين بنت عاقلة نبتة لا تنقرض، وحقيقة لا تمّحي، وحكمة لا يعرفها المغتصب. هي غير حكمتكم المتهافتة لأنّها ركّبت على أصل كاذب، وخرافة يتسلّى بها الصبية حتّى إذا أدركوا سنّ الرشد رموها كما ترمى الترّهات جميعها. في قلب شرين نبض فلسطين، وأهزوجة درويش، وبندقيّة «أبي عمّار»، وقصّة صبرا وشاتيلا، ... قصّة ملحمة متعدّدة الفصول ستفتخر بها الإنسانيّة كما افتخرت بقصّة بناة الحرّيّة والحقوق في العالم. وإذا كنّا اليوم نبكي وجها صبوحا، وذكاء لافتا، وكلمة نافذة إلى النفس، وابتسامة رائعة من قلب الصخور المتناثرة، وإحساس صحفيّة ماهرة لم تردّها الأهوال عن متابعة عملها المتعب والشاق، فإنّا نرى في الوقت نفسه وجها كالحا لا يفارق زهو الغرب وآلته المدمّرة للإنسانيّة.
إنّي لشديد اليأس...بليغ الجرح... عظيم الوجع... وبذاتي مع ذلك لجاجة لا تهدأ.

وما زلت أومن بأنّه سينجم من باطني ومن أعماق غيري يوم مشرق لن تكون فيه الحداثة على ما تلوّنون اليوم بأزهى الأصباغ البرّاقة. وهل لك أيّها السيّد المرموق صاحب «بيت الحكمة»، سيادة رئيس «الأمم المتّحدة»: هل من كلمة حكيم تردّ الشرّ إلى مصدره فتقول رأيا وتبدي فعلا تخفّف بهما آلام البؤس الذي أضحت البشريّة تعاني منها الأمرّين، بمن فيها أهل الشرّ أنفسهم، إذ لعلّ أشدّ ما يصيب الإنسان أن يسلب الطغيان إرادته فيرديه إلى السحيق ويظنّ أنّه الأعظم.

هل بقي لي أن أقاسم هذا العالم؟ لا لست من هذا العالم ولا أريد أن أكون، إلاّ أن يحدّث حكماؤه بما يعارض ساسته ويكون الحقّ أجلّ من الاستبداد وتزوير القيم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا