خفايا ومرايا: «انتفاضة الأخلاق الحميدة لن تقع»

عاشت تونس في الآونة الأخيرة من جديد على وقع مسلسل تسريبات مثير ، ليست هذه المرّة الأولى التي يقع فيها نشر تسجيلات صوتية على مواقع الفضاء الافتراضي

على أوسع نطاق لمكالمات هاتفية بين مشاهير من الفنّانين والإعلاميين والسياسيين تتضمّن دسائس أو إفشاء أسرار أو كشف علاقات عاطفية، لكن التسريبات الأخيرة كانت غير مسبوقة وهزت الرأي العام أكثر من كلّ سابقاتها لأنّها تتعلّق بمكالمات هاتفية منسوبة لمديرة ديوان رئيس الدولة سابقا كانت ذراعه الأيمن و«الفاطقة الناطقة» في القصر كما يقال عنها، وموضوع تلك المكالمات المسربة كان الحديث عن تفاصيل حياة الرئيس الخاصة وعن حالته الصحية وعن ردود بعض مواقفه في حالات خاصة، بما أُعتبر أنّ ما جاء في الحديث المنسوب إليها هو إفشاء لأسرار الدّولة وتعدّ على هيبتها، وأنّ بعضه يسيء لمصالح البلاد في علاقة بالخارج ويسبّب حرجا حقيقيا للدولة، وأنّه في الداخل يمكن أن تزيد تلك التسريبات في تعفين الوضع وإثارة المخاوف والشكوك حول شيء ما يطبخ للبلاد من وراء الستار.

والجدّية المبالغ فيها أحيانا مردّها أنّ تلك المرأة كانت من أهمّ صنّاع القرار في البلاد ، وكانت ملازمة للرئيس في كلّ المحافل والأنشطة من « مجلس الأمن القومي» إلى لقاءاته مع الشخصيات الوطنية والأجنبية ، إلى زياراته الرسمية إلى الخارج وبالتالي فهي تمتلك الكثير من أسرار الدّولة التي يمكن لبعض الجهات المجهولة استغلالها لتعميق الأزمة وزعزعة الإستقرار، وأنّه لا يمكن أن تكون تلك التسريبات في هذا التوقيت بالتحديد لمجّرّد تصفية الحسابات والإثارة فقط .

ومن زاوية أخرى تفجّر هذه الحكايات بهذا الشكل يعيد إلى السطح السؤال حول علاقة السياسة بالأخلاق و المعايير المعتمدة في التعيينات في المناصب الحسّاسة في الدولة، وتمكين المحيطين بالمسؤولين الكبار خاصة في الرئاسة من امتلاك نفوذ أقوى حتى من نفوذ أعضاء حكومة والتّدخل في شؤون ومسائل حساسة تتجاوز حدود وظائفهم ،
لقائل أن يقول ربّ ضارّة نافعة ، فقد تكون هذه الحادثة بمثابة الصّدمة التي تحتاجها الساحة السياسية ليقتنع الجميع بضرورة التخلّي عن مثل هذه الألعاب الخطرة والتّوقف عن الضّرب تحت الحزام ، لكن من خلال بعض المؤشرات فذلك أمر مستبعد في ظلّ الغموض والفوضى التي تسود البلاد ، بالعكس كلّ طرف سعى لتوظيف الحادثة والاستفادة منها بكل الطرق، أنصار الرئيس ومساندوه استغلّوها لتصعيد حملاتهم ضد المعارضة وحث الرئيس على محاسبتها واتخاذ إجراءات قاسية في شأنها لإنهاء وجودها السياسي مرّة واحدة ، والرئيس وجد الفرصة للعودة بقوّة إلى الخطاب الذي كرّسه منذ صعوده إلى الرّئاسة حيث لم يكن يفوّت أي فرصة كي يكيل لخصومه سيلا من الاتهامات بالفساد والارتشاء والخيانة وعززه بالمناسبة باستعارته لشعار اللاّءات الثلاث الشهير «لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض» ليؤكد تصميمه على القضاء على من يعتبرهم أعداءه وأعداء الشعب ورفضه التراجع أي خطوة إلى الوراء.

المعارضة بكلّ أنواعها لم تهتمّ بتلك التسريبات من بوابة الغيرة على «الأخلاق الحميدة « فالعقل السياسي التونسي لما بعد « الثورة « تأسّس على فكرة التّفرّد واحتكار السلطة سحق ، لذلك استغلال كلّ الوسائل المتاحة لإلحاق أٌقوى أذيّة ممكنة بالخصم يصبح أمرا عاديّا ، كما يقول نيكولو مكيافلي في كتابه الأمير « إذا كان لابدّ من إيذاء شخص، فلا بدّ أن تكون الأذيّة شديدة حيث لا يُخاف من انتقامه من بعد «، ومن أجله تمّ بعث خلايا « الذّباب الإلكتروني» لاختلاق الفضائح وتشويه الخصوم وتدمير معنوياتهم وشلّ قدرتهم على ردّ الفعل و قلب موازين القوى لصالحهم.
بسبب خرج الفعل السياسي عن ميادينه وأطره وصارت غرف النوم والحانات والمقاهي والبيوت للتنصت من وراء الجدران والتجسس على الحياة الخاصة للناس جزءا منه.

في الظاهر الجميع يتشكى ويدين ذلك النوع من الفعل السياسي المتدنّي ، لكن في الواقع الأغلبية تسعى إلى الاستفادة منه دون التورط المباشر فيه، لقد جعلت منه بعض القوى واللوبيات جزءا من أسلحتها الأساسيّة لتحقيق أهدافها، وهي لا تتحسّر على «ضياع الأخلاق الحميدة» إلا عندما تنقلب عليها الأمور وتصبح في موقع ضعف، لأنّ قناعاتها الأصلية كما يقول نيتشة « أن الأخلاق هي حيلة ابتكرها الضعفاء لكي يضحكوا بها على الأقوياء ، لذلك لا توجد أخلاق الرحمة والإحسان عندهم لمّا يكونون أقوياء، خاصة إذا اكتسبوا قوّتهم بطرق غير مشروعة ، عندها لا يتورّعون في استخدام كلّ «الأسلحة» للحفاظ على مكتسباتهم ومواقعهم.

إذن من الوهم الاعتقاد بأنّه يمكن أن تتّفق هذه الأطراف من تلقاء نفسها على إيقاف هذه الممارسات وأنّ ذلك لن يتمّ بالمعالجة الأخلاقية دون تعزيز ترسانة القوانين الموجودة حاليا بإجراءات ردع حقيقية وفرض سيادة القانون خارج التوظيف السياسي لأن لا أحد من تلك الأطراف مستعدّ في الوقت الحالي للتقيّد بضوابط « الأخلاق الحميدة « خاصّة في ظلّ انسداد الأفق وعدم امتلاك حلول يقدّمها إلى الناس.

لذلك فالأقرب إلى الظن أنّ «انتفاضة الأخلاق الحميدة لن تقع» وأنّ الأمور ستسوء أكثر مع اقتراب سلسلة من معارك المغالبة المتوقعة في الأيام القادمة وهناك سيقوى الضرب وستتعمّق الفجوة بين الفرقاء ولذلك الكثير منهم سيلجأ « للذباب الإلكتروني » لنسج الفضائح وتفريخ تسريباته وصوره و» فيديواته أكثر من التفكير والبحث عن الحوار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا