حديث الفرد: في ضحالة الفكر الديني

طوال النهار، أنا ممدّد. منذ أسبوع وأنا بين الفراش والأريكة، ممدّد. في ساقيّ اليسرى انتفاخ وحمرة. في ساقيّ اليسرى وجع.

أنا مريض. منذ سنين، أراني بين مرض ومرض. أسعى بين طبيب ومخبر. ما الذي أصابني وفي ما مضى كنت في عافيّة وصحّة؟ هل انتهى العمر البهيّ؟ هل حان وقت غلق صفحات كتبي؟ أنا اليوم في السبعين من العمر. أنا اليوم عجوز شيخ. في جسميّ وهن. في سمعيّ ثقل. فكريّ مشوّش. أنا اليوم رجل مدمّر. أنا اليوم في أرذل العمر...

لا، أبدا. أنا لست في أرذل العمر. فقط، هو الجسم فيه بعض توتّر. فقط، هي ساقيّ اليسرى فيها انتفاخ ووجع. لماذا أرذل العمر ومع المرض هناك علاج وطبّ؟ لماذا التشاؤم ولكلّ داء دواء ولكلّ إشكال حلّ؟ أنا لست في أرذل العمر. أنا اليوم كالأمس في أحلى عمر. أحمل الدنيا بين أضلعي وأمشي بين النجوم والقمر. سوف أعالج ما اعوجّ في جسدي وسوف تعود لي عافيّتي وأمشي في الأرض مختالا، منشرحا.

يجب عليّ أن أبقى ممدّدا أيّاما عدّة. ذاك ما قاله لي الطبيب. هذا ما أنا أفعله منذ أيّام عدّة. طوال النهار أنا على الأريكة ممدّد. أحيانا يهزّني النعاس فأنسى همّي ووجعي. أحيانا أقرأ ما تيسّر من الكتب. أمرّ على الأوراق بسرعة. لا أتبيّن ما في السطور من معنى وغاية. يعاودني الضجر. ألقي جانبا بكتابي. أنظر في نفسي فألقاني قلقا، متعبا. أنظر في الشبكة. لا جديد في الشبكة. أنظر من النافذة، فأرى عصافير السطوح في شجرة الليمون تتجمّع، تتفرّق. تغنّي. أحبّ دعاء العصافير في شجرة الليمون، قبالتي. اصفرت أوراق شجرة الليمون. لم ينزل الغيث منذ زمن. ما أن تعود إليّ عافيّتي، سأسقي شجرة الليمون بماء غير زلال وأعطي للعصافير خبزا بالسكّر مبلّلا.

أحبّ النظر في العصافير وهي تنقر خبزيّ المبلّل. لا تحبّ زوجتي ما أعطيه للعصافير من خبز مبلّل بالسكّر. لمّا تتفطّن زوجتي تنهرني. تقول إني بالخبز المبلّل وسخّت الجدران وعفّنت البيت. أعدها أن لا أعود ثانيّة. في غفلة منها، أعود إلى صنيعي خلسة. أعدّ للعصافير خبزا فتاتا فيه ماء وسكّر. ألقيه من فوق الشرفة. ها هي العصافير تتجمّع، تتفرّق، تدعو. تتدافع حول خبزيّ المبلّل. أحبّ النظر في العصافير وهي تغرّد. مع العصافير يهدأ روعي. أنسى مرضي ووجعي. أراني في الأرجاء أحلّق. أغنّي.

  
أنا دوما فوق الأريكة ممدّد. لا شيء عندي أفعله. لا أقدر على الفعل. لا صاحب لي أبادله الكلام والرأي. طوال النهار ألقاني وحيدا. طوال النهار يشدّني ضجر وصمت. أحيانا أحمل إلى السماء نظري. سماء زرقاء، صافيّة. لا سحب فيها ولا مطر قادم. فوق سطح البيت المقابل، وقف عاملان. واحد يلبس قبعة بيضاء وقميصا أحمر وصاحبه يلبس قبعة زرقاء وقميصا لا أتبيّن لونه. أنظر في ما يأتيه العاملان. أتثبّت. في ما أرى، لا يأتي العاملان شيئا. هما واقفان. يتحدّثان. أحيانا ينظران في المارّة، في السماء الصافيّة.

أعود بنظري إلى شجرة الليمون. بين الأغصان، هناك عشّ. لا أدري إن كان في العشّ صغار. أنهض لأرى. يشدّني وجع. أعود لأتمدّد. «يجب أن تبقى طوال النهار وفي الليل ممدّدا»، يقول الطبيب. أيعلم الطبيب ما في التمدّد طوال النهار وفي الليل من عذاب أزرق؟

لماذا أنا دوما مريض؟ لماذا أنا دوما ممدّد؟ متى تنتهي عللي وأمشي إلى الحياة ألهو وأسعى؟ متى أنهض وأعود إلى سالف عيشي؟ سئمت القعود ممدّدا. سئمت البيت ونفسي وصبيحة والبنيّة وكلّ الناسّ من حولي. متى تنزع السماء عنّي عللي وتنهي مرضي؟ على السماء أن تنظر في أمري وتختار. عليها أن تأخذ قرارا. عليها أن تنزع عنّي المرض أو ترفعني من الأرض...

أعود إلى نفسي أنظر فيها. أعود إلى وجهي أدلكه، إلى شعري أفركه. أنظر في السقف، في الأبواب، في الجدران، في ما كان من فراغ. لا شيء يشدّ بصري. لا شيء يشدّ اهتمامي. هو الفراغ عامّ، مطبق. هو الكساد ضارب في السماوات والأرض.
هذه البنيّة في المطبخ تطبخ. هذه زوجتي تنظر في الشبكة. هذه العصافير تتدافع في شجرة الليمون. هذه الشمس في قبّة السماء تشرق. هذا الزمن لا يتغيّر. حابس في مكانه. أغمض عينيّ. أفتحهما. أنظر في الساعة. لا تتحرّك الساعة. هو الزمن انتهى وتوقّف. زمن المريض ثقيل، مدمّر...
لا أحد في الشارع يمشي. لا حياة في الحيّ تنادي. فوق سطح الدار، قبالتي، هناك عاملان لا يعملان. دوما واقفان أمام كدس من الرمل. دوما يتحدّثان. أنظر في الشبكة. في الشبكة هناك كذب وصور وترّهات. يهزّني النعاس. أفيق من نعاسي. أفتح عينيّ. أنظر في الأريكة، في ساقيّ اليسرى، في السماء، في العاملين القاعدين.

فوق سطح البيت المقابل، هناك دوما عاملان. مرّة يتحدّثان. مرّة يجلسان. ها هما من جديد ينهضان. ها هما من جديد يجلسان. واحد ينظر إلى السماء وصاحبه يتثبّت في الشوارع. دوما يتحدّثان. في ماذا يا ترى يتحدّثان؟ أظنّهما ينتظران. ماذا يا ترى ينتظران؟ أنا أيضا أنتظر. أنتظر ساعة الخلاص. ساعة أنتهي من الأريكة ومن المرض. لا أدري لماذا انسدّت عروقي؟ لم أفهم ما قاله الطبيب من كلام.

ها أنا فوق الأريكة ممدّد. في بيتي سكون مكبّل. في قلبيّ فراغ مطبق. أوزار. آخذ كتابي. منذ أسبوع، أقرأ كتاب العفيف الأخضر: «إصلاح الإسلام». هو كتاب طريف. فيه دعوة للصحوة، للنهوض بالإنسان.
في أرض المسلمين، يقول الكاتب، هناك معتقدات بائسة وعادات لا تصلح لهذا الزمان. هناك جهل في أمّة العرب ضارب وتخلّف قائم. في المساجد، يقول الأئمّة في الناس كلاما سقطا، ضحلا. فيه وعد ووعيد وجهل وبغضاء...
أنا أشاطر العفيف الأخضر في ما كتبه. مأساة المسلمين في مساجدهم وقد غدت مساجدهم معاول هدم لكلّ عزم ولكلّ تحريك للسواكن. أصبحت المساجد فضاء لنشر البؤس والتعصّب. لترسيخ الجهل والقعود في أمّة محمّد...
  

غالبا أنا لا أصلّي. في الحقيقة لا أرى في الصلاة صلاحا ولا نفعا. لمّا كنت صبيّا، كنت أصلّي وأصوم الشهر. في يدي دوما مسبحة. كلّ يوم جمعة، أمشي إلى مسجد القرية وفيه أستمع إلى خطب الإمام وكلّي انتباه وحرص. أيّامها، كنت بالدين مولعا. كنت أتّبع تعاليم الإسلام كلّها...
انتهى ذاك الزمن. منذ سنين، تخلّيت عن الكثير من فكري ومن معتقدي. منذ عقود، اعتنقت نظرا آخر، مختلفا. أصبحت أرى الدين حجرا معرقلا والأئمّة ورجال الدين ديناصورات تجاوزها الزمن. خطبهم باليّة. كلامهم صراخ ووعظهم ضحل. مناهجهم في الإرشاد معوجّة، رثّة...
أحيانا لأعلم ما يجري في المساجد، أمشي لأصلّي. يوم أقرّ العزم، أتهيّأ. أتطهّر. ألبس جبّتي السوقيّة. أتعطّر بعطر بخس. آخذ معي سجّادي وحذاء قديما، خوفا وتحسّبا. في المسجد، آخذ مكانا قبالة المنبر. أتكئ على عمود وسط القاعة. ثمّ أنطلق، كالناس من حولي، أتمتم. أحرّك شفتيّ. بسرعة. أحيانا أقول الشهادتين. أحيانا أطلب رحمة لأمّي ولمن مات من أهلي وصحبي. أحيانا لا أدري فحوي تمائمي وماذا أقول سرّا. أحيانا أنظر في وجوه الناس وقد جاءت وجوههم من كلّ شكل ولون. الكلّ من حولي أراه يتمتم، يستغفر ربّه وفي وجهه بياض وكلح.
ها هو المؤذّن إلى الصلاة يدعو. ها أنا أنهض واقفا، مستعدّا. آتي مع الناسّ الصلاة وكلّيّ خشوع. مع القيام والقعود، يشدّني ألم في المفاصل. في الركوع وفي السجود عذاب. أنا طويل القامة، ضخم الجسم، غير متعوّد على القيام والقعود مرّات عدّة. تؤلمني صلوات يوم الجمعة. ها أنا أترقّب نهاية الصلاة ويوم الجمعة.

هناك أيضا رائحة الأقدام. في أرجل الكثير من المصلّين وسخ لاصق. في أظافرهم قذارة ماسكة. في السجّاد الأخضر المفروش رائحة لا تطاق. نتنة. أمّا رائحة الصنان وقد تلاصق الناس والتحموا كالبنيان المرصوص فقل ما شئت فأنت صادق في القول...
ما أن أنتهي من صلاة، أحيّي الناس من حولي وأغادر المسجد أجري. ها أنا أحثّ الخطى. أعود إلى بيتي غير فرح، غير منشرح. في الطريق، أسأل نفسي عمّا جاء في خطبة الإمام من مدلول ومغزى. أسأل نفسي عمّا حصل لي من فائدة ونفع بعد الصلاة الجمعة...
لا شيء جاء في خطبة الإمام. أتى الإمام نفخا في الريح. أعاد كلاما هزيلا، ضحلا. كالعادة، قال الإمام فوق المنبر كلاما قديما لا روح فيه ولا طعم. كلّه ترهيب ووعيد. كلّه مديح لرسول الله وتمجيد لديننا الحنيف. كلّه سبّ وشتم لليهود وللكفّار ولأعداء الإسلام كلّهم...
ألا يعلم الإمام أنّ كلامه فارغ، ضحل؟ ألا يرى أنّه بالترهيب وبالنار الجحيم سوف يزيد في اضطراب الناس ويضاعف ما يسكنهم من وجس وخوف؟ ثمّ ما النفع من أن يعيد الإمام كلّ مرّة أنّ أفضل الأديان دين محمّد وأنّ خير أمّة هيّ أمّة العرب وأنّ عذاب القبر شديد وأنّ الساعة حقّ؟ كلّ هذا قاله مرارا من قبل. كلّ هذا يعلمه الناس منذ قديم الزمن. ثم لماذا يصرخ الإمام في الناس دائما وأبدا؟ لماذا هو في عبس وغضب؟

أنا أسأل لماذا أصبحت المساجد عندنا في سوء وسقط. لماذا غدت خطب الأئمّة رتيبة، طبولا خاويّة، قوالب جاهزة؟ لماذا يبلوك رجال الدين في كلّ يوم نفس المضامين في نفس التشنّج. لماذا يرضى المصلّون بمثل هذا القول الرثّ وقد سمعوه ألف مرّة؟ ما الذي يدفع بالناس إلى المساجد كلّ يوم جمعة وخطب الأئمّة تهريج ورياح خاويّة؟ كان المرحوم محمّد الطالبي المؤرّخ والأستاذ الجامعيّ والمؤمن يمتنع عن سماع خطب الإمام يوم الجمعة. كان يمشي إلى الجامع فقط لأداء الصلاة مع الجماعة ولا يدخل المسجد إلا حين ينزل الإمام من فوق المنبر...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا