منبـر: وداعا .. شاعرنا الكبير نورالدين صمّود مسيرة مشرّفة وعطاء غزير

غيّب الموت يوم الثلاثاء 11 جانفي 2022 شاعرنا الكبير الدكتور نور الدين صمّود. ويشاء القدر أن يكون ميلاده في التاريخ ذاته (11 جانفي) من عام 1932 بمدينة قليبية.

ومن حسن حظّي أن ربطتني بالفقيد العزيز صداقة متينة، لاسيّما عند إشرافي في مناسبتين على حظوظ الإذاعة التونسية، أولاهما في أواخر الثمانينات، والثانية من مطلع التسعينات وحتى عام 2001.
وتعود معرفتي بالراحل المبرور إلى أواسط الستينات، من خلال متابعتي لما كان يُنشر له في الصحف التونسية من إنتاج شعري أو حوارات بجريدتيْ الصباح والعمل، وكنت أطالع قصائده بشغف، وأقبل على قراءة ديوانه الأول «رحلة في العبير» الذي مثّل صدوره خلال عام 1969 حدثا أدبيَّا مهمّا في ذلك الوقت. ثمّ كتابه المرجع (العروض المختصر). وتوالت فيما بعد مؤلّفاته القيّمة التي أثرت المكتبة الثقافية والأدبية، التونسية والعربية على حدّ سواء.
وسأخصّص هذا المقال للحديث عن علاقة نورالدين صمّود بالإذاعة، على أساس مراحل رئيسيّة ثلاث في حياته الزاخرة بالعطاء الجيّد.
المرحلة الأولى : التلميذ والطّالب الشاب المراسل للإذاعة
المرحلة الثانية : الأستاذ العائد من المشرق (مصر ولبنان)، والمشارك في بعض البرامج الإذاعية.
المرحلة الثالثة : المنتج لأرقى وأفضل البرامج التي عرفتها الإذاعة الوطنية في مسيرتها الإعلامية.
1) ففي مطلع الخمسينات، كان الشاب يزاول دراسته في الزيتونة بتونس، وقد لفتت انتباهه حصّة إذاعية بعنوان : «معاني الأغاني» يعدّها ويقدّمها محي الدين مراد (وهو في الأصل ممثّل ومترجم في السفارة الفرنسية بتونس).
وكان التلميذ يرسل محاولاته الشعرية إلى هذا البرنامج، ويتولّى صاحبه قراءتها من ضمن إنتاجات الناشئين والتعليق عليها. ويشاركه في ذلك بالتناوب الأديب امحمّد المرزوقي والشاعر محمود بورقيبة.
باكورة المحاولات الشعرية
والطريف أنّ أول قصيد للشاعر أرسله إلى البرنامج قرأه مُعدّه باسم الشاعر نورالدين حمّود، وتمادى في خطإه في الحلقات الموالية، إلى أن بادر المُرسل إلى تصحيح لقبه، وكتبه له باللاتينية «صمّود».
وحدث أن توجّه نورالدين بنفسه في عام 1952 إلى الإذاعة التي كان مقرّها في ساحة الإسرائيليين : ساحة العُملة اليوم.
وحضر تسجيل الحصّة في الأستوديو من وراء البلّور، ولمّا استعدّ محي الدين مراد لقراءة قصيد الزائر، همس إليه أحد أصدقائه وأخبره بأنه المعني موجود في الأستوديو. فأوقف التسجيل ودعاه إلى قراءة قصيده بصوته.
ويومها كان القصيد بعنوان : «خريف» يقول فيه :
وسرى البرد قارسًا في ضلوعي
حين عرّت هذي الرياح الغصونا
منبئًا حان للخريف قُدُومُ
وصادف أن كان الأديب امحمّد المرزوقي حاضرًا في الحصّة يُدلي بآرائه في الإنتاجات الشعرية المعروضة.
وجدّت عند قراءة القصيد حادثة طريفة : إذ يوجد بيت يصوّر فيه الشاعر أوراق الخريف والريح قائلا : والجوّ يبعث الشجو والشجى والشجونا.
فإذا بامحمّد المرزوقي يعلّق على ذلك : بأنّ هناك ثقلا في هذه الكلمات.
ولم يشأ الفتى الدخول معه في نقاش، وآثر من الغد توجيه رسالة إلى البرنامج يبيّن فيها أنه أراد أن يُقدّم صورة شعرية في خشخشة الأوراق حين تمرّ بها رياح الخريف، مستشهدًا بأبيات الأعشى في وصف صوت اللحم عندما يُشوى على النار :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني
شاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
فكأنّ الأعشى يصف بهذا البيت نشيش اللحم عندما يُشوى. ولاحظ ناظم القصيد إثر استماعه للحصة أنّ مُعِدّها قام بحذف تعليق امحمّد المرزوقي بالكامل. (في لغة الإذاعيين الصنصرة).
صمّود، طالبا في جامعة القاهرة ثم الجامعة اللبنانية.
هذا وحين سافر نورالدين في عام 1955 إلى العاصمة المصرية لمواصلة الدراسة العليا بجامعتها، لم يقطع صلته بالبرنامج، بل ظلّ وفيّا له، يراسله كالعادة. وكان والده المرحوم الحاج محمود صمّود يستمع إلى إنتاجات ابنه ويتباهى بها، فيبلغه في رسائله أنه يتابعها باهتمام شديد.
ومن باب التذكير فإنّ محي الدين مراد الذي أخذ بيد الشاب وفسح له المجال لتقديم محاولاته الشعرية الأولى، فقَد صوته في آخر حياته، إذ كان يسمع ولا يقدر على الكلام، وصادف ذات مرّ ة أنّ التقى بنورالدين وسط العاصمة، فخاطبه بالكتابة أنّ لديه كثيرا من الرسائل التي كان يبعث بها إلى البرنامج، وأنه يودّ أن يُرجعها إليه، ولكنّ المنيّة حالت دون ذلك.
ويرجو شاعِرُنا أن يتمكّن من الحصول على رسائله من ورثة الراحل، إنْ كانت ما زالت متوفّرة.
2) الأستاذ العائد من المشرق
سجّلت عودة نورالدين صمّود إلى تونس في صائفة 1959 مجازًا في الآداب العربية والتاريخ.
(حيث قضّى ثلاث سنوات في القاهرة، ثمّ ولظروف سياسية تأزّمت فيها العلاقات بين مصر وتونس، اضطرّ صحبة العديد من أقرانه إلى الالتحاق بالجامعة اللبنانية لاستكمال الدراسة، وقد تُوّجت بنيل شهادتين في عام واحد، منها شهادة إجبارية، في تاريخ أوروبا في القرون الوسطى). وللعلم فإنه باشر التدريس في المعاهد الثانوية بكلّ من بنزرت ورادس والليسي كارنو والكاف ونابل وقرطاج ونهج مرسيليا، تخلّلها عام واحد في ليبيا.
واقترنت عودته إلى أرض الوطن ببدء التعامل الفعلي مع الإذاعة التونسية، من خلال مشاركاته في عديد البرامج الأدبية والثقافية.
ويمكن القول إنّ أُولى هذه المشاركات كانت في البرنامج الأسبوعي «آخر ما نظمت» للإذاعي الرّاحل عبد المجيد بن جدّو. وهو يهتمّ، بعرض الإنتاجات الشعرية الواردة، ويحضره شعراء يتولّون تقييمها.
وسرعان ما تأكّد حضور الأستاذ نورالدين بانتظام في هذه الحصّة.
أمّا ثاني البرامج التي شارك فيها فهو «زيارة خاطفة»، إعداد وتقديم صديقه عبد المجيد بن جدّو الذي كان موظّفا قارّا بالإذاعة وأشرف على المصلحة الأدبية بها.
يُذكر في هذا الخصوص، أنّ البرنامج استضاف الشاعر العربي السوري نزار قبّاني عند زيارته إلى تونس في عام 1963. وخصّص له ثلاث حلقات ما زالت محفوظة إلى اليوم في خزينة الإذاعة.
وشارك في الحوار إلى جانب صاحب البرنامج ونورالدين صمّود، كلّ من جعفر ماجد وعبد العزيز قاسم وزبيدة بشير.
وكانت لشاعرنا في الأثناء استضافات متكرّرة في برنامج (سمّار الليالي) الذي يقدّمه الزميل الراحل بوراوي بن عبد العزيز.
3) رحلة صمّود الإذاعية :
أبرز مميّزات هذه المرحلة، أنّ الشاعر تخطّى فيها مستوى المشاركات العرضية في البرامج الإذاعية ليستأثر بإنتاج أول برنامج اختار له عنوان «لحظات باسمة» ودام لعدّة سنوات.
وهو مراوحة بين نوادر وفكاهات أدبية، فيها الشعر والمُلَح المستقاة من العصور العربية، وتعريف مختصر بالكتب التي اهتمّت بهذه المواضيع.
ثمّ أنتج فيما بعد برنامجا آخر بإحدى الشبكات الصيفية، دُعِيَ إلى تقديمه مع صوت نسائي متعاون، بمناسبة خروج المذيع في عطلته السنوية.
وخلال عقد السبعينات، وزمن إدارة الشاعر المرحوم أحمد اللّغماني للإذاعة التونسية، قدّم صمّود برنامج «أدباء الباكالوريا».
وأنتج عدّة حصص في إطار ما كان يسمّى بالإذاعة الموجّهة التي اقتصر بثّها نحو الخارج، من خلال برمجة ذات نوعية مخصوصة تُعرّف بتونس وبموروثها الثقافي والحضاري.
وعلى العموم فإنّ إنتاج نورالدين صمّود الإذاعي يدخل ضمن الأصناف الأدبية والثقافية، وقد غطّى كلّ الشبكّات البرامجية بدون استثناء : شبكات الخريف والشتاء، الربيع، الصيف وشبكة موسم رمضان.
وبالعودة إلى وثائقي الشخصية التي ما زلت أحتفظ بها في مكتبتي من حسن الحظّ، وكذلك مراجعة المسؤولين في الإذاعة لمزيد التثبّت والتدقيق، أمكن لي استخراج عناوين الحصص الإذاعية التي أعدّها الشاعر الكبير، فوجدت أنّ أغلبها تمّ إنجازه أثناء الفترتين اللتين تحمّلت فيهما مسؤولية إدارة الإذاعة التونسية.
ففي عام 1988، وإثر مغادرتي القسريّة كمدير للأخبار ورئيس تحرير شريط الأنباء بمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، والتحاقي مديرا للبرامج بالإذاعة، اقترحت على الصديق العزيز حصّة : مواقف أدبية.
وفي السنة الموالية : شعر وموسيقى.
ثمّ توالت برامجه بدون انقطاع، فكان يتفنّن في اختيار عناوين جذّابة لها، ويبتعد عن الاجترار الذي يسقط فيه الكثيرون للأسف.
- على عتبات الضياء (1992)
- جواهر ولطائف (1993)
الشئ بالشئ يذكر (1994)
• وفي عام 1995 تطالعنا عناوين هذه البرامج :
- الممتع المفيد
- من أعلام الفكاهة
- مالذّ وطاب
- مبتكرات مبكّرة
• وخلال عام 1996 أنتج الأستاذ نورالدين صمّود :
- دواعي الضحك
- أمّهات الكتب
- راحة الوجدان
- مآدب الكلام على موائد الطعام
• وفي عام 1997
- أزهار المعاني
- معارضات الجدّ بالهزل.
- روائع الكَلِم وبدائع الحِكَم 1998
- الشعر إنْ حكى عام 2000
- سباحة على أمواج الأثير 2001
وكان يتداول على تقديم هذه الحصص المذيعون والمذيعات القارّون : أمثال عادل يوسف، ونجوى إكرام ومفيدة زهاق، وفضيلة عمراوي، وسمير عاشور ومعزّ الغربي وأصوات شابّة أخرى...
ثمّ التقى الأستاذ نورالدين صمّود بالإذاعي الراحل بوراوي ين عبد العزيز (وكانت بينهما صداقة متينة)، في برنامج حواري هو «معنى ومغنى» تواصل بثّه في السهرة إلى حدود عام 2010. والبرنامج يأخذ معنى من المعاني النبيلة أو إحدى القيم، مثل الحب، المروءة، الكرم، الصدق، الشهامة، ويتولّى تحليل هذه المعاني وعرض ما قيل فيها من أشعار وأمثال ونوادر. ويُوشّى المضمون بالأغاني التي تتلاءم مع تلك الموضوعات.
الرجل كما يبدو لنا من خلال هذه الأعمال الإذاعية المتعدّدة والمتنوّعة ذو ثقافة موسوعية ويمتلك خبرة فائقة في صناعة الشعر الجيّد، ومعرفة عميقة بالشعر العربي وأعلامه القدامى والمحدثين، وبالأدب التونسي والعربي والعالمي وروافده، وهو إلى ذلك يكتسب قدرة عجيبة على الكتابة الرفيعة في مختلف صنوف الإبداع.
أذكر أني رجوته خلال عام 1995 أن يُعدّ لنا برنامجا بمناسبة عيد الحبّ الذي يصادف يوم 14 فيفري، تشارك به الإذاعة التونسية في مسابقات المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون الذي ينظّمه اتحاد إذاعات الدول العربية، فكان أن استجاب لطلبنا بكلّ سعادة، وشرّف إذاعتنا بحصولها على الجائزة الأولى عن أحسن برنامج أدبي إذاعي في هذه التظاهرة العربية الكبرى.
صمّود : شاعرًا غنائيا
ولا يستقيم الحديث عن مسيرة الراحل الإذاعية، دون أن نتوقّف عند تخصّصه في الشعر الغنائي وتمرّسه فيه. فالمدوّنة الموسيقية للإذاعة التونسية تحفل بروائع الأغاني التي ألّفها، وشدا بها كبار الفنّانين والفنّانات.
- ومن منّا لا يردّد إلى اليوم أغنية «حبيبتي زنجية» لمطرب الخضراء على الرياحي.
وللشاعر باقة من الأشعار نظمها خصّيصا للأطفال وقدّمتها الكورال،
وألّف الراحل عدّة موشّحات :
أيّها الشادي الذي غنّى كما كان أهل الفنّ في الأندلس
إنّ روحي تتشّـى نغـما كرحيـق في ثغور الأكْأسِ
وهو معارضة لموشّح ابن سهل الإشبيلي، وموشّح لسان الدين ابن الخطيب
وله موشّح بعنوان:
- النور والديجور
- الليل أرخى فوق هذي البطاح .. ألْفَيْ جناح
- نامت الأجفان بعد الرّواح..
وهو معارضة لموشّح لسان الدين ابن الخطيب.
وما دمت في معرض الحديث عن هذا الموضوع ، لابدّ أن أعرّج على الإسهامات القيّمة للدكتور نورالدين في إطار اللجنة الفنية التي أحدثناها صلب إدارة الإذاعة التونسية والتي أوكلت إليها مهمّة النظر في مشاريع الأغاني التي ترد على مصلحة الموسيقى، فيتولّى أعضاؤها عملية التقييم والغربلة، سواء في مستوى النصوص أو الألحان.
اللجنة تضمّ كبار الشعراء والفنانين المتميّزين الموجودين في الساحة الفنية التونسية.
ويتجدّد أعضاؤها كلّ سنة، باستثناء نورالدين صمّود الذي كان ثابتا ومقرّرًا للجنة.
• لمسة وفاء منّي إليه
وفي الأخير، ماذا عساني أن أقول عن الأستاذ الراحل نورالدين صمّود وقد فارقنا إلى دار الخلد : إنّه مثقّف أصيل وشاعر مبدع وجامعيّ قدير، يحظى بمكانة مرموقة في المشهد الثقافي والأدبي التونسي والعربي، أدرك أهمّية الدور الذي تضطلع به الإذاعة كوسيلة إعلامية جماهيرية، فانخرط بكلّ ولع وحماسة في العمل الإذاعي، وأسهم فيه على مدى عقود إسهامًا مُبهرًا. واتّصف إنتاجه بالغزارة، لكنّها غزارة من نوع خاصّ، بعيدة عن الهذيان واللغو. وهو أيضا إنتاج موسوم بالدقّة في التناول، وطرافة المواضيع التي يقترحها، ممّا جعل مختلف حصصه الإذاعية مَعينًا لا ينضب من المعلومات المفيدة والأشعار العذبة، التي تنمّي الزاد المعرفي للمستمعين وتقدّم لهم الإضافة.
رحم الله نورالدين صمّود رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنّاته. وإنا لله وإنا إليه راجعون

بقلم .أ: محمد رؤوف يعيش
الخبير الإعلامي لدى اتحاد إذاعات الدول العربية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا