خواطر من أجل أن يكون التعليم رحلة ممتعة (الجزء الثاني)

«كنا ندرس بكراس واحد وكتاب واحد وكان مستوانا افضل بكثير من اليوم»
هي جملة كثيرا ما تتردد على السنة من درسوا في فترة الاستعمار الفرنسي وأوائل

الاستقلال وتبدو لنا لأول وهلة ان فيها «مبالغة» كبيرة ولكن المتمعن الجيد سيجد انها تحمل حقيقة مفادها «ان عدد المواد انذاك وبالتالي ساعات الدراسة كان اقل من اليوم ولكن كان هناك معطى نفتقد اليه اليوم ويتمثل في ان التلميذ انذاك كان يقرا الكتب وهذه المطالعة هي في الحقيقة التي خلقت الفرق الشاسع ليس فقط من ناحية التمكن من اللغات ولكن ايضا من ناحية سعة الاطلاع على امور كثيرة كانت بمثابة الامتداد لما وقع تدريسه في القسم وهذا اعطى الانطباع بان تعليم الامس هو أفضل من اليوم».
عندما اتذكر كم الكتب التي تركها والدي وعمقها ( رغم انه لم يتم تعليمه الثانوي ) وأقارن بتلميذ اليوم فاني لا أتعجب من النتائج وأقول إن الفرق بين تعليم الامس واليوم يكمن في نجاح الاول في بث محبة القراءة (المطالعة الحرة ) وفشل الثاني الذريع في ذلك .
ان اصلاحا تربويا عميقا يجب حسب رأيي أن لا يغفل عن ربط علاقة متينة مع ما سأسميه «القراءة الممتعة « التي ستكون امتدادا لما وقع تدريسه بالمناهج الرسمية وأيضا مدخلا من اجل الاطلاع على وجوه كثيرة من الحياة.
ومن باب هذه الفكرة البسيطة اقترحت في الجزء الأول من «خواطري « أن يقع إدماج كل المواد الادبية المدرسة باللغة العربية في التعليم الاساسي في مادة «الحضارة العربية « وكذلك التخلي عن تلقين قواعد النحو والصرف المملة :
فالاندماج اقرب إلى الحياة الحقيقية من التخصص فالرومان مثلا اختاروا جغرافيا معينة (سهول مرتفعة مطلة على البحر او على أراضي خصبة ) لإقامة مدنهم في ربوع تونس (اندماج التاريخ والجغرافيا ) كما أن سورة يوسف من القران الكريم مثلا ( أو الكهف ) هي نصوص دينية وأدبية وتاريخية في نفس الوقت.
ان ادماج المواد الادبية في التعليم الاساسي ليست الغاية منه الغاء مادة على حساب أخرى وإنما هي محاولة للتعلم بطريقة مختلفة تتماشى وسن التلميذ وطبيعة مرحلة التعليم الاساسي والتي هي فترة غير متخصصة وهدفها الاول اتقان اللغة.
هناك نقطة ضعف جوهرية اخرى افي تعليمنا وتتمثل في اننا نريد وفي كل مادة ان نقدم اقصى ما يمكن من المعلومات والمعطيات ظنا منا انه بهذه الطريقة يصبح التلميذ «اكثر علما» و هناك فكرة اخطر وهي اننا بهذه الطريقة نمرر انطباعا خطيرا للتلميذ ان للعلم «حدودا» كلما اقتربنا منها نكون اقرب الى حالة من «الكمال»العلمي وهذه الفلسفة نطبقها مع كل المواد تقريبا من التاريخ الى الرياضيات مرورا بعلوم الحياة والأرض.
وهنا أتذكر استأذنا صالح الحرشاني الذي درسنا علم الجبر بكلية العلوم بتونس عندما قص علينا مستاء قصة ابنته التي طلبوا منها في المدرسة اسماء ثمانية أمراض تصيب الدجاج ( وهي مازالت في الابتدائي) انتقد استأذنا يومها بشدة نظامنا التربوي وقال لنا «انا نفسي لا اعرف إلا واحدا أو اثنين من أمراض الدجاج « و أكد أن احد اكبر عيوب تعليمنا العمومي انه يطلب الكثير من تلميذ صغير السن وان المناهج المتبعة لا تراعي التدرج .
ما ذا تنفع تلميذا صغير السن ( في الإعدادي ) تفاصيل مملة عن الحضارة العباسية او الاموية او الحروب الصليبية بينما يكون غير ملم بالحضارات التي مرت من قريته وتركت اثارا مادية وغير مادية : ان برمجة نصوص مختارة من كتاب «حسين فنطر» عن موقع «كركوان» متبوعة بخرجة مؤطرة واحدة الى الموقع الأثري لفائدة تلامذة المعتمديات المجاورة ستكون وحدها كفيلة بإعطاء أفكار ممتعة عن الحضارة البونية وكيف هي امتزاج سلمي وعفوي بين الحضارة الأصلية (اللوبية ) مع حضارة قادمة من مدينة «صور» اللبنانية .
ان شعور القرب والانتماء سيجعل التلميذ مشدودا الى القصة وسوف تكون مدخلا جيدا الى التعرف على الحضارات الاخرى التى دخلت الى بلادنا .
في مجال العلوم الطبيعية مثلا يطلب من التلاميذ أن يحفظوا عن ظهر قلب لمكونات دقيقة كثيرة لأجزاء من الجسم البشري أو لكائنات حية وكأنه تكوين مختص بينما يجهل التلاميذ كثيرا من اسماء وخاصيات الاشجار والنباتات المعروفة والنادرة والمتوطنة والثديات والظواهر الطبيعية في الوسط الطبيعي المحيط به.
تصوروا مثلا ان تلاميذ اعدادية درسوا ان الجبل القريب يحوي نبتة متوطنة اسمها « قرنفل الصخور» يعني انها لا تنبت على الكرة الأرضية إلا ببلدتهم ثم قاموا بـ«خرجة» للبحث عنها : تصوروا حجم المتعة التي تنتج عن عملية البحث والالتقاء مع كائن نادر بالنسبة لطفل صغير .
كما لا تدرس ظاهرة هجرة الطيور بينما هي ظاهرة محلية وعالمية في نفس الوقت وتدخلنا الى عالم الطيور المدهش التي يمكن ان تشد التلميذ لقربها منه .
اتذكر قبل سنوات ان طالبا جاء إلى الهوارية لإتمام بحث دكتوراه عن احد الصقور القارة بجبل الهوارية وصادف انه أتى في اوج فترة مرور كثير من الطيور المهاجرة (فصل الربيع ) : لقد اكتشفت ان طالب الدكتوراه لا يعرف اي نوع من هذه الجوارح الكبيرة رغم انه «مختص « وهذا مثال واضح من امثلة القطيعة بين التعليم والوسط الطبيعي من ناحية و التعليم وحب الاطلاع من جهة ثانية .
ولذلك فان اصلاح التعليم يجب ان يستند على فلسفة اعطاء القليل والممتع من اجل تحفيز الشوق الى معرفة المزيد وذلك عبر اقامة علاقة القرب من الطبيعة من جهة وحب القراءة من ناحية اخرى .
انها مسالة حساسة وتتطلب ايمانا بالفكرة اولا ثم اقامة ورشات تفكير صلب وزارة التربية لا تقتصر فيها على اراء السادة المتفقدين او ان يفتح المجال واسعا لاستشارة واسعة يشارك فيها حتى الاولياء الذين اثبتت التجربة ان كثيرا منهم يريدون من المدرسة ان تكون «مجرد حضانة « يأوي إليها أطفالهم عندما يكونون في مقرات عملهم وإنما تفتح المجال أساسا لما سأسميهم بـ «المفكرون المستقلون» الذين تكون غايتهم الوحيدة هي «المصلحة الفضلى للتلميذ».
ان هذه الغاية الكبرى تتطلب «إزاحة « أطراف وأهمها الأولياء والأغراض السياسية التي لديها اولويات اخرى لا تتفق دائما مع فلسفة «القليل والممتع الذي يفتح باب الشوق إلى المعرفة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا