منبــــر: الفرنكوفونية والفرنكوفولية...

هناك من يقول أنّ حالة التقهقر التي تعيشها اللغة الفرنسية منذ عقدين على الأقلّ تعود بالأساس إلى أنّها تتمتّع بحماية رسمية مبالغ فيها و لاسيما من قصر الإليزيه،

و الدولة الفرنسية تضخُّ فيها جرعات من الأوكسجين لإحيائها وإنعاشها خلافا للغات شعوب العالم. فاللغة القويّة هي التي تنضجُ و تزدهر و تُشعُّ بصفة عفوية ويكون ذلك نتيجة منطقية لتفوّقها الاتّصالي والعلمي والتكنولوجي وليست باللغة الخاضعة و المقيّدة بالسياسات والبروتوكولات و القِمم والندوات. فكُلّما كان تأثير اللغة الفرنسية على نحو عمودي كانت نسبة هيمنتها أكثر و أفولها أسرع، لذلك ما فتئت تجد حظوتها و مجدها الزائف في الدول الإفريقية المُستعمرة وعلى رأسها دول المغرب العربي. وما انعقاد قمّة الفرنكوفونية في تونس في شهر نوفمبر القادم إلاّ ترسيخ لمبدإ أنا أكثر مَلكية من المَلك نفسه -إذا لم نقل كلاما آخر- أو هي ضحيّة للرسميات الفجّة و المراسم الدولية الخانقة.
عرق الفرنكوفونية البارد...

حين يُصرّح الفرنسيون في إحدى الاستفتاءات أنّهم في حالة انحدار وأفولNous sommes en déclin وإنّ عليهم أن يحموا اللغة الفرنسية، فهذا ليس بالغريب من لغة تصنيفها التاسع عالميا. فاللغة الفرنسية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي ليست باللغة الفرنسية في القرن الواحد والعشرين، لما تشهده اللغات ولا سيّما اللغة الانجليزية من اطّراد ونموّ، وهذا يُعزى في جله إلى الطفرة التكنولوجية والثورة الاتّصالية التي نعيشها والتي ساهمت إسهاما معتبرا في إشعاعها و ازدهارها. مواكبة تطوّر حركة التاريخ تُحتّم على تونس التحرّر من قبضة اللغة الفرنسية كما هو الحال في عدّة دول افريقية من قبيل رواندا ومن حسن الحظّ فإن الجزائر على الطريق.

نحن هنا لا نُعارض تعلّم وتدريس اللغة الفرنسية بقدر ما نعارض تغوّلها الأجوف، ففئة لا بأس بها من الفرنسيين هربوا من اللغة الفرنسية لتجد في اللغة الانجليزية الملجأ و الملاذ حيث أصبح أغلب العلماء والكتاب في فرنسا يكتبون مقالاتهم وبحوثهم باللغة الانجليزية و ينشرونها في بريطانيا والولايات المتحدة لأنّ الانجليزية هي اللغة التواصلية والمنتجة الأولى في العالم. الانجليزية الآن هي لغة العلم والعقل والتكنولوجيا والإعلام، هذا لا يريد أن تستوعبه النخبة المثقفة المسلوخة في تونس. لذلك يدافع عن الفرنسية بشراسة غير الفرنسيين وكأنّه مُناط بعهدتهم مُهمّة الحماية والترويج و التأثير.

رغم أنّ اسمه يوحي بأنّ كلّ شيء جيّد وعلى ما يرام لم تنجح طويلا دعوة وزيرالثقافة الفرنسي Toubon في التسعينات إلى التشبّث باللغة الفرنسية وحمايتها والدفاع عنها، ربّما إنّ الفرنسية لم تحم نفسها بنفسها حتى تنتظر من يحميها من قبل الناطقين بها، فحالة اللغة الفرنسية في هذه العشرية ليست بالجيّدة نظرا إلى أنّ اللغة ليست كيانا مستقلّا بقدر ماهي قوّة نفّاثة مُتحرّكة جزء كبير منها تلقائي يأتي من طبيعة النموّ والبيئة و جزء آخر نتابعه و نطوّعه و نُبرمجه ثمّ نتحكم به . بالتّالي أن تكون فرنكوفونيا هو أن تكون ناطقا لللغة والمخَاطب لا يسمعك أو يريد أن يُجاملك بالسماع. قمّة الفرنكوفونية التي لبّى دعوتها الرئيس قيس سعيد لا يجب أن تكون من باب المجاملة وإنّما من باب اللغة كقوّة والقوّة للأقوى معرفيا واقتصاديا واتّصاليا و ليس الأقوى من المنظور التاريخي الاستعماري. كن انجلوفونيا...حتى أراك... !!

الفرنكوفولية المُتدحرِجة...
يتحدّث الكاتب التونسي المختصّ في العلوم السياسية و رئيس المركز العربي للأبحاث و النشر بجنيف رياض الصيداوي عن الفرنكوفولية بدل الفرنكوفونية، في نبرة تهكميّة ساخرة عن الهوس حتى الجنون باللغة الفرنسية خاصّة في دول المغرب العربي والدول الإفريقية. فالفرنكوفولية La Francofolie جاءت كانحراف للغة وتمييعا لها، فإذا أردت أن تكون مثقّفا تحدّث الانجليزية بدل الفرنسية، لتكن قراءاتك بالانجليزية، حيث أنّ 80 ٪ ممّا يُكتب حول العالم يُدوّن باللغة الانجليزية. فاللغة لم تُخلق للميز الطبقي والاجتماعي، أنت تتكلّم اللغة الفرنسية فهذا لا يعني أنّك أفضل منّي أو أعلى منّي شأنا، وهذا للأسف ما يحصل في مجتمعات المغرب العربي ووسائل إعلامها التي خلُصت إلى خطاب هستيري هجين مُعلّق بين ذؤابتين.
إن كنّا نتحدث عن الفرنكوفونية و الفرنكوفولية بشيء من النقد و الانتقاد في سبيل التحرّر و الانعتاق نحو ظواهر لغوية أخرى حتى لا يتهموننا بأنّنا خارج السرب العلمي و الحضاري، إذ أنّنا في المقابل لا ندعو إلى الفرنكوفوبيا La Francophobie أو رُهاب الفرنسية بل بالعكس ضرورة تعلّم اللغات و الألسن على اختلافها و تنوّعها لكن إذا وصل الأمر أن تكون لغة التدريس والبحوث و الإدارة و الديبلوماسية و التواصل باللغة المُصنّفة التاسعة عالميا فإنّ ذلك يُنذر بالخطر ووجب التحرّك بكلّ الوسائل الفكرية والماديّة المُتاحة.

هناك منحى سلوكيا مُهماّ و هو أنّنا لا يجب أن نتعامل مع اللغة بكوننا عاشقين لها أو عازفين لها أي من منطلق الفصّ الأيمن من الدماغ و ما يحمله من انفعالات و عواطف و لكن يجب التعامل مع اللغة من منطلق براغماتي صرف. البراغماتية اللغوية هي كلّ ما من شأنه أن يقفز بنا بعيدا نحو أجنحة الممارسة التكنولوجية و التطبيقات البرمجية، هي كلّ ما من شأنه أن يجعلنا نفكّر بالعقل الدُولي العابر للحدود و القارّات و ليس المحلّي و الإقليمي أو حتى العقل الدُولي المُتناثر. البراغماتية في التعامل مع اللغة هي كلّ ما يُضيف لنا بصفة إرادية واعية و حُرّة و مسؤولة وليس كل ما ينضاف إلينا بصفة مُسقطة مُستعبدة وغير مسؤولة باسم القِمم العالية التي تُطلّ على حضيض العالم و أبواب الصالونات التي تُفتح من الداخل فقط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا