مرة أخرى : الائتلاف الاجتماعي ، أو الحرث في البحر

بقلم: حمادي بن جاءبالله
ما من عاقل يمكن أن يكل أمر الوطن الى أي شخص، مهما علت مكانته وصفت نواياه ،وسلمت سيرته ، ذلك أنّ أيّ إجراء من هذا القبيل

مؤذن باستبداد من صنف أبوي لا يقلّ خطرا ولا بؤسا عن الاستبداد الديني الذي خبرنا بعض وجوهه خلال العشرية الماضية .والقاسم المشترك بينهما، الاعتقاد المتخفي ،سواء برداء التقوى الدينية، أو الاستقامة الخلقية، إذ يلتقيان موضوعيا عند موضع الحرص الظاهر على الديمقراطية، أن الشعب غير قادر على حكم نفسه بنفسه ،وبالتالي وجب –من هذا المنطلق - أن يوكل أمره إلى «الحاكمية الإلهية» القادرة وحدها على تحديد مافيه خير البشر، أو إلى أب رحيم أمين ،يعرف ما يصلح بابنائه أفضل منهم .وفي كلتا الحالتين يقوم نظام الحكم –وان بصيغ متباينة ووعود مختلفة –على مبدأ قصور الشعب الذي يوجب ولاية «راشدة».وبين اتهام الشعوب بالقصور وادعاء رشد الحاكمين ،خلفاء كانوا أو آباء ،تذهل الامة عن زحف الاستبداد منقبا و متحجبا، ويضيع مستقبلها في كوابيس التساؤل عن حقيقة ما يراد لها .

لذلك كان من البديهي أن ترفض تونس اليوم تفويض أمرها الى أي كان ،بل يقتضي الواجب من اليقظة أقصاها ومن الحزم أشده حتى لاتتيه بنا السبل فينقلب المجرم إلى ضحية .فلئن كانت بادرة 25 جويلية2021 بادرة تاريخية اتخذها رئيس الدولة في سياق ما قامت به تنظيمات المجتمع المدني عامة وبعض الاحزاب الوطنية هوية وهوى ، داخل البرلمان وخارجه، من عمل جدي طويل النفس ،لبيان ما يتعرض له الوطن منذ 2011 من نهب وفساد وما تلقاه الدولة الوطنية من هدم وتفتتيت، وما يزحف على مدرسة الجمهورية خاصة وروح الثقافة التونسية عامة من ظلمات فضلا عما تقاسيه صحة التونسي من اهمال ، ومعيشه اليومي من مصاعب لا طاقة له بمواصة تحمل أعبائها،فان الفطنة السياسية تقضي بالمرور مباشرة إلى:

1 - محاسبة الضالعين في الفساد بجميع أشكالة ،خاصة الأمني منه والتربوي والاقتصادي في إطار من الشفافية، فلا ظلم على أحد، ولا تهاون في حق الشعب ،بدأ بمن تبين لمحكمة المحاسبات أنهم فازوا في الانتخابات التشريعية الاخيرة بالمال الفاسد ،وبمن تحملوا مسؤوليات في الدولة وخانوا الأمانة..ومن شأن إجراء كهذا ان يمحو اثر عشر سنوات من الاجرام دون عقاب ويتيح الفرصة للقضاء التونسي لفرض هيبته و السمو بذاته عن الريب والتهم .

2 - وبصرف النظر عن «الهرج القانونجي» لما قام عليه من خلط بين السياسي والقانوني فلا داعي أن يطلق رئيس الجمهورية رصاصة الرحمة على جثة هامدة فتصبح ضحية، ويكثر نحيب دعاة «الخلافة السادسة» على «الديمقراطية المهدورة». والأقرب إلى الحل السليم – في تقديري المتواضع- أن يسمح رئيس الدولة للبرلمانيين بالرجوع إلى عملهم ،باستثناء من تعلقت بهم قضايا هي من نظر محاكم الحق العالم او المحاكم العسكرية , أو ارتكبوا جريمة في حق الوطن مثل الاستقواء بالأجنبي او السكوت عن الاعتداء داخل البرلمان عن أي برلماني ولا سيما عن السيدتين موسي وعبو. وفي تقديري أن مجرد سكوت «رئيس البرلمان» عن الاعتداء اللفظى والجسدي عليهما جريمة لا تغتفر. والبرلمانيون العائدون يقررون وحدهم –بعد ذلك - ما اذا كان عددهم كاف لتشكيل برلمان مهما كان مصغرا او انه يحسن بهم -برا بالوطن- أن يسارعوا إلى الاعتراف بأن «الحلّ في الحلّ « .وكفى الله الوطنيين شر الخلاف . ويذهب بي الظن أن الكثير منهم سيتداعون الى الاستقالة الجماعية، مساهمة منهم في وضع حد لبرلمان أصبح مهزلة وعارا على تونس .وعندها يمكن لرئيس الدولة ان يشكل الحكومة التي يراها مقتدرة فعلا على إدارة البلاد بعد أن لحقها ضرّ لم تشهده في تاريخها الطويل خاصة منذ قيام دولة الاستقلال .

3 - ولا ريب في أن الإجراءات المقترحة في الفقرتين السالفتين تحمي الديمقراطية سلبا بالجدّ في محاربة الفاسدين ،وهو ما لم نلمس له بعد أثرا ذا بال ، وإيجابا باحترام دستور البلاد على مساويه, لكن على قدر ما تسمح به الثلاثية المقدسة :

أ) واجب الحفاظ على استقلال البلاد، وسيادة الدولة

ب) استمرار مسيرة التونسيين الخلّص نحو الارتقاء بالدولة الوطنية، دولة الاستقلال، الى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية

ج) الاعتراف بحق التونسيين في حياة كريمة اقتصاديا وصحيا وتربويا وعلى قدر مايوجبه، من ناحية معنى ولفظا الفصل 80 الذي لايكتمل معناه الا بالفصل 72 الذي يعتبر «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدتها يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور». وبالتالي فما شيء يمكن ان يعاب على قرارات 25 جويلية الا أنها تأخرت حتى

كدنا نيأس منها ،ثم أنها أبطات كثيرا في انجاز ما وعدت به، ولا سيما تطهير البلاد ومؤسسات الدولة من الفاسدين وفي مقدمتهم «الخوانجية» بجميع طوائفهم وكتائبهم خاصة بعد أن تأكد رفض الشعب لهم نهائيا.
غير أن تلك الأمانات الثقال لايمكن ان يكون رئيس الجمهورية هو المؤتمن الوحيد على تحمل أعبائها .وليس لأي كان أن يسلم له بذلك .والمقترح –مرة أخرى حتى لانحرث في البحر -ان يبني حصنا يقوى به الوطن على محاربة أعدائه هو تحالف اجتماعي يضم القوى الحية في البلاد ، وهي جميعها هيئات منتخبة ديمقراطيا من قبل منظوريها وبالتالي فهي تمثلهم تمثيلا شرعيا وقانونيا لاغبار علية . وفي مقدمة هذه القوى ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ،ونقابات الفلاحين، واحرار الاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري ،والاتحاد الوطني للمرأة التونسية وجمعية النساء الديمقراطيات ’والهيئات الوطنية القائمة ،فنانين ومثقفين وحقوقيين وأطباء وصيادلة ومهندسين وكل من يانس في نفسه القدرة بالالتزام التام بواجبات المرحلة والإعانة على انجازها .وهكذا تسترد تونس تقاليدها النضالية التاريخية ،منهجا سار عليه بورقيبة وحشاد ومن معهما من بنات تونس وابنائها البررة ، سواء زمن الجهاد للتحرر من الاستعمار الخارجي ، آو زمن الجهاد الأكبر لبناء الدولة الوطنية التي نعيش إلى اليوم في حماها، وننعم بانجازاتها وهي كثيرة وان كان مابقي علينا انجازه أكثر واخطر .

و يقيني ان ذلك المنهج ذاته كفيل اليوم بتحرير تونس من الاستعمار الداخلي حتى تستأنف مسيرتها التاريخية المعطلة ، وتصبح اقدر من أي وقت مضى على ضرب المواعيد مع التاريخ الكوني.ولئن كان من المهم أن لا يكبو الجواد، فان الأهم ان ينهض اذا كبا .وقد نهضت تونس من كبوتها، يوم خرج للاحتفال بعيد الجمهورية، والمطالبة-في ذات الوقت –- بجلاء الكوابيس. والأمل معقود على أن اللقاء الأخير في خيمة التونسيين ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، بين أحفاد بورقيبةوأحفاد حشاد ’انطلاقة قوية ملأى بالمواعيد الناجزة.

ويذهب بي الظن إلى أن التمشّي المقترح يقينا –أوّلا- شر الشك في مستقبلنا، وهو شعور استبد اليوم –مع الأسف – بالكثير منا ويبعد عنا الخوف من عواقب التفرد بتدبير الشأن الوطني .وتلك ظاهرة يدعو واجب اليقظة إلى التحوّط فيها باعتبارها –مبدئيا-من قبيل المغامرة المتهورة التي قد تفضي بنا الى عشرية فاسدة ،حتى وان كان حسن ظننا بالسيد الرئيس يحملنا على الاعتقاد المتبصر أننا لن نشهد أسوأ مما شهدنا خلال عشرية الظلمات المنصرمة.وهو يتيح لنا –ثانيا- إحياء الوعي الصحيح بفكرة 'الوحدة الوطنية« ،باعتبارها قيمة أخلاقية ومدنية وسياسية ،نحن اليوم في أمس الحاجة إليها ،لاسيما بعد ما شهدت مؤسسات الدولة من إنهاك متستر ،وتدمير بيّن ، وتشويه جميع إشكال السلطة وتفتيتها حتى لا تقوى على شيئ. وتدعو الحاجة الملحة –في هذا الموضع- إلى احترام عمل الأحزاب الوطنية التي لا مأخد للجهات القضائية عليها ،وخاصة تلك التي لم تشارك لا من بعيد ولا من قريب ،في حكم الترويكا ومن دار في فلكها غباء أو طمعا أو حليفا في الجريمة .ويحسن بهذه الأحزاب أن تكرس جل أنشطتها للتكوين السياسي الأصيل إذ يكون أشبه ما يكون بدروس في التربية المدنية تخصص لترسيخ الوعي بالهوية الوطنية والانتماء الحضاري وخاصة لفضيلة الولاء للوطن وللوطن وحده، بما يفرضه من واجبات وما يهبه من حقوق من أخطرها اليوم المساهمة الفعلية في الانتخاب حقا وواجبا . ولا ريب –ثالثا - في أن هذا التمشّي المقترح يتيح لنا -على بساطته - أسباب تبديد سوء التفاهم مع الأشقاء والأصدقاء، لاسيما في هذه المرحلة الواعدة من

تاريخنا الحديث .فما من عاقل يشك في قداسة السيادة الوطنية ، وما من وطني يسمح بأي ضرب من ضروب التدخل في الشأن الوطني ’وما من تونسي أصيل يستنصر قوى أجنبية لتضمن له استمرا فساده في الأرض .وعلينا –مع ذلك - أن نعي حق الوعي أن الاستقلال ليس فيه معنى الاستغناء عن الغير أو عدم الاكتراث بمواقفه منا، خاصة حين يكون الغير شريكا فعليا في منطق تبادل المصالح ،بل ان الاستقلال الحق هو أن تكون حاجتي إلى غيري على قدر حاجة غير اليّ ،فلا تفاوت بيننا في الحقوق والواجبات، فضلا عن انخرام التوازن الذي كثيرا ما يشير إليه بدقة وضع الميزان التجاري .وينبغي الاعتراف بأننا لن نبلغ تلك الدرجة من الاستقلال الحق الا بمزيد العمل على واجهتين اساسيتين’ أولاهما اكتساب عقلانية العصر الحديث وسنن زماننا ـ وثانيتهما إشاعة قيم الحرية وحقوق الإنسان في نسيجنا الثقافي والتربوي .وعن العقلانية العلمية في أعمق معانيها ،والحرية في اشمل أبعادها، تنشأ قوة الأمم على مغالبة ما يسميه الحكماء أعداء الإنسانية الثلاثة ،الجهل والفقر والمرض.لذلك كان اليوم على جميع القوى الحية في البلاد ، أن تنشر بين التونسيين بشرى الخير :أيها التونسيون اعملوا ان كنتم حقا تريدون الحرية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا