حديث الفرد: هي الحياة.. جمال ومتعة

الحياة عسيرة بالطبع. فيها شوائب كثيرة وكروب. في العالم، هناك إرهاب وتلوّث وحروب. في تونس، هناك فساد وعوز وجهل بليغ.

في كلّ أرض، هناك معاناة وعيش عصيب. كلّ حيّ يلقى في الدنيا شدائد وخطوبا...
رغم العسر، يجب أن نحبّ الحياة ونعشق الوجود. رغم الشدّة، يجب أن نمسك بالأيّام ونتجاوز الصعاب وما كان في الأيّام من كدر وهموم... الحياة، يا سيّدي، أنس وبهاء ونعيم. هي الفردوس. هي اللؤلؤ المكنون. فيها فاكهة مرفوعة وبحر وقمر ونجوم.
قد تشتدّ الحياة وتقسو. قد يعمّ الظلام وينسدّ السبيل. قد تنتشر في الأرض الظلمات وتعمّ الغيوم... كلّ هذا ممكن. كلّ هذا يجوز. لكنه، هذا ليس بمانع لحبّ الحياة، لعشق الوجود. رغم الشدّة، يجب أن نغالب الزمن. أن نتخطّى الخطوب. كلّ في موقعه، كلّ قدر جهده، يجب أن يكدّ ويسعى لكسب الضياء، لمعانقة الوجود.
لن نلقي بالسلاح أرضا، أبدا. لن تأخذ من عزائمنا الكروب، أبدا. بعد كلّ كبوة، ننهض ثم نعود لنأخذ من الدنيا لذّاتها ونقطف ما فيها من طيّبات ومن وعود... ذاك هو قدر الإنسان. كتب على الإنسان أن يمشي في الأرض مرفوع القامة. في رأسه أمل وفي قلبه نور...
  
الكثير من الناسّ لا يشاطرونني وجهة النظر. الكثير من الناسّ لا يحملون ما أرى من رأي. من حولي، يهاب الناس الدنيا ويخافون الوجود. عند الكثير من أهلي ومن صحبي، الحياة شقاء وخداع وكروب. لا أمن في الدنيا ولا أمان ولا وجود. في الضمير الجمعيّ، الدنيا عندنا شقاء ومكر وهموم...
أحيانا، أمشي إلى المسجد ومع الناس أصلّي. فأرى المصلّين في ريبة، في هلع شديد. ها هو الإمام فوق المنبر يصرخ، ينفخ شرّ الوعيد. يقول في المصلّين ما كان في القبر من عذاب وما كان في الآخرة من حساب بليغ. في المسجد، أرى المصلّين في خوف، في فزع من هول ما جاءه الإمام من ترهيب ومن نار حميم...
أمشي إلى الدنيا فألقى الناس يشتكون من حظّهم المنكود ويبكون عيشهم الشقيّ. كلّ يبكي غدر الأيّام وعسر الوجود. كلّ يتحسّر على ما فات من زمن وعلى ما كان للمسلمين من مجد تليد. في المجتمعات العربيّة، ترى الناس دوما يشتكون. دوما يبكون على ما انقضى من عمر وعلى ما فات من دهور. في القنوات التلفزيّة، في المقاهي، في البيوت وحيث تدير وجهك ترى العرب في شكوى، في نحيب. دوما يتذمّرون. دوما يتضرّعون...
أحيانا، أراهم يتلذّذون بما هم فيه من نكد وغمّ. أحيانا، يتباهى المسلمون بما يلقونه في الحياة من سوء حال ومن شقاء مرير. أحيانا، أراهم بالبلاء يتفاخرون... عند العرب، كلّ المصائب هي ابتلاء من الله وفي الصبر على البلوى ثبات في الإيمان وثواب عظيم. مع الابتلاء «تظهر معادن الناس وحقائقهم» ويعرف من كان دينه قويّا ومن كان دينه هشّا، ضعيفا...
  
نحن شعب بكّاء. نحبّ البكاء ونجلّ البكائين. البكاء عندنا سمة مميّزة. هي خصلة قديمة، مؤسّسة. النحيب ركن ثابت في ثقافة المسلمين. هو مكوّن من مكوّنات الذّات والشخصيّة... أنظر في ما قاله الأوّلون وفي ما حبّروه من شعر ومن نصوص. اقرأ ما لنا من تراث قديم وحديث. أنظر في ما يدور بين الناسّ من نظر، من قيم، من حكم شعبيّة...، سوف ترى كم نحن نعشق البكاء وكم نحن نحبّ النحيب.
ها هم يبكون على ما هم فيه من ضيق وعلى ما لهم من كروب ومن تاريخ عصيب. يبكون الصحابة والرسول ومقتل الحسن والحسين وأيّام المعتزّ وحكم هارون الرشيد. يبكون على ما سوف يلقون من حشر وآخرة وعذاب مرير. يبكون على الريح التي تهبّ وعلى المطر الذي شحّ ولم ينزل منذ شهور. يبكون سلاطين اليوم وأولئك الذين ماتوا وانتهوا من الوجود...

كذلك يحيا العرب اليوم ومنذ أوّل العصور. لم يتغيّر لهم حال. لم يتبدّل لهم نظر ولا مصير. ثابتون. صامدون. دوما على العهد. دوما في نفس السبيل. دنياهم شكوى. أيّامهم تحسّر ونحيب...
أنظر في ما خلّفه العرب من أدب وفي ما حبّروه من نصوص. كل الشعراء وقفوا على الأطلال وبكوا من غدر الأيّام وظلم الزمن وعذاب الوجود. كلّهم ذرفوا الدمع واشتكوا العسر. جلّ الأدباء وقفوا في ذلّ بين أيدي الأمراء والسلاطين. يمدحون. يتوسّلون. يشتكون العوز. يرجون كساء ورغيفا.
أصل الأدب العربيّ رثاء محبط وهجاء بائس ومديح تعيس. ما كان الأدب العربيّ للخيال ملهما. دافعا للحياة، محرّكا للعزائم... هل أتى العرب أدبا يغنّي للحياة، يحثّ على الوجود؟ هل قرأتم نصوصا فيها مؤانسة ومتعة وتجديد؟
كالأدب، جاء غناء العرب مشحونا بكاء ونحيبا. كلّ الأغاني فيها تظلّم ونحيب. حتّى تلاوة القرآن فيها تقهّر وحرقة. فيها تقرّح كثير. يحبّ الناس من المرتّلين من في صوته حزن ولوعة. نحبّ من السور والآيات تلك التي جاءت مشحونة سخطا ووعيدا...
لا مرح ولا ضحك ولا لهو في أرض المسلمين. الحياة في أرض المسلمين معاناة ومكابدة وشقاء شديد. في أرض الإسلام، المرح عيب واللهو عيب والضحك عيب والوجد عيب والحياة كلّها جميعا عيب. كلّ شيء عندنا حرام. كلّ شيء عندنا ممنوع. لا يجوز. كلّ مرح لا يليق. كلّ ضحك في الدنيا سوف ينقلب غدا عذابا ونارا لهيبا. من هزّه الزهو في الدنيا فقد أغواه الشيطان وزجّ به في سوء السبيل. من آثر الحياة الدنيا ضيّع دنياه ودينه وحسابه عند ربّه نار جحيم.
الوجد عند المسلمين والرفاه والجنس والطيّبات جميعا وكل ما فيه لذّة ومتعة هو عندنا محظور. هو رجس من عمل إبليس وجزاؤه جهنّم ويئس المصير. فلا مرح في الدنيا ولا فرح ولا طرب يجوز ولا متعة ولا لهو في الأرض ولا وجود ولا وجد...
  
لمّا كنت صبيّا، كانت أمّي تريد أن أكون رجلا صنديدا، فحلا. كانت تقول لي جهرا وسرّا: «انتبه يا صبيّ ولا تغفل. في الحياة الدنيا، اسمع كلاما يبكيك ولا تسمع كلاما يضحكك. في الضحك ضياع وطيش وفي البكاء تمكين وشدّة...» مرّة، في الحجّ، في عرفة، سألت الإمام عمّا يجب أن أفعل وماذا عليّ أن أقول جهرا وسرّا. دعاني الإمام إلى أن أنظر في الأفق وأطلب من السماء غفرانا ورحمة لي ولوالديّ. فعلت وكنت في لحظة صدق. رفعت كفّيّ إلى السماء أتضرّع علّ السماء ترحم أمّي ومن مات من أهلي ومن صحبي. نظر الإمام فيّ ولم يعجبه تضرّعي. قال في صدّ: «ليس هكذا. في عرفة، يجب البكاء بحرقة حتّى تسمع السماء دعاءك وتستجيب لمن له تدعو.» اجتهدت في البكاء. انقبضت طولا وعرضا. أبت عيناي أن تدمعا وإن قليلا من الدمع. أعاد الإمام قوله آمرا: «يجب البكاء في يوم عرفة» وانصرف وزوجته من خلفه بعيدا عنّي...
  
نحن شعب بكّاء لأنّنا شعب خوّاف. نحن نخاف السماء خوفا كثيرا ويوم الحساب وما سوف يكون من موازين ومن نار وحشر. دين المسلمين أصله جهنّم. هو سيف من نار حارقة. قاطع للأنفس. على الرقاب مسلول... في القرآن وعيد كثير وترهيب شديد. في الآيات كلام مخيف وتهديد مفزع. في الآيات نار موقدة. ترتجف مفاصلي كلّما أصغيت للآيات وتبيّنت ما فيها من وعيد ونقمة...

ما كان الإسلام رحمة للعالمين. هو في قلوبنا نار ملتهبة. نحن لا نحبّ الله لذاته. نحن نعبد السماء خوفا وطمعا. نخاف الله لما كان له من تجبّر ومن تكبّر ومن بطش. نعبده طمعا لما في الجنّات من غلمان وحور وفاكهة وخمر معتّقة. علاقتنا بالسماء مرهبة، معقّدة. أصلها خوف وأساسها ريبة. كعلاقاتنا بالسلط الحاكمة، مع الربّ، يحدونا التملّق ويسكننا بهتان وكذب...

يرى المسلمون السماء عفريتا شرّيرا. يتابع الناس. يراقب سعيهم عن كثب. يسجّل ما يأتونه من كبيرة وصغيرة. لا سهو في الكتاب ولا نسيء. فاعلموا يا مسلمين أنّ في السماء ملكا جبّارا، عليما. فاحذروا وعوا فكلّ «من آثر الحياة الدنيا فإنّ الجحيم هي المأوى»، يقول القرآن الكريم. فويل للدنيويين الذين آثروا الحياة ولذّاتها ونسوا الآخرة والحساب وجهنّم...
حبّ الدنيا، عند المسلمين، لا يجوز. كلّ إقبال على الحياة عقابه عند الله كبير. كلّ اغتنام لما فيها من لذّات ومن نعيم هو مكروه أو هو محرّم أو هو محظور. كلّ شيء في الدنيا مريب. كل فعل لا يخلو من الظنّ...

كذلك، أصبح المسلمون في قطيعة مع الدنيا. أعرضوا عنها. بغضوها. عيّروها. الدنيا، في أعين المسلمين، الدنيا مضيّعة للعمر. مفسدة للخلق. هي سبيل الطائشين ومن غرّته الشياطين. الدنيا في أعين المسلمين هي عبادة وصوم، هي قيام وسجود، هي خشوع واستغفار وتضرّع... هي موت بطيء حتّى يرفع الله الأرض.

أقعد الخوف المسلمين. عطّل فيهم كلّ سعي وقتل فيهم كلّ تطلّع. مع الخوف، تنكمش الأيدي وتنقبض الأنفس. لا أمل ولا حلم ولا فعل لمن سكنه الخوف والهلع. هل الحياة ممكنة لمن شدّ قلبه الضيق والهوس؟ هل تطمئنّ النفوس في ظلّ سيف على الرقاب مسلول؟ هل يمكن العيش في الأرض وربّك الذي تحمل في الأحشاء متجبّر، متكبّر، عقابه مرّ؟ من سكنه الخوف، تلقاه في اضطراب مستمرّ. خاويّ القلب. رأسه مشوّش. يده مقطوعة. لن يعرف في الحياة الدنيا سكينة ولن تدركه طمأنينة. لن يكون له فعل نافع ولا عقل نافذ...
  
لنحيا الحياة ونتدبّر الوجود، يجب أوّلا أن ننزع من القلوب ما سكنها من روع وخوف ونجتث من الرؤوس ما احتوت من ظنون وهوس. يجب أن نعيد الأمل لقلوب المسلمين. يجب أن نملأ أنفسهم وجدا وسكينة. علّهم مع أنفسهم يتصالحون. علّهم مع الناّس يلتقون...
لإصلاح حال المسلمين، يجب إصلاح ما يحملونه من فكر قديم ومن معتقد عقيم. يجب تغيير ما كان لهم من علاقة مع السماء مفزعة، مع الدنيا محبطة. يجب أن يطمئنّوا للزمن وأن يقبلوا على الحياة الدنيا. يومها، ينتهي فيهم الغول الجاثم على الصدور. يومها، تمّحي من أعينهم ظلمات الخوف والظنون. يومها، يطمئنّون. يرون الحياة نورا ونجوما فيقبلون عليها وكلّهم أمل وعزيمة ووجد...

ما كانت السماء بظلّامة للعباد، همّها التنكيل بالناسّ والتعذيب. ما كانت الحياة غدرا وشوائب وهموما. ما كانت الدنيا غدّارة، دنيئة. ما كان قدر الإنسان أن يعبد السماء ليلا، نهارا ويصلّي ويخشع ويصوم... كلّ هذا معطّل للحياة. مفسد للعيش. مسيء للوجود.

حتّى ننزع ما سكن فينا من خوف، يجب أن ننتهي من خطب الأئمّة وما فيها من زجر ومن ترهيب. يجب أن ننتهي من جهنّم والحشر والنار اللّهيب. يجب أن نقطع مع الفكر الدائر ومع ما يروّج في المساجد من رعب وعويل وفي قنوات الاتّصال وفي دور التعليم من إرهاب وتهديد. يجب أن نصالح الناس مع الحياة، مع أنفسهم، مع الناس أجمعين...
أفلسنا نقول إنّ الدين يسر وأنّ الإسلام جاء رحمة للعالمين؟ إن كان هو كذلك، يجب أن يكون الدين بالناسّ رؤوفا، عطوفا. محفّزا للهمم. محرّرا للنظر. دافعا للحياة. محرّكا للسواكن. وهذا ما لا نراه اليوم عند الأئمّة وعند أولي الأمر وعند جلّ المسلمين...
يكون الدين سمحا، يسيرا لمّا يلتقي شرع الله مع سعادة البشر جميعا، سواء أكانوا كفّارا أو مسلمين. عندما يملأ الدين قلوب الناسّ أمنا وأملا وحبّا كثيرا. لمّا يهدّئ من روعهم. يخفّف عنهم مأساة الحياة وما كان فيهم من نواقص ومن طبع مريب...
  
حتّى يصبح دين الإسلام سمحا، رحيما، حتّى يكون القرآن دافعا، محفّزا، يجب أن نعيد قراءة القرآن وفهمه من جديد. على رجال الدين والأئمّة أن يقولوا في الناسّ قولا حسنا، كلاما فيه سند ودفع ولين. فيه أمل وضياء ورحمة للعالمين. فيه حبّ للحياة وللناسّ أجمعين... يجب أن ننتهي مع ما جاء في القرآن وفي الحديث من وعيد ومن ترهيب. يجب أن ننسى جهنّم وما كان من عذاب أليم. كلّ هذا محبط للعزم. كلّ هذا قاتل للأنفس. كلّ هذا مدمدم للوجود.

ما جاء في الآيات وفي السور دافعا للحياة، ملهما، محفّزا، نجلّه، نرفع من شأنه، نعيده في القيام وفي السجود. نذكره كلّ يوم من جديد. أمّا ما جاء في الآيات وفي السور من ترهيب ووعيد، من نار وترويع، من رفض للدنيا، للحداثة، للعلوم، فهذه نؤوّلها حتّى ترتقي أو نتركها وننساها وإن لزم الأمر نلغيها. في ما مضى، كنّا ألغينا من القرآن الكثير من أوامره ومن نواهيه...

النصّ القرآنيّ ليس نصّا مغلقا، مستقرّا ولا هو منتهي الدلالة والمفهوم. ككلّ النصوص، القرآن نصّ حيّ، متحرّك، مفتوح. يتغيّر معناه حسب نظر القارئين. القرآن لا يتكلّم. كذلك الحديث وما كتبه الأوّلون والمتأخّرون من نصوص. الشارحون هم من ينطّقوا المكتوب. هم من يفسّر النصوص. نحن من يترجم معناها ويتدبّر غاياتها ومدلولها. نحن من يحمّل الجمل والمفردات ما كان من معنى وما ارتأينا من مقصود.

القرآن نصّ طويل. تأسّس في أطوار متباينة وفي أزمان عديدة. كذلك، جاء القرآن «مغازة كبرى». فيها موادّ عديدة وسلع كثيرة... تحقيقا لسعادة البشر وتطويرا لعمرانهم، على المثقّفين أن يختاروا من الموادّ والسلع ما شاؤوا وفق حاجيّات الناس وحسب الظروف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا