« كل ما يمكن القيام به» لتفادي اللطخة

أردنا في هذا المقال «كل ما يمكن القيام به» ترجمة عربية لكلمة شهيرة قالها الرئيس الفرنسي ايمانيوال ماكرون وهي «Quoi qu’il encoûte»

في خطاب شهير ألقاه يوم 12 مارس 2020 والذي كان نقطة انطلاق حرب الدولة الفرنسية ضد جائحة الكورونا في بداياتها الأولى .في الحقيقة عبر الرئيس الفرنسي في هذا الخطاب بطريقة فيها الكثير من الحساسية والخوف أمام فيروس لم نكن نعرف حتى تلك اللحظة أسرار تركيبته وتطوره وطرق الوقوف أمامه من الناحية الطبية والعلمية .ولكن وفي نفس الوقت وبالرغم من الخوف والرهبة ومن حالة الهلع من المستقبل والتطورات غير المرتقبة لهذا الفيروس فقد أكد الرئيس الفرنسي في هذا الخطاب وبطريقة رسمية أن الدولة الفرنسية ستضع كل إمكانياتها المالية والعلمية والطبية لحماية الشعب الفرنسي وحماية مواطنيها من هذه الجائحة الخطيرة .
شكل هذا الخطاب بالرغم من المخاوف والمخاطر والصعوبات بارقة أمل للمواطنين الفرنسيين بأن دولتهم لن تتركهم لوحدهم في مجابهة هذه الجائحة بل ستضع كل إمكانياتها إلى جانبهم لحمايتهم .
شكل هذا الخطاب أهمية كبرى واعتبره العديد من الملاحظين والمتابعين للشأن السياسي من أهم الخطابات الرسمية في مجابهة هذا العدو السري والمرعب.إلا أن ما لم نكن ننتظره أن يصبح هذا الخطاب وهذه الجملة الشهيرة الإطار المرجعي للسياسات العمومية في مجابهة الجائحة لا فقط في فرنسا بل وفي كل أنحاء العالم .
ستكون هذه الجملة نقطة انطلاق لقطيعة سياسية وحتى معرفية مع السياسات العمومية السابقة والتي هيمنت لسنوات طويلة وعقود على المجال العام.فقد بدأت هذه المرحلة بتراجع الدعوات النيوليبرالية الداعية الى انسحاب الدولة ولفتح المجال واسعا للسوق لقيادة المجتمعات الرأسمالية.ثم فتحت المجال لثورة كبيرة في مجال السياسات العمومية لتعود الأهمية للسياسات الاجتماعية وخاصة في المجال الصحي حيث دعمت الاستثمارات العمومية من أهمية القطاع العمومي لاعطائه الإمكانيات لحماية المواطنين أمام الجائحة .
ولعل الثورة الأهم هي تلك التي غيرت السياسات الاقتصادية بطريقة راديكالية .فقد كانت هذه الجملة الشهيرة للرئيس الفرنسي نقطة انطلاق لسياسات مالية ونقدية توسعية لم تعرفها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية .فإلى جانب التطور الكبير الذي عرفه الإنفاق العمومي لدعم الطلب وحماية المؤسسات فقد عرفت السياسات النقدية تخفيضا كبيرا لنسب الفائدة ووضع سياسات لدعم المؤسسات الخاصة وحمايتها أمام انهيار النشاط الاقتصادي .
كانت هذه الجملة الشهيرة للرئيس ماكرون وراء نهوض مؤسسات الدولة الفرنسية على كل المستويات لحماية المجتمع وحماية المؤسسات الاقتصادية من الخطر الداهم الذي شكلته الجائحة.ويمكن القول أن هذه السياسات الجديدة والثورة التي أتت بها في مجال السياسات العمومية وتدخل الدولة قد نجحت في كبح جماح الجائحة رغم مئات الآلاف من الضحايا وعودة الاقتصاد إلى عافيته في بداية سنة 2021 في أغلب البلدان الأوروبية .
وقد دفعت هذه النجاحات العديد من المسؤولين في فرنسا وفي بعض البلدان الأوروبية إلى الخروج من الإطار المرجعي الذي فتحته جملة الرئيس ماكرون للسياسات العمومية .
أردت العودة الى هذه الجملة الشهيرة والإطار المرجعي الذي فتحته للسياسات العمومية في فرنسا في علاقة بالأزمة المالية الخطيرة والخانقة التي تعيشها بلادنا والتي تنذر بالانهيار وبدخولنا في طريق السيناريو اللبناني .و أمام هذه المخاطر التي تعيشها بلادنا لابد – في رأيي- لهذه الجملة الشهيرة «كل ما يمكن القيام به» أن تصبح المرجع والإطار لكل السياسات لإنقاذ الدولة وحماية المالية العمومية من الانهيار .كما يجب لهذا الشعار أن يصبح نقطة التقاء وتوحيد للقوى السياسية والاجتماعية في بلادنا .
• في تداعيات الوضع المالية
كلنا يعلم أن الوضع المالي مر بحالة حرجة ودقيقة في السنوات الأخيرة نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية وقد عرفت بلادنا ثلاث أزمات اقتصادية كبرى .الأولى هي الأزمة الهيكلية الذي عرفها نمط التنمية منذ بداية الألفية حيث لم تتمكن مختلف الحكومات من تغييره وبناء نمط تنمية جديد قادر على دفع النمو والاقتصاد.
أما الأزمة الثانية فتعود إلى تراجع وتدهور التوازنات الكبرى للدولة وبصفة خاصة توازن المالية العمومية والتوازنات المالية الكبرى .أما الأزمة الثالثة فتخص الانعكاسات المالية والاقتصادية لجائحة الكوفيد والتي عرفت فيها بلادنا اكبر مرحلة انكماش اقتصادي وتراجع وصلت إلى %8.8- في سنة 2020.
وقد كانت لهذه الأزمات الاقتصادية انعكاسات مالية كبرى مع ارتفاع كبير لانخرام المالية العمومية .ولئن بدأ هذا الانخرام منذ سنوات الا انه احتد في نهاية السنة المنقضية عند نقاش قانون المالية التعديلي الذي انجرت عنه خلافات كبيرة بين مؤسسات الدولة وبضفة خاصة بين البنك المركزي والحكومة .
وتواصل هذا الانخرام إلى سنة 2021 وأشارت ميزانية الدولة التي تمت الموافقة عليها في مجلس نواب الشعب إلى ضرورة تعبئة ما يقارب 19 مليار دينار لتغطية حاجيات الدولة .وسيغطي 16 مليار دينار خدمة للدين لهذه السنة.
وقد عرفت الدولة الكثير من التأخير في تعبئة هذه التمويلات في الأشهر الأولى لهذه السنة ممّا خلق ضغطا كبيرا على الأسابيع والأشهر القادمة .
تعرف بلادنا وضعا اقتصاديا صعبا ودقيقا كانت له انعكاسات مالية كبيرة .وكان للتأخير في إيجاد هذه التمويلات تأثير كبير على قدرتنا على الإيفاء بالتزامات الدولة في الأسابيع القادمة وقد يقود ذلك إلى انهيار المالية العمومية .ولم تعد هذه القراءات والتحاليل مقتصرة على الخبراء والمحللين بل أصبح يشاطرها أكبر المسؤولين الماليين والاقتصاديين للدولة .
وقد ازداد هذا الوضع صعوبة بعد النتائج المالية الضعيفة للاتصالات والمفاوضات التي قامت بها الحكومة في الأزمة الأخيرة .
• في صعوبة حشد الدعم المالي
قامت الحكومة بنشاط كبير منذ أشهر من اجل حشد الدعم المالي لمواجهة الأزمة المالية فبعد قرابة السنة من نهاية البرنامج مع صندوق النقد الدولي انطلقت الحكومة من جديد في بداية مفاوضات مع هذه المؤسسة .وقد قامت الحكومة بإعداد وثيقة عمل لبرنامج للإصلاحات الاقتصادية والتي تنوي القيام بها في إطار هذا الاتفاق .كما عملت الحكومة على القيام بعديد الاتصالات الديبلوماسية مع البلدان الفاعلة في هذه المؤسسة لدعمنا والوقوف إلى جانبنا في هذه المفاوضات الصعبة والمضنية .
إلا أن كل هذه اللقاءات وبداية المفاوضات أثبتت بما لا يدع للشك أن هذا المسار سيكون صعبا ومضنيا ولن يمكننا من تجاوز الأزمة الحالية .
إلى جانب المؤسسات الدولية قامت بلادنا بتسريع الاتصالات مع البلدان الشقيقة والصديقة بصفة خاصة ليبيا وقطر وفرنسا والاتحاد الأوروبي من خلال زيارات على أعلى مستوى لرئيس الحكومة لرئيس الدولة .ولئن ساهمت هذه الزيارات في التأكيد على أواصر التعاون مع هذه البلدان إلا أنها لم تأت بجديد في إمكانية دعم مالي سريع لبلادنا لتجاوز الأزمة المالية التي نعيشها .
إن صعوبة حشد الدعم المالي الضروري في هذه الظروف الدقيقة سيزيد في حجم المخاطر التي تواجهها بلادنا .
• «كل ما يمكن القيام به» لتفادي اللطخة
إن وصول الأزمة المالية الى أوجها في الأوضاع الحالية وصعوبة حشد الدعم المالي المنتظر من المؤسسات المالية العمومية والبلدان الشقيقة والصديقة يتطلب منا التحرك بسرعة لتفادي انهيار المالية العمومية جراء انعكاساتها السلبية على مسار التحول الديمقراطية وعلى مصداقية بلادنا الداخلية والخارجية وكذلك على سياساتنا الاقتصادية .
وفي رأيي فإن عملية الإنقاذ الآنية تمر عبر إعداد أربع شروط أساسية :
-الشرط الأول تكوين فريق تقني من أهم الأخصائيين لبحث الحلول التقنية الآنية لتجاوز هذه الأزمة .
-الشرط الثاني إعداد قانون مالية تعديلي في أقرب الآجال لتقييم الوضع المالي بكل دقة وحشد الدعم السياسي للإجراءات التي سيقع القيام بها للخروج من هذه الأزمة .
-الشرط الثالث إعداد برنامج لتامين المالية العمومية الى نهاية السنة يأخذ بعين الاعتبار كل الإمكانيات المتاحة من الداخل من السوق المالية ومن البنك المركزي كذلك الخارجية .
الشرط الرابع هو التعاون والدعم والعمل بجدية من كل مؤسسات الدولة للوصول لنفس الهدف .
إن دقة المرحلة لا تحتمل الصراعات والخلافات المعلنة على الملإ بين البنك المركزي الحكومة عند إعداد قانون المالية التعديلي لسنة 2020.
وتعد الأزمة المالية الحالية لحظة مفصلية في تاريخنا الحديث وتتطلب في تقديري من مؤسسات الدولة أن تقوم بكل ما يمكن القيام به لتفادي انهيار المالية العمومية وعدم الانخراط في الطريق التي قادت إلى السيناريو اللبناني .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا