مشروع النظام الأساسي الجديد للأساتذة الجامعيين: بين التّطلّعــــات والمقترحــات

بقلم: عويشة الإميّم الجديدي
أستاذة مساعدة بالمعهد العالي لتكنولوجيات البيئة

في حين كان الجامعيون يترقبون نظاما أساسيا جديدا يرتقي إلى مرتبة المشروع التشاركي التحفيزي والاستشرافي، سارعت وزيرة التعليم العالي إلى استعجال النّظر في مشروع نظام أساسي جديد لإطار التدريس تمّت صياغته في ضرب من التّكتّم والسّرّية ضمن لجنة غير معلومة الهويّة، وبعد انتظار عقود من الزمن باغتت الأسرة الجامعية عبر سياسة الإملاء والإسقاط ببضع صفحات تحت عنوان «مشروع النظام الأساسي لإطار التدريس بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي» لطرحها على مجالس الجامعات في أقرب الآجال.
يحدث ذلك بعد أن طالعتنا وزارة التعليم العالي في نوفمبر 2018 بنسخة أوليّة لهذا المشروع يقوم على رتبتي أستاذ محاضر وأستاذ تعليم عال، تتفرّع كلّ رتبة منها إلى ثلاثة أقسام، أتت نسخة ماي 2021 في حلّة ستّ رتب مثقلة كاهل الأستاذ الجامعي بشروط ومعايير ارتقاء وانتداب بيداغوجية وعلميّة وإدارية وجمعياتية.
وإذا كان من البديهي أن نتساءل أوّلا عن أهمّيّة هذه المحطّة من تاريخ الجامعة التونسية وسبل التأسيس بهذا النص الترتيبي لتطلّعات الأستاذ الجامعي نحو نظام أساسي يتجدّد بعد قرابة الثلاثين سنة، فإنّ التفكير في إعادة صياغة نظام أساسي جديد يعود حتما لأنّ النص الحالي الذي يعود إلى سنة 1993 تجاوزه التاريخ ولم يعد يفي باحتياجات القطاع، والجامعة، والجامعيين، وتطلعاتهم.

مشروع النظام الأساسي : بين غياب المنهجيّة وسياسة الإسقاط
قبل التفاعل مع فحوى مشروع النظام الأساسي المقترح، نلاحظ غياب كلّ منهجيّة عن أطر دراسته وصياغته، الأمر الذي كان له الأثر الأكبر في مدى تماسك أركانه كمشروع أتى ليعمّق في الوسط الجامعي سياسة الإملاء والإسقاط وغياب التشاركية فضلا عن غياب المنهجية. فهذا المشروع الذي لم يستند لا على دراسة تقييمية لنصّ النظام الأساسي 1825 لسنة 1993، ولا على تجارب دولية مقارنة في مجالات التعليم العالي للاستئناس بها في ما هو الأنسب لنا ولجامعتنا، كنّا ننتظر منه استجابة لنظرة استشرافية تكون حافزا للجامعيين يدعم فيهم حسّ الانتماء للجامعة ويثمّن توجّه برامج الاعتماد الأكاديمي واستقلاليّة الجامعات مع تنويع سبل تمويل البحث العلمي.
ولسائل أن يسأل أمام تعيين الوزارة لجنة صياغة للمشروع الجديد وقع التداول في شأنها أنّها تضمّ بعض رؤساء الجامعات وفريقا قانونيا من أجل تصويب ما يمكن إقراره من نقاط تتعارض مع التراتيب الجاري بها العمل، أين دور الأساتذة الجامعيين الشبّان من مشروع نظامهم الأساسي المستقبلي؟ ألا يختزل النص الجديد بمثل هذه التشكيلة المعتمدة رؤية إدارية نمطيّة تجاوزها الزمن ولا يمكن أن تؤسس للجامعة الحديثة، بل تحصر دور الجامعي في العدو وراء ترقيات إدارية متتالية طيلة مسيرته المهنية؟ ثمّ، هل تمّ تشريك الجامعيين بمختلف أصنافهم ورتبهم في بلورة نص نظامهم الأساسي الجديد؟ وإذ نذكر أنّه قد تمّت مراسلة المجالس العلمية في أوت 2018 لإبداء الرأي في استبيان يخصّ أسس مقترح مشروع النظام الأساسي الجديد، فإنّ هذه الهياكل البيداغوجية لا تعلم إن تمّ حقّا الاستئناس برأيها أم اكتفت الوزارة بتجاهلها ورميها في سلّة المهملات؟

مشروع النظام الأساسي المقترح:
بين التّطلّعات والمقترحات
بداية من حيث الشكل، نلاحظ تناقضا بين عنوان المقترح ومضمونه، حيث إنّ الأوّل نصّ على نظام أساسي لإطار التدريس في حين أنّ المقترح لم يتضمّن غير المدرّسين الباحثين لنيّة غير معلنة من أجل توحيد أسلاك التعليم العالي ، رغم أنّ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سبق أن أقرّت في بلاغ لها بتاريخ 16 نوفمبر 2018، اعتمادا على عديد الاستشارات القانونية، وجوبية الفصل بين الأسلاك من حيث المسارات المهنية بما يضمن احترام قانون الوظيفة العمومية واحترام خصوصيات كلّ سلك.

ولئن كان الالتجاء إلى فكرة صياغة نظام أساسي جديد من مخرجات مؤتمر إصلاح المنظومة الجامعية، فإنّ انتظارات الجامعيين منه تتعلّق إلى حدّ بعيد بتبعاته المالية التي يُفترض أن تُعيد للأستاذ الجامعي مكانته في أعلى سلّم التأجير بالنّظر إلى شهادته العلمية الأعلى ولعطائه البحثي طيلة مسيرته المهنية، مكانة فقدها منذ سنوات مع ارتفاع نسق المطلبيّة وإن كانت مشروعة لعديد القطاعات الأخرى، دون احترام لقاعدة المصعد الاجتماعي على أساس الشهائد العلمية. وإذ نذكّر أنّ قانون الوظيفة العمومية لسنة 1981 لم يدرج شهادة الدكتوراه واكتفى بشهادة الدراسات المعمّقة كأعلى صنف فرعي بسلّم المهارات، فإنّه لا يمكن تجاهل تأثير قيمة الاعتراف بشهادة الدكتوراه وقيمة الانعكاسات المالية بالتوازي مع هذا النظام الجديد على المحافظة على كفاءات البلاد والحدّ من نزيف هجرة الجامعيين عبر التحفيز المادي لهذا المشروع. ولئن نعلم مسبقا أنّ التبعات المالية لأي نظام أساسي لا يتمّ التنصيص عليها بنفس النصوص القانونية فإنّ المشروع الذي تقدّمت به الوزارة لا يرتقي الى حدّ الساعة إلى مرتبة النص القانوني وكان بإمكان الوزارة تقديم الالتزام المالي مصاحبا لهذا المشروع، ضمانا لحدّ أدنى من جدّيّة المقترح الوزاري.

إنّ الجامعيين اليوم يتطلّعون إلى نظام أساسي جديد يقطع مع التقسيم الإداري «أ» و «ب» المعتمد بين الأساتذة الجامعيين في طريق إعادة تنظيم أخلاقيات الحياة المهنية للجامعيين. لكنّ مشروع الوزارة في اقتراحه المرور من 4 رتب في النظام الحالي إلى 7 رتب يدحض كلّ التطلعات ويُعتبر مجحفا، إذ لا يوجد له مثيل بأيّ نظام أساسي عبر الدول كما يكرّس حواجز إضافية أمام مسيرة الأساتذة الباحثين لا تتناسق مع مبدا التحفيز ولا تأخذ بعين الاعتبار مسيرتهم الجامعية المطوّلة ومن ناحية أخرى تمثّل عائقا أمام مقروئية النظام الأساسي التونسي مع أنظمة العالم وبذلك صعوبة المعادلة بين الرتب التونسية ونظيراتها العالمية.

ورغم إقرار وزارة التعليم العالي في بلاغ نوفمبر 2018، استنادا على الاستشارات القانونية في الغرض على إجبارية الالتحاق بسلك المدرّسين الباحثين عبر مناظرة خارجية دون سواها، فقد غيّب هذا المشروع الأخير هذا الحكم الخاص للانتقال من سلك إلى آخر ممّا يفتح كلّ أبواب التأويل والضبابيّة عليه.
كما تمّ الانقلاب في هذا المشروع المقترح على القرار الصادر ببلاغ الوزارة لنوفمبر 2018 بالمحافظة على التأهيل واقترح استبداله بالتأهيل البحثي الذي لا وجود له بالنصوص القانونية التونسية ولم يتمّ أصلا تحديد هويّته وآليّاته ونصوصه الترتيبية مسبقا لإبداء الرأي فيه.
بالنظر إلى مشروع النظام الاساسي المقترح , نلاحظ كذلك غياب عديد الابواب التي تنظّم الحياة المهنية للمدرسين الباحثين من مهامّ موكلة لمختلف الرتب وعدد ساعات التدريس المستوجبة وأشكالها وسنّ التقاعد وشروطه وآليات التأديب وأخلاقياته و مقتضيات الوضعيات الاستثنائية مثل آليّة التدريس عن بعد و كيفية احتسابها.
أمّا في ما يخص المساعدين، فإنّ التسمية المقترحة «مدرس جامعي» تسلبهم حق صفة الباحث ولا تثمن مسارهم البيداغوجي ومشاركتهم في الحياة الجامعية، كما نذكّر أنّ كل ما أوردته الوزارة تحت خانة التحفيز للمساعدين منصوص عليه بالنظام الأساسي لسنة 1993 وتنقيحاته.

إجمالا، لم يرتق مشروع النظام الأساسي المقترح إلى رتبة مسودّة مشروع متكامل الأطوار والأبواب بين دراسة تقييمية أو نظرة استراتيجية أو اقتراحات استشرافية أو سياسة تشاركية أو تجديد بيداغوجي ولا حتّى تبعات ماليّة تحفيزية يمكن قبول استعجال المضيّ فيه والمصادقة على بنوده دون إعادة نظر في طريقة تأسيسه وصياغته ومنهجية تقديمه. وإذ نؤكّد على ضرورة تغيير منهجيّة صياغة نظام أساسي جديد للأساتذة الجامعيين يرتقي إلى اعتماد تشاركية القرار بين كلّ المعنيين به، فإنّنا لا يمكن أن نستبعد استناد هذا المشروع بإصلاح منظومة التعليم العالي نحو جامعة حديثة متجدّدة تؤسس لمبدأ المبادرة البحثية والأكاديمية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا