منبــــر: المسؤولية النقابية في أزمات المالية العمومية

بقلم أيمن البوغانمي
إن تواصل أزمات المالية العمومية التي تدفعنا اليوم بكل جدية نحو حافة الإفلاس لنتيجة محتومة لسياسات أجور فرضتها عوامل كثيرة،

من أبرزها ضعف الحكومات وغياب روح المسؤولية لدى النقابات. ورغم أن طرح هذا العامل الأخير يكاد يكون من المحرمات في المجال العام التونسي، فإن الجميع يعلم بأن جزءا كبيرا من الرأي العام التونسي مقتنع به. ومن ثم وجب السؤال عن الأسباب التي تدفع الأمين العام نور الدين الطبوبي مثلا للحديث في يوم عيد الشغل الأخير عن ضرورة رفع الأجور رغم علمه بالوضعية الحرجة التي تمر بها البلاد عموما والمالية العمومية تحديدا.
الحجة السياسية في المفاوضات الاجتماعية
يصعب اليوم في تونس إنكار دور النقابات في تحديد السياسات المالية للحكومات المتعاقبة منذ عام 2011. وأمارة ذلك أن زيادة الأجور التي نجح في انتزاعها الاتحاد العام التونسي للشغل من حكومة الحبيب الصيد عام 2015 ومن حكومة يوسف الشاهد عام 2018 قد ساهمت بشكل كبير في فشل تونس في الحصول على الأقساط الأخيرة من قرضين متتاليين كان صندوق النقد الدولي قد أقرهما لفائدة الدولة على التوالي بين عامي 2013 و2015، ثم 2016 و2020. ورغم سعي الاتحاد العام التونسي للشغل للتنصل من المسؤولية وتحميلها للحكومات المتعاقبة، فإن قياداته كانت دائما فخورة بكل زيادة فرضتها في الأجور من خلال اعتماد كل وسائل الاحتجاج، ومن بينها اللجوء إلى الإضراب العام سنة 2018. وهو ما يفسر حرص صندوق النقد الدولي على التزام الاتحاد ببرنامج الحكومة للإصلاح قبل الدخول في اتفاق جديد مع الدولة التونسية.
سيقال: إن مواقف الاتحاد ترمي إلى ضمان العدالة الاجتماعية والمساواة. وهذه إجابات غير مقنعة. ففضلا عن أنها تمثل إنكارا للواقع وإكراهاته، فإنها تعكس أيضا تناسيا لحقيقة واضحة للعيان. وهي أن سياسات اشتراء السلم الاجتماعي بالرفع في الأجور قد تسببت في تأزيم أوضاع الناس الذين لا يستفيدون من ضغط النقابات. وهم كثيرون من أبرزهم العاطلون عن العمل وصغار التجار والحرفيين وغيرهم من أصحاب المشاريع الصغرى والمتوسطة.
إن تحديد مستوى الأجور من خلال التفاوض يحتاج كي يكون ناجعا لنقابات تتمتع بروح مسؤولية عالية وتعمل من أجل الصالح العام اقتصاديا. وهذا ما لا يتوفر في الوظيفة العمومية وفي القطاع العام.
من المهم في هذا الصدد أن ننتبه للفارق في منسوب حدة مواقف الاتحاد في القطاع الخاص من جهة، وفي الوظيفة العمومية والقطاع العام من جهة أخرى. والسؤال: لماذا يختلف منسوب هذه الحدة؟ هل أن عمال القطاع الخاص غير معنيين بمبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية؟
والجواب في الحقيقة بسيط. ويكمن في اختلاف الطبيعة الاقتصادية للدولة. أي أن المطلبية في القطاع الخاص مقيدة بخطر إفلاس المؤسسات. ومن ثم حذر العمال وعقلانية النقابات. أما في الوظيفة العمومية وفي مؤسسات القطاع العام، فإن شبح الإفلاس غائب عن مخيلة النقابات.
في ظل غياب هذا الشبح، تستطيع النقابات متى شاءت أن تنكر على أي حكومة ادعاءها أنها لا تملك المال للاستجابة للمطالب الاجتماعية. فالمال موجود بالضرورة. وإذا افترضنا أن الدولة ليست عرضة لخطر الإفلاس، يكون غياب المال مجرد خيار سياسي تتخذه الحكومة حين ترفض زيادة الضرائب أو الترفيع في منسوب الاقتراض.
بطريقة أخرى: إن رفض الحكومة لإقرار زيادات في الأجور في الوظيفة العمومية أو في القطاع العام هو بالنسبة للمفاوض النقابي قرار سياسي بالضرورة. وهو يعكس انتصارا لأطراف اجتماعية ضد أخرى. وبالتالي، فإن الحديث عن إكراهات الاقتصاد لا يعدو أن يكون إلا شمّاعة يسهل كسرها من خلال الإضرابات مثلا، أو حتى مجرد التهديد بها.
خطر القطيعة مع المجتمع
طبعا لا يقال الكلام بهذه الصيغة. فحرج المجال العام يفرض على النقابات أن يأتي خطابها مبرقعا في لحاف القيم الوطنية والعدالة والمساواة، خاصة من خلال المطالبة بمكافحة الفساد والتهرب الضريبي ومحاربة الاقتصاد الموازي وبارونات المال.
تلك شعارات رنّانة، ليس هذا مجال نقاش أهميتها ومدى قدرة الحكومات على تطبيقها، فضلا عن مدى نجاعتها في حال الاستجابة الكاملة لها. ما يعنينا هنا أن هذا الكلام لا يمكن أن يقال لأي شركة خاصة حين التفاوض على الأجور.
يفسّر هذا الاختلاف إصرار الاتحاد العام التونسي للشغل على رفض خصخصة الشركات العمومية. فخصخصتها تعني ببساطة فقدان الحجة السياسية عند التفاوض الاجتماعي.
حين يفقد الاتحاد تلك الحجة السياسية، لا يبقى أمامه إلا الحجج الاقتصادية من قبيل ضرورة رفع الإنتاجية وضمان ديمومة المؤسسات. وهي حجج تغيب عنها الإثارة، فلا تروق لقيادات نقابية تعمل على إثبات جدارتها بقيادة صفوف العمال، في حين أنها لا تدافع عمليا إلا على الموظفين وأصحاب الامتيازات. وهو ما يجعلها في قطيعة مع شرائح واسعة من المجتمع.
إن من أبرز مشاكل الاتحاد العام التونسي للشغل اليوم أنه لا يشعر بهذه القطيعة. وذلك لسببين. أولهما تحاشي الإعلام للتعبير عن هذه القطيعة بسبب الحسابات السياسية والشخصية. وثانيهما نزوع أنصار الاتحاد وقياداته لتأويل كل نقد يوجه لهم تأويلا سياسيا. فمن ينقد الاتحاد ليس في نظر أنصاره إلا عميل أو مرتزق. أي أن الدور السياسي الذي يفخر الاتحاد بلعبه قد أصبح يهدد اليوم دوره الوطني، بل وروح المسؤولية لديه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا