بلدُنا في مزاد السعر الأدنى

لا ندري تقريبا أين نتّجه. البلد في مضيق متواصل، ولا شيء في الأفق. البلد الأقوى في العالم يعلن مساندته لنا في مفاوضاتنا العسيرة

مع صناديق المنح المالي. سننزل ببلدنا في المزاد، ولكن هذا المزاد ليس متاحا لنا فيه قول ما نشاء. سنقول فقط حقيقتنا التي يعلمونها عن ظهر قلب. سنقول لهم أننا سنلتزم تقريبا بما هو متعارف عليه في مثل هذه اللقاءات. فقط أخرجونا من هذا المضيق، فقط أعطونا أموالا، وغدا أمر.
خرجنا من مزاد السعر الأعلى، السعر هنا رمزي. وقتها كنا نموذجا لربيع التحرر العربي، كنا نموذجا ودرسا في الإنسانية التي تبحث عن انعتاقها. وقتها كُنا في مزاد الديموقراطية العالمي. هل بقينا في هذا المزاد؟ هل استفدنا من مرورنا به؟ وهل رسّمنا أنفسنا في نادي البلدان التي تعتمد على الذات ولا تستجدي كل سنة ضخا ماليا لتعيش؟
ماذا يعني أن يكون بلد في مزاد السعر الأدنى؟
هذا يعني وبكل بساطة تحوّله إلى بلد عاجز، إلى بلد منهك وإلى بلد فقد كلّ الرموز التي تجعله محترما بين الجميع. مزاد السعر الأدنى هو فقدان تلك النظرة التي يقودها الاعجاب ببلد ما. عندما يصل بلد ما إلى مزاد السعر الأدنى فهذا يعني أيضا أن السياسة فيه نزلت هي الأخرى إلى البلاهة والعبث، وهي سياسة تعيش ببضاعة لا تساوي شيئا تقريبا. في مزادات السعر الأدنى لا نجد إلا السلعة الوضيعة والمتروكة والتي يجب التخلص منها. المزاد هنا لمزيد الفضح ومزيد الإدانة ولمن يدفع الثمن الأقل.
كيف يمكن أن تذهب ببلدك إلى المزاد الأعلى سعرا وماذا يعني ذلك؟
مزادات الأعلى سعرا هي مزادات رمزية لا يأتيها من هبّ ودبّ. هي مزادات الذين خبروا الحياة وخبروا علاقاتها المتشعبة. هي مزادات من يعطي للشيء قيمته الفعلية ويكون على دراية بتفاصيله. في مثل هذه المزادات هناك تفكير في الاسم، في التاريخ، في الذاكرة وفيما سيأتي. ولذلك نجد السياسيين الكبار والزعامات الفعلية ذات الأثر العميق في مثل هذه المزادات. يحملون أفكارا ومشاريع وتصورات ويضعونها أمام الملإ. يمكن أن يخسروا بعض المعاملات، ولكن في كل الأحوال يكسبون احترام المتابعين.
لا توجد في بلدنا الآن إلا المزادات الأقل سعرا. في البرلمان مزادات تافهة بضاعتها تسريبات ومناكفات وشتائم يتخيل أصحابها أنهم ماسكوا أغلى بضاعة. البلد أصبح مزادا أكبر للأدنى سعرا. لقد بدأت كرة الثلج تكبر حاصدة معها الجميع واستسهلنا بضائع السعر الأدنى ومزاداتها. جعلنا هذا الاستسهال فاقدين لملكة التفكير والابداع مستبدلين إياها بضجيج المزادات الأدنى سعرا وصخبها. في مزاداتنا هناك مزايدات، ولكنها في كل الأحوال مزايدات من أجل تسجيل نقاط لا غير، لا يوجد تنافس من أجل الأفضل ومن أجل الذهاب بالبلد إلى مكامن القوة.
ما وصلنا إليه بعد عشر سنوات هو أننا قايضنا ديموقراطيتنا الناشئة بثمن زهيد، أدخلناها إلى مزادات السعر الأدنى ونرغب في أن تكون أمّ البضائع. حشرناها في متاهات المزادات الأدنى سعرا وتوهمنا أننا نملك ما لا يملكه الآخرون. ومع السنوات ألفنا مزادات السعر الأدنى وأدمننا ألاعيبها القذرة. حتى أن الذين كانوا منبهرين ومعجبين تراجعوا وأصبحوا يتساءلون ما الذي جعلنا نصل إلى هذه الحالة.
هل من الممكن الرجوع إلى مزادات السعر الأعلى؟ هذا سؤال المرحلة، وبالرغم من صعوبة السياق وتعقيداته فإن إمكانية الخروج من المأزق ممكنة. يحتاج المزاد إلى وساطات تكون قادرة على تقريب وجهات النظر وعلى إرساء قواعد تعامل جديدة. وهذا مشروط بتحمّل أكبر للمسؤولية من الجميع دون مزايدات مزادات اللّغو.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا