منبــــر: رئيس الجمهورية وكوميديا غياب المسؤولية

بقلم: أيمن البوغانمي

تبدأ السياسة عند رئيس الجمهورية قيس سعيد وتنتهي مع ثنائية نحن وهم. أي أن السياسة لا تستند عنده إلى عقد اجماعي

مشترك يفترض أن يضمّ الجميع، ولكن على حاجة البعض الذي يمثل الخير والطهر إلى الحماية من البعض الآخر الذي يمثل الشر والفساد.

• إبهام الهم وغموض النحن
لا شك أنها ثنائية ناجعة من حيث فعالية الخطاب، بما يفسر ما يحظى به الرئيس إلى حد الآن من شعبية قد بدأت أمارات انهيارها. فالثنائية المذكورة تجد صدى قويا لدى الغاضبين في سياق اقتصادي واجتماعي عصيب. ولئن كانت هذه الثنائية تغضب النخب، فإن ما يغضب النخب هو بالتحديد ما يعجب شرائح واسعة من الشعب، خاصة حين تطغى المشاعر السلبية من إحباط وغضب واحتقان وخوف وحسد. ولا لوم في ذلك على عموم الناس. فمن منا لا يحب أن يجد سياسيا أو حزبا أو طرفا يحمله مسؤولية ما يعاني من صعوبات؟
يطالب الجميع الرئيس بالتصريح عن هوية ما تخفيه هذه الهم التي ما فتئ يبني عليها خطابه. ومن يفعل ذلك يظلم الرئيس عن وعي أو غير وعي. فالرئيس لا يقدر أن يكشف ما تخفيه تلك العبارة. إذ أنه يحتاجها كشعار دائم يحسب أنه يكفي لتبرير غياب أي إنجازات واقعية يؤثث بها حصيلته الهزيلة. أي أن لجوؤه لهذه الثنائية الحدية هو الوجه الآخر لما سمّاه حملته التفسيرية التي غابت فيها الرؤية الواقعية غياب الوعود الانتخابية.

بطريقة أخرى: ليس رئيس الجمهورية سياسيا يمكنك أن تحاسبه أو تسائله. وهو ما يفسر جزئيا اعتزاله الحوارات الصحفية. إذ يعلم أن مجرد وجود محاور يختار الأسئلة، مهما كانت صفته أو توجهاته، يكفي لكشف ما تخفيه ثنائية الرئيس الأساسية من فراغ.
يندرج هذا السلوك السياسي في إطار نزعة سياسية تستعيض عن الفعل بالكلام، وعن المشاريع بالإيهام. ومن ذلك حديث الرئيس الدائم عن الحرب على الفساد وضرورة تفكيك منظومته. ذاك كلام جميل؛ فقط ينقصه الفاعل. أي أنه لا يجيب على السؤال الجوهري: من سيحارب ومن سيفكك؟ وإذا كان لا بد من مواجهة هذا السؤال، فإن الإجابات الرئاسية تأتي في صيغ من قبيل: إنها الإرادات الصادقة، بل إنه الشعب العظيم. والنتيجة إبهام وغموض، ينعكس سياسيا من خلال إبعاد المسؤولية عن صاحب الخطاب من أجل تفريق دمائها بين القبائل.

• كوميديا غياب المسؤولية
يمثل هذا الاستخدام السياسي للغة انحرافا بالسياسة إلى ما يمكن التعبير عنه بكوميديا غياب المسؤولية. وعناصرها أن يوحي الكلام بكل ما هو جلل، في نفس الوقت الذي ينعدم فيه الفعل أو يكاد.
من ذلك الحديث عن فساد مستشر ومؤامرات تحاك في البيوت المظلمة من أجل تفكيك الدولة، أو على الأقل من أجل تعطيل دواليبها. يأتي هذا الحديث رغم أن الجميع يعلم أن الأزمة ذات الأولوية اليوم هي مختلفة، وعناصرها جائحة كورونا وتبعاتها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يخفى على أحد أن أهمية كورونا بالنسبة لرئيس الجمهورية لم تعد تعدو أن تكون منطلقا لاستعارات لغوية من أجل الحديث عن ما يسميها: الجوائح السياسية وما تحتاجه من لقاحاته الدستورية.

لا بأس. فلنقل: إن ذاك مجرد اختلاف في التقدير. السؤال: ماذا يقترح الرئيس لمواجهة التهديد الذي يقدّر أنه أهم من الكورونا وتبعاتها؟ وماذا يفعل لمواجهته؟ إنه يقترح تفكيك الدولة أو على الأقل تعطيل دواليبها. أي أنه يقتفي في ذلك أثر ابن نواس في دوائها بالتي كانت هي الداء.
كيف ذلك؟ الأمر واضح: إذ لم تعد مساهمة رئيس الدولة في تعطيل دواليب الدولة التي يرأسها تخفى على أحد. أي أنها لا تخفى حتى على أشد أنصاره الذين لم يبق لهم إلا أن يجدوا التبريرات لرفع الحرج من خلال مبدإ الضرورات تبيح المحظورات. أما تفكيك الدولة، فإنه مسار لم يعد الكثيرون اليوم يخفون قناعتهم بأن الرئيس يعوّل عليه على أمل أن يكون وسيلته للظهور بمظهر المنقذ، ومن ثم فرض ما يسميه «البناء الجديد».

يعني ذلك أننا إزاء هزل سياسي يقترح إضعاف المؤسسات التي يفترض أنها مهددة. وهي مفارقة يشعر بها الكثيرون حين يضطرون إلى تحليل خطاب الرئيس ومواقفه، فيصطدمون بتناقضات واضحة يعجزون عن التأليف بينها. وذاك أمر طبيعي. إذ أنهم يحسبون أن لرئيس الجمهورية رؤية للسياسية وفلسفة للعالم. ولكن حجم تلك التناقضات ووتيرة تتابعها تثبت أن كل ما يطمح إليه الخطاب الرئاسي هو إفقار المعنى وإفراغ الكلام من محتواه. وتلك من الأساليب الكوميدية التي يدفع تسربها للمسائل الجدية إلى الشك في كل شيء، ومن ثم الاستعداد للقبول بكل شيء.

إن الشكل التراجيدي لخطاب الرئيس في مقابل الإبهام الكوميدي لمحتواه يمكّن أنصاره من أن يصدّق كل واحد فيهم سرديته الذاتية التي يحيكها لنفسه. نستطيع من هذا المنطلق أن نرجّح وفاء رئيس الجمهورية لما آلاه على نفسه من عدم الانخراط في العمل الحزبي. إذ أنه يعلم أن وجاهته تنتهي بمجرد اضطراره لذلك؛ تنتهي لا لأنه خالف ما كان قد تعهد به

من استقلالية، ولكن لأن انسجام الأحزاب يحتاج في حده الأدنى إلى التصريح بالسردية الجماعية. وهو ما لا يتحمله هذا النمط من كوميديا غياب المسؤولية.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا