في ذكرى اليوم العالمي للضمير: الضمير لدينا من المستتر إلى المندثر

بقلم : عبد الستار
بن موسى
تحتفل دول العالم يوم 5 أفريل من كل سنة باليوم العالمي للضمير، مر هذا اليوم ببلادنا كسائر الأيام العادية لم تستيقظ

له الضمائر الحية ولم ترحب به وأهملته الضمائر الميتة ورمت به في سلة المهملات. لعلَ حرية الضمير التي ضمنها الدستور فهم منها العديد من الخاصة و العامة أنهم أحرار في أن يكون لهم ضمير أو لا يكون.
الضمير وما أدراك ما الضمير، فهو الذي يحدد كل مصير، مصير الفرد ومصير الشعوب. فإذا كان حيا وقادًا استفادت منه البلاد والعباد وإذا كان مريضا أو ميتا عم َ بواسطته الخراب والفساد. يمثل الضمير الحي بالنسبة للإنسان صوته الداخلي ، يولد ويترعرع معه، يوجهه إذا جفا ويوقظه إذا غفا، يؤنبه إذا خاب ويباركه إذا أصاب .
أما الضمير المهني فهو ممارسات مهنية حميدة يفرضها القانون ويكرَسها الضمير الحي يقول فيكتور هيقو «لا قوة كقوة الضمير ولا مجد كمجد الذكاء « كما يقول بأنه» لا يطلب إلا عفوا واحدا وهو عفو ضميره».
أما وليام شكسبير فهو يقول: الإخلاص فعل خفي لا رقابة عليه إلا للضمير. فمن لم يحركه ضميره ولم يصح لنهيه عن ارتكاب الرذائل ولم يدفعه لإتيان الفضائل مثله كمثل الأصمَ تأتيه أصوات النصح من كل وادي ولكن لا حياة لمن تنادي .
إن سمو الأخلاق يجعل الضمير حيا وقادا. أما ترديها وانحطاطها فهو يقضي على الضمائر قضاء مبرما «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت. إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا».

إن نجاح أيه مهنة مرتبط بتوفر الضمير المهني. يختلف الضمير المهني من مهنة إلى أخرى فضمير الطبيب أو ضمير المعلم يعتبر من أهم الضمائر ذلك أن صحة الناس رهينة ضمير الطبيب فإذا كان حيا ينعم عديد المرضى بفضله بالشفاء. أما إذا كان ميتا شغوفا بجمع المال فإنه يكون السبب في إهمال المرضى وفي هلاك عديد الأبرياء. كذلك المعلم إذا كان مثابرا وصاحب ضمير حي فإنه يساهم في ترسيخ العلم والمعرفة والأخلاق لدى الناشئة ألم يقل الشاعر:

قم للمعلم وفه التبجيل
كاد المعلم أن يكون رسولا
أما إذا كان غير مبال بالقسم شغوفا بالدروس الخصوصية وبجمع المال
فإنه يساهم حتما في صناعة جيل بل أجيال شعارها الكسل والفشل ..

إن مهنة المربي هي أساس المهن وأيقونتها لأنها مسؤولة عن تربية أجيال بأكملها إن الضمير المهني في المجال التربوي هو أساس نجاح المنظومة التعليمية وبالتالي الحياة المهنية كفاءة وجودة وإتقانا.
أما الموظف والعامل سواء أكان في القطاع العام أو القطاع الخاص فإن ضميره المهني هو المحدد لمآل عمله فإذا كان حيا يكون عمله ناجحا وناجعا يصون مصالح البلاد والعباد أما إذا كان ضعيفا أو ميتا فإن عمله يكون شكليا وسلبيا.
إن تقدم الشعوب وتطورها مرتبط بمدى وعي العاملين في كل القطاعات و الفضاءات و بأهمية الضمير المهني وبضرورة المحافظة على الذين يخلصون في عملهم ويلهثون وراء العطاء والمردودية والإتقان، الذين يخلصون في أقوالهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم .
فهل مازلنا في عصرنا هذا نصادف كثيرا من أصحاب الضمائر الحيَة ،الأكيد أن هناك العديد منهم في كلَ القطاعات يعملون بكل جدَ يخلصون في عملهم و يصدقون في قولهم إلا أن تلك الخصال القيمة أصبحت في بلادنا عملة نادرة فالصدق في القول والإخلاص في العمل يكاد يندثر بفعل السلوكيات الخاطئة من كسل وكذب وغش وانتهازية ونرجسية

ومحسوبية وزيف عمَ في كل المجالات خاصة منها السياسية الم يقل الشاعر التونسي الفذ منور صمادح منذ عقود:
«شيئان في بلدي خيَبا أملي:
الصدق في القول والإخلاص في العمل»

وقد كبَدته تلك المقولة الشهيرة والصريحة الدخول إلى السجن. إن الضمير المهني أصبح غائبا في عديد القطاعات والمهن حيث انخفضت المردودية وتقلصت الجديَة والمثابرة في العمل خاصة في المؤسسات الحيوية خلافا لبعض الدول الآسيوية وحتى الإفريقية. فبعض تقارير البنك الدولي أكدت بأن العامل الياباني يحب مهنته إلى درجة أنه يرفض الحصول على التقاعد و يشتغل خلال العطل السنوية والدينية والوطنية حبا في وطنه وتفانيا في خدمة شعبه. أما عديد البلدان الإفريقية التي كانت متخلفة فقد شهدت بفعل صحوة الضمائر والتفاني في العمل نموا اقتصاديا وتقدما علميا ومعرفيا كأثيوبيا وبوتسوانا و رواندا.
بخلاف ذلك فأن جلَ الموظفين أو العملة في بلادنا يحرصون على الحصول على مرتباتهم والزيادة في امتيازاتهم دون القيام بواجباتهم وأبرز مثال على ذلك العاملين بشركات البستنة ، حيث يقتصر عملهم على الإمضاء بجدول الحضور. أما العديد من المسؤولين فهمهم الوحيد الحفاظ على مناصبهم و مصالحهم الشخصية والزيادة في أرباحهم ومكافآتهم المالية.

أما التعليم في بلادنا فبسبب تقلص الضمير المهني أصبح في أسفل سلَم الترتيب على النطاق الدولي .حيث كثيرا ما يهجر العديد من التلاميذ المدارس والمعاهد بل وينقطع جلهم عن الدراسة ومنهم من يلج عالم المخدَرات والإجرام وحتى الإعتداء على الممتلكات عقارات كانت أو منقولات كثيرا ما تتعرض للتخريب من قبل التلاميذ والشباب بدءا بالاعتداء على مقاعد الدراسة وقاعاتها وأسوار المدارس ووسائل النقل وصولا إلى الاعتداء على المنشآت العامة و الخاصة، كل ذلك يتم بفقدان الحسَ الوطني وغياب الضمير الإنساني.

عندما يندثر الضمير المهني يضيع معه شرف المهنة فتنقلب الموازين رأسا على عقب فيحرز أصحاب الضمائر الضعيفة بوسائلهم الخاصة على المناصب الهامة ويستعملون نفوذهم لكسب الثروة ولو عن طريق الفساد ويقفون حجر عثرة أمام أصحاب الضمائر الحية والحاضرة داخلهم فيُجبرون على الصمت والانسحاب من المواجهة فتصبح ضمائرهم مستترة مخافة بطش الاخرين .

إن الحريصين على أداء واجبهم والقيام بمهامهم كثيرا ما يتعرضون إلى سوء المعاملة من قبل زملائهم وحتى رؤسائهم الذين تقل أفعالهم وتكثر أعذارهم فكما قال سقراط الإيجابي لا تنتهي أفكاره والسلبي لا تنتهي أعذاره .
فلنعمل جميعا من أجل صحوة الضمائر في كل المهن حتى نتغلب على كل المحن شعارنا الوفاء للشعب و الوطن.

قد يبدو ذلك حلما إلا أن بناء الحلم أجمل كثيرا من وأده وكما قال أبو القاسم الشابي في العشرينات من القرن الماضي:
« إن ذا عصر ظلمة غير إني
من وراء الظلام شمت صباحه
ضيَع الدهر مجد شعبي ولكن
سترد يوما الحياة وشاحه»
فإما صحوة ضمير أو سوء مصير

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا