قضايا جامعية: الجامعات التونسية: هياكل إداريّة أم أكاديميّة؟

بقلم: نزار بن صالح - أستاذ تعليم عال
المدرسة الوطنيّة العليا للمهندسين بتونس، جامعة تونس
غالبا ما تختلط السّبل على الرّأي العامّ الوطنيّ في تونس، فيتصوّر جزء مهمّ منه أنّ مفهوم «جامعات» في المنظومة الوطنيّة للتعليم العالي في تونس

اليوم يحمل نفس المعاني الأكاديميّة التّي يحملها نفس المفهوم في غيرها من المنظومات العالميّة. إلّا أنّ الأمر غير ذلك، كما كنّا قد أثرنا في عديد المرات كانت إحداها بمناسبة مقال نشر بصحيفة «المغرب» الغرّاء بتاريخ 21 فيفري 2021 والذّي أثرنا فيه من جملة ما أثرنا، أنّ جامعاتنا اليوم هي أقرب للهياكل الإداريّة منها للهياكل الأكاديميّة المفترضة، يطغى عليها التعامل البيروقراطي وما يصحبه من تعقيدات إداريّة. وأوضحنا في نفس المقال الأسباب التاريخية كما الآنية لهذه الوضعيّة الدونيّة لجامعاتنا والتي أرجعناها أوّلا إلى أخطاء تأسيسية لا تزال جامعاتنا إلى اليوم تعاني تفاعلاتها السلبيّة وثانيا إلى ثقافة جمود وتكلّس أنتجتها هذه الأخطاء وحافظت عليها جملة من المصالح واللّوبيات التي تطورت في ظلّها.
العديد من التفاعلات مع هذا المقال طرحت علينا تساؤلات عديدة تحوم جلّها حول مدى حقيقة طغيان الجانب الإداريّ على الجانب الأكاديمي في جامعاتنا اليوم. وهنا، في مقالنا هذا، سنتولّى الإجابة عن هذه التساؤلات وتبيان صحّة ما ذهبنا إليه، وذلك على عديد المستويات، الهيكليّة والقانونيّة والإجرائية المختلفة.
1 - هيمنة الجانب الإداريّ في هيكلة الجامعات التونسية
أولى مظاهر هيمنة الجانب الإداريّ في جامعاتنا تتجلّى في هيكلتها التّي ينصّ عليها الأمر عدد 2716 لسنة 2008 المتعلّق بتنظيم الجامعات. هذا الأمر ينصّ على أنّ الجامعة تشتمل على كتابة عامّة تتضمّن جملة المصالح الإداريّة والماليّة للجامعة وأنّ هذه المصالح موزّعة بين إدارتين: إدارة للمصالح المشتركة إلى جانب إدارة للشؤون الأكاديميّة والشراكة العلميّة. وتضمّ الأولى، وهي التّي تعنى بالجوانب الإداريّة للجامعة، خمس إدارات فرعيّة وإحدى عشر مصلحة. في حين تضمّ الثانية، والتي تختص بالجوانب الأكاديمية والعلميّة للجامعة، إدارتين فرعيتين وخمس مصالح.
ومن الواضح أنّ هذه الهيكلة تتّسم بتضخم الجهاز المكلّف بالمسائل الإداريّة البحتة الذي يمثّل أكثر من ضعفي الجهاز الإداريّ المكلّف بالشّؤون الأكاديميّة والعلميّة إذا قارنّاها باحتساب عدد المصالح أو عدد الإدارات الفرعيّة وما يعنيه ذلك من ناحية الموارد البشرية والمالية والمهام والأهميّة المخصّصة لكل منها. ويعكس هذا الطغيان للجانب الإداريّ على الجانب الأكاديمي في هيكلة الجامعات التّونسيّة تصوّر الدّولة لأدوار الجامعة وتمثلّها لمكانتها في المنظومة الوطنيّة للتّعليم العالي والبحث العلمي.
ويمثّل التنافس الحادّ، الذي تثيره كلّ مرّة الشّغورات التّي تحصل في الجامعات على رأس إدارة المصالح المشتركة مقارنة مع البرود النسبي الذّي يصاحب التّعيينات في خطّة مدير الشؤون الأكاديميّة والشّراكة العلميّة، نظرة المنتمين للإطار الإداريّ صلب الجامعات للأهميّة النسبيّة لكلّ من الإدارتين ولصلاحياتهما. ولربّما يجدر بالذكر أنّه لا توجد أيّ مؤشرات على وجود توجّه بتغيير الأمور من طرف الوزارة نحو توازن أكبر بين الإدارتين ولا حتّى على وجود رغبة في هذا الشّأن صادرة عن الجامعات.
2 - تغليب الجانب الإداريّ وتغييب الجانب الأكاديمي عبر تعطيل النّصوص القانونية
يمكن القول أنّ القانون عدد 19 لسنة 2008 والمتعلّق بالتّعليم العالي كان أوّل نصّ تشريعيّ فتح الباب على الأقلّ نظريّا وكاحتمال قانونيّ، لقرارين مهميّن وأساسيين للجامعات: الاستقلاليّة الماليّة والإداريّة، وإرساء الجودة كمقاربة شاملة لقطاع التّعليم العالي. إذ مكّن هذا القانون الجامعات العموميّة التّونسيّة من التحوّل من مؤسّسات عموميّة ذات صبغة إداريّة إلى مؤسّسات عموميّة ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة. كما أكّد على الدّور المركزيّ للجامعات في إرساء الجودة بكلّ أبعادها الإداريّة والماليّة وخاصّة منها الأكاديميّة. وعرّف القانون الجودة في مجالها الأكاديميّ كالجودة في التّكوين وفي نقل المعارف والعلوم والكفايات وفي جودة المؤهّلات المهنيّة للخرّيجين وفي جودة ونجاعة البحث العلميّ والتّجديد. وتولّى نفس القانون إحداث الهيئة الوطنيّة للتقييم والجودة والاعتماد وأعطاها صلاحيات واسعة في مجالات تدخّلها وكلّفها بضبط مرجعيات التّقييم والاعتماد من ناحية وبالإشراف على عمليّات تحويل صبغة الجامعات إلى مؤسسات عمومية ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة من ناحية أخرى.
ويجدر الذكر هنا أنّ هذه الهيئة لم تر النّور إلّا عديد السّنوات بعد هذا القانون. إذ لم يصدر الأمر المنظّم لتركيبتها وعملها إلّا في سبتمبر 2012 ولم يعيّن رئيسها وأعضاؤها سوى في نوفمبر 2013 لثلاث سنوات تغاضت الوزارة عن تجديدها في 2016. ورغم ذلك واصلت الهيئة أنشطتها بإمكانيات شبه منعدمة، إلى حدود أكتوبر 2019 عندما انتفت كلّ امكانيّة قانونيّة لتمديد نشاطها. ولم تجدّد الوزارة منذ ذلك الحين تركيبة الهيئة في خرق واضح للقانون، والمنطق والعقل. هذا التّجاهل والتّعطيل لهيئة، كان من المفترض أن تلعب أدوارا محوريّة في التأسيس لمسائل أكاديمية بحتة وأن تكون الجامعات في مركز هذا التأسيس، كان بالتوازي مع خطاب وزاريّ أكّد ولا زال يؤكّد إلى اليوم، أنّ الوزارة ستبعث هيئة جديدة تعوّض هيئتين موجودتين: الهيئة الوطنية للتقييم والجودة والاعتماد بالإضافة إلى الهيئة الوطنية لتقييم أنشطة البحث العلمي. ورغم تسويق هذا الخطاب منذ سنة 2016، إلّا أنّ مضمونه لم يتحقق إلى حدّ الآن ولم تبعث الهيئة الجديدة الموعود بها (غيّرت الوزارة التسمية إلى وكالة منذ أكتوبر 2020)، وبقيت الهيئتان القديمتان معلّقتان بين مطرقة المهمات المسندة لها قانونا وفعليّا وسندان التّجاهل والتّعطيل والحلّ والدّمج بينها لبعث هيئة أو وكالة جديدة.
وقد كانت الوزارة كلّفت الهيئة الوطنية للتقييم والجودة والاعتماد انطلاقا من سنة 2015 وإلى حدود بدايات 2018 بمجموعة من مهام التقييم لمؤسسات تعليم عال أو جامعات عموميّة سواء في إطار التحضير للاعتماد أو لتقييم برامج ومسالك تكوين جامعيّة في مرحلة الإجازة وشملت بعض هذه المهام تقييم إجازات في مؤسسات تعليم عال خاصة. ومن جملة ما قيّمت الهيئة ملفّات سبع جامعات عموميّة قدّمت مطالب للتّحوّل من مؤسسات عمومية ذات صبغة إداريّة إلى مؤسسات ذات صبغة علمية وتكنولوجية، وخلصت إلى تقييم إيجابيّ للسبع وعرضت ملفّات ستّ منها على مجلس الجامعات حيث حصلت على القبول النهائي بانتظار إصدار الأوامر التطبيقية. لكنّ هذه الأوامر التطبيقية لم تصدر إلى اليوم رغم مرور ما يزيد على أربع سنوات بالنسبة للبعض من الملفّات المقدّمة.
ومن الواضح ممّا سبق أنّ الوزارة عطّلت النصوص القانونيّة في مسألتين: أوّلهما عمل الهيئة الوطنية للتقييم والجودة والاعتماد وثانيهما ملفّات تحوّل الجامعات الستّ إلى مؤسّسات عموميّة ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة. هذا التصرّف غير القانونيّ هو نتيجة رفض عميق لفكرة الاستقلالية ولفكرة تطوير الجوانب الأكاديميّة بالنسبة للجامعات وتعبير واضح على هيمنة ثقافة اعتبارها مجرّد إدارات. ويمثّل حسب رأينا غياب النّفس الإصلاحيّ عن مختلف الوزارات منذ 2011 رغم تعدد مرجعيّاتها السّياسيّة واختلاف تركيباتها، السبب الأساسي لكل هذا المشهد المتسم بالجمود والتعطيل الرّافض فعليّا للاستقلالية ولتطوير الجوانب الأكاديمية وإن كان يفسح المجال من حين إلى آخر لخطاب يرحّب بها، ومستوحى من مسار «السراب الإصلاحيّ» الذي كتبنا عنه في مقال جريدة المغرب المذكور أعلاه.
3 - المراصد الجامعيّة
أصدرت وزارة التّعليم العالي والبحث العلميّ في 3 أفريل 2008 قرارا وزاريّا ينصّ على إحداث مراصد صلب كلّ من الجامعات العموميّة. وكلّف نفس القرار هذه المراصد بمهام أكاديميّة كبرى. فمن المهام التّي أسندت لها متابعة مسارات التّكوين في الجامعة وتقييمها وإبداء الرّأي في استراتيجية الجامعة ونتائجها وتوفير المعلومات لدعم هذه الاستراتيجية. كما أسندت لها أيضا مهام القيام بدراسات تتعلّق بالإدماج المهني لخريجي الجامعات بالإضافة إلى جمع وتحليل ونشر الاحصائيات الخاصّة بالطّلبة والأساتذة وبالخريجين والاختصاصات ومسارات التّكوين. وإذ كان جميع المراقبين ينتظرون أن تنتهز الجامعات هذه الفرصة لتدعيم أدوارها وجوانبها الأكاديميّة، إلّا أنّ هذه المراصد لم تبعث، إلى اليوم، في أغلبية الجامعات أو بعثت صوريّا دون أن تتمكّن من القيام بأيّ من المهام المنوطة بعهدتها وذلك لأسباب عديدة ومختلفة تحوم كلّها حول عدم تمكينها من أيّ إمكانيات لوجستيّة أو ماديّة أو بشريّة من طرف الجامعات رغم أهمية هذه المراصد على أدائها الأكاديمي. ويعطي هذا الأمر الانطباع بأنّ الجامعات نفسها استبطنت فكرة أنّها أجهزة إداريّة وأن لا رغبة أو لا إمكانيات لها للقيام بأيّ أدوار مهمّة ذات كنه أكاديميّ.
4 - علاقة الجامعيين بجامعاتهم
تكاد العلاقة بين الأغلبيّة السّاحقة للجامعيين وجامعاتهم تنحصر في مسائل إداريّة بحتة وتتسّم بحكم طبيعتها تلك بتوجّس دائم. وتحرص الجامعات، حفاظا على الكنه الإداريّ لعلاقتها بإطارها الأستاذي، على أن يتقدّم الجامعيّ بطلب ترخيص لعديد الأنشطة التي يقوم بها رغم اتصال هذه الأخيرة بصلب مهامه التّدريسيّة أو البحثية أو التأطيريّة. إذ يحتاج الجامعيّ إلى تراخيص في عديد المسائل نذكر منها على سبيل الذّكر لا الحصر، التّدريس بصفة عرضيّة خارج مؤسّسته الأصليّة أو التغيّب بسبب مهمّة أو للمشاركة في ندوة علميّة أو المساهمة في دورات تكوينيّة في اختصاصه. ويصل الأمر مداه عندما يفرض على الجامعي الحصول على ترخيص للقيام بساعات إضافية داخل مؤسّسته الأصليّة إذا تجاوز عددها سقفا معيّنا تقرّره اعتباطيا سلطة الإشراف رغم أنّ ذلك غالبا ما يكون للضرورة وبطلب من إدارة المؤسسة أو من مسؤوليها الأكاديميين. وفي تصوّرنا ستتواصل ثقافة المطالب والأذون والتّراخيص هذه، طالما تواصل اعتبار الجامعيين موظّفين عموميين يخضعون لمجمل نصوص قوانين الوظيفة العموميّة كما تحرص على تأكيده الأوامر المتعلقة بضبط القوانين الأساسية للجامعيين بمختلف أسلاكهم.
5 - خلاصة وآفاق التغيير الآنية الممكنة
كما بيّنا بالتّفصيل فيما سبق، تتضّح وجاهة ما ذهبنا إليه من هيمنة الجانب الإداريّ على الجانب الأكاديمي في جامعاتنا. وأوضحنا كيف أنّ بعض النّصوص القانونيّة تطبّق بصرامة خدمة لهذه الهيمنة، في حين يقع التّغافل عن تطبيق أخرى وتعطيل أعمال هيئات أكاديمية والتغاضي عن دراسات ملفّات، دائما خدمة لنفس الهيمنة. هذا الكيل بمكيالين مختلفين لا يهمّ وزارة الإشراف فقط، بل الجامعات نفسها أيضا. وبيّنا أنّ علاقة الجامعيين بجامعاتهم تمثّل أحسن مثال لاختزال هذه الأخيرة في هياكل إداريّة بعيدة كلّ البعد عن الأدوار الأكاديميّة المفترض أن تلعبها.
هذه الوضعيّة الغريبة ليست قدرا محتوما لجامعاتنا، ونتصوّر أنّ هناك فرصة لتعديل الأمور وتقوية الجوانب الأكاديمية وذلك عبر إصدار الأوامر التطبيقيّة لتحوّل ست من جامعاتنا العموميّة إلى مؤسّسات عموميّة ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة والمعطّلة منذ سنوات عديدة كما أشرنا أعلاه. كما يمثّل وقف تعطيل أشغال وأعمال الهيئة الوطنيّة للتقييم والجودة والاعتماد وتمكينها من وسائل العمل لتحقيق المهام المسندة لها، نقلة أساسيّة ضروريّة من الأجدى لوزارة الإشراف القيام بها عوض اعتماد مخاتلات الإيحاء بالإصلاح في حين أنّ النيات الحقيقيّة هي التّعطيل والاحتواء. هذا بالنسبة لوزارة الإشراف. أمّا بالنّسبة للجامعات فأقلّ ما يمكن أن تقوم به هو تكوين المراصد الجامعيّة بالنسبة للجامعات التّي لم تكوّن مراصدها وتفعيل عمل المراصد التّي كوّنت، عبر تفصيل مهامها وتمكينها من الإمكانيات اللوجستيّة والبشريّة والماديّة لأداء مهامها على أتمّ الوجوه. أمّا بالنّسبة لعلاقة الجامعيين بجامعاتهم فلا نتصوّر تقدّما ملموسا ممكنا فيها، بدون إنهاء الرّابط غير المنطقيّ بين الجامعيين والوظيفة العموميّة. رابط لا مكان له، بحكم التناقض الجوهريّ بين طبيعة عمل الجامعيين مع ما يقتضيه الانتماء للوظيفة العموميّة من واجبات التحفّظ والتّنفيذ لأوامر التّسلسل الإداريّ، ويناقض مبدأ الحريّات الأكاديميّة، ذلك المبدأ المعلن ضمن المبادئ المؤسسة للمنظومة القيمية الجامعية، والذّي ارتقى إلى درجة الحقوق والحريّات الدّستوريّة منذ جانفي 2014.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا