الأتمتة وضرورة التغيير الهيكلي

بقلم: هيثم الزواري
كان ذلك الروبوت لشركة (Enova Robotics) الذي يجوب شوارع العاصمة محل إعجاب من البعض وتندر من البعض الآخر حتى أضحت صوره

على صفحات التواصل الاجتماعي والصحف ترمز للحجر الصحي الذي عشنا ونعيش على وقعه زمن الوباء.
يعتبر العديدون أن تعاظم دور هذه الروبوتات هو من قبيل الخيال العلمي أو على الأقل هو بعيد المنال. لكن إذا ألقينا نظرة على ما تنتجه شركة (Boston Dynamics) أو إذا عرفنا أن دول شرق آسيا استوردت 250000 روبوت متعدد الاختصاصات سنة 2019 سوف ندرك أن التحول نحو الأتمتة (L'automatisation) هو جاري وأننا نعيش على وقعه.
يمكن تعريف الأتمتة باستخدام أو إدخال المعدات الآلية في التصنيع أو في عمليات أخرى. لكن تحديد مفهومها هو أكثر تعقيدا مما يبدو عليه بحكم تحوله. فالبشر صنعوا وسائل تمكنهم من ربح الوقت والجهد منذ عصور إلى حد الوصول إلى التحول الجذري في هذه الوسائل في علاقة بالذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة في إطار أكثر شمولية.
ما علاقتنا بهذه الأتمتة؟ وهل أننا قادرون على تجاهلها ما دمنا لسنا فاعلين أساسيين فيها؟

الأتمتة والتشغيل
في دراسة صادرة عن (Kings College) تحت عنوان «صعود جيش احتياط الروبوتات: التطور الاقتصادي والعمل والأجور في الدول النامية»:
The Rise of the Robot Reserve Army Automation and the Future of Economic Development, Work, and Wages in Developing Countries
يعتبر الباحث Lukas Schlogl و- Andy Sumner أن كلما كان البلد أكثر فقرا زادت قابلية تحول فرص العمل فيه إلى الأتمتة وفي نفس الاتجاه تقرير للبنك العالمي يعتبر أن ثلثي القوى العاملة في الدول النامية هي قابلة للأتمتة بالوسائل التكنولوجية الحالية. حسب الباحث هذا التحول له تأثير أساسي على المدى القصير والمتوسط على مستوى الأجور في الأعمال التي هي قابلة للأتمتة. وهو ما سيعمق الهوة الاجتماعية ويهدد السلم الاجتماعي الهش. وفي سناريوهات معينة يمكنها أن تأدي إلى بطالة كثيفة (بطالة تكنولوجية). هذا التحول سوف ينتج عنه إزالة التصنيع (désindustrialisation) والعودة للزراعة (agriculuralisation) التي هي في حد ذاتها مهددة بالأتمتة.
إن طرح هذه القضية ليس وليد اليوم بل كان محل اهتمام في النظرية الماركسية التي اعتبرت أن عملية التنمية الرأسمالية المدفوعة بالتكنولوجيا هي تراكم للبؤس وهو يمثل الطرح المتشائم ويوجد طرح متفائل يعتبر أن الأتمتة ستمكن من تكثيف الإنتاج وتخفيض الأسعار.

الأتمتة والاستثمار الأجنبي
ويعتبر الباحثون أن هذا التحول للأتمتة سيقلص بالضرورة انتقال الشركات من الدول المتقدمة للدول النامية (Investissement direct étranger) من أجل الاستفادة من الأجور المتدنية وسيزيد من عودة الشركات إلى مواطنها الأصلية خاصة مع صعود التيارات المحافظة.
و في تونس لم تتوقف البرامج والسياسات الحكومية على التعويل على استقطاب الشركات الأجنبية طامعة في تحريك عجلة التنمية عبرها خاصة في المناطق الأكثر تهميشا حتى تستفيد من العمالة ذات الأجور المنخفضة لكن يبدو أن هذه الديناميكية غير قابلة للتحقيق اليوم أو على الأقل لن تكون الوتيرة نفسها التي كانت في وقت سابق وهو ما يدافع عنه تقرير للبنك العالمي صدر أواخر 2019 تحت عنوان:
Have Robots Grounded the Flying Geese? ويعني هنا الكاتب «هل قامت الروبوتات بإنهاء نظرية ترحال الإوز البري؟» هذه النظرية للعالم الاقتصادي الياباني Kaname Akamatsu في التطور الصناعي الذي يقوم على تخلي دول عن إنتاج مواد بقيمة مضافة منخفضة و تقنيات متخلفة لصالح إنتاج مواد بقيمة مضافة أعلى وهنا تقوم دول أكثر تخلفا بالانتقال نحو التصنيع بإنتاج هذه المواد المتخلفة تقنيا وبالتالي تصبح فكرة غياب المناخ الملائم كمعطل للاستثمار الأجنبي هامشية. وفي الحقيقة ما حاجة المصانع إلى القدوم أو البقاء في تونس إذا عوضت اليد العاملة الرخيصة بالروبوتات وإذا أضفنا أنها قادرة على استقطاب المهندسين والباحثين للعمل على في بلدانها الأصلية فلن توجد أي جدوى اقتصادية لذلك.

حتمية الأتمتة
كوننا دولة نامية مهددة بشكل كبير بتأثيرات الأتمتة لا يعني التصدي لها عبر الانغلاق والحمائية الاقتصادية مثل ما يدعو له البعض من رفض لاتفاق الأليكا مثلا. رفضنا لن يوقف هذا التحول نحو الأتمتة في العالم وبالتالي لن يوقف تراجع تكلفة الإنتاج عبر الروبوتات مقارنة باليد العاملة الرخيصة خصوصا إذا أضفنا تراجع تكلفة الطاقة عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة. والنتيجة ستكون أن نستورد أبسط حاجياتنا لأن الطبقة العاملة غير المختصة لن تكون قادرة على منافسة الروبوتات مهما خفض أجرها، فتتحول هذه الطبقة العاملة بالضرورة إلى البطالة.

هذه الطبقة العاملة غير المختصة هي الأكثر هشاشة وتهديدا بالأتمتة سواء قبلناها على مستوى داخلي أو رفضناها فالنتيجة ستكون مماثلة. ولا يبدو اليوم أننا واعون بأن هذه اليد العاملة غير المختصة لن يكون لها مكان في عملية الإنتاج في المستقبل وغياب الوعي يتجلى في الخروج المبكر من الدراسة وعدم التمكن من أي حرفة أو اختصاص بأعداد كبيرة سنويا. هذه الفئة التي تمثل جيش الاحتياط لمؤسسات الإنتاج والتي تمكن من تخفيض الأجور بحكم أنها ترفع العرض مقابل الطلب لن تجد مكانها حتى كجيش احتياط وسيعوضها الروبوت كما سبق ذكره في الحديث عن البحث (لم تعد هذه الفئة محل اهتمام وجذب للاستثمار).
ونفس هذه اليد العاملة غير المختصة سوف تجد المنافذ أكثر انغلاقا أمامها عند محاولات الهجرة غير الشرعية وهو ما تعاني منه اليوم.
من هنا يأتي تفكير هذه الدول المستقبلة للمهاجرين في توفير مدخول أدنى لكل سكان العالم في شكل أجر أدنى يحميها من هجوم جحافل جيوش الاحتياط عليها في محاولة استباق لتفاقم البطالة في الدول النامية.

التحول إلى الخدمات
إن تحول وسائل الإنتاج للأتمتة سوف ينهي مثالا تنمويا غير مأسوف عليه لم يوفر لقمة عيش كريمة لعمال وضعهم أقرب للعبيد منه للأحرار. فبصفة عامة أجور هذه الطبقة العاملة توفر بصعوبة رغيفهم اليومي في ظروف عمل مهينة خاصة للمرأة. لأن تحسين أجور هذه الطبقة العاملة يكون عبر استيعابها (استيعاب جيش الاحتياط) في عملية الإنتاج وانخفاض نسبة البطالة لديهم ويعني ذلك ندرتهم وبالتالي تحسين أجورهم وهذا لم يقع في تونس. ويبدو أنه لم يعد بالإمكان تدارك ذلك والحل ربما يكون في تحول هذه اليد العاملة غير المختصة إلى قطاع الخدمات وهو قطاع مقاوم للأتمتة بصفة عامة وهذا ما سيؤدي إلى تغيير في مسار تدفق الثروة وسيمكن جزءا منها من الدخول إلى المناطق التي تفتقدها.
لكن لا يمكن أن يحدث هذا في غياب مؤسسات الدولة بل إلا بتدخل قوي لهذه المؤسسات.

إذا كانت هذه المؤسسات دعمت وتدعم الأكثر حظاً وقوة اليوم سواء من خلال تقديم الرخص والدعم والأراضي بالدينار الرمزي وعقود مع الشركات العمومية. فلماذا لا تدعم هذه المؤسسات في نفس الوقت الأكثر ضعفا وهشاشة؟
التدخل المطلوب من قبل الدولة يكون بتوفير فرصة كاملة بالتكوين في اختصاصات مقاومة للأتمتة والتمويل وحتى توفير السوق. لأن الفئة المستهدفة تعيش عزلة وانغلاقا خاصة لدى الذكور. فالشباب المهدد بالأتمتة هو بصفة عامة منقطع عن الدراسة في سن مبكرة ولم يتمكن من حرفة ولا اختصاص نجده خاصة في الأحياء الفقيرة في المدن والقرى في الأرياف، و في هذين المجالين الشباب يعيش عزلة فهو لا يعرف سوى حدود حيه و قريته) في نفس الوقت منفتح على أوروبا (. بالإضافة إلى كون هذا الشباب غير قادر على تقديم أي خدمة (لا يملك التكوين) فالحدود التي رسمت له (الحي أو القرية) لا تتوفر على فرصة (مجال فقير ليس فيه سوق و لا قدرة استهلاكية). وإذا استبعدنا فرضية الهجرة فربما تكون له فرصة خارج الحدود المرسومة له وذلك بتكوينه حتى يكون قادرا على تقديم خدمة وتمويله و توفير السوق. وهكذا يمكن لهذا الشباب الخروج من حدوده والذهاب إلى مناطق بها أكثر إمكانيات و قدرة شرائية (أحياء إدارية وصناعية وسكنية) وإدخال الثروة إلى حيه أو قريته.

نواة جديدة للصناعة
وإذا اعتبرنا أن هذا التحول ضرورة ملحة وعاجلة فعلى الدولة التدخل والاستثمار في منتجات صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة. فلماذا لا تصبح الدولة مستثمرا متسلسلا (serial entrepreneur) تنشأ شركات بمنتوجات ذات قيمة مضافة مرتفعة ثم تفوت فيها للقطاع الخاص لتبعث شركة أخرى. على سبيل المثال يمكن التفويت في مصنع التبغ أو الفولاذ أو أسهما في بنوك لإنشاء مصنع للمحركات الكهربائية في أحد المعتديات الأكثر فقرا و بالتالي خلق قطب للصناعات التنقل الكهربائي (Mobilité électrique) (نجحت الدولة في عديد الصناعات التي خلقت نواة للصناعة و تمت خصخصتها وأظن أن بعض المشاريع إن لم تنجزها الدولة في فترة سابقة لما وجدت في النسيج الصناعي التونسي). مثلما قامت الدولة بخلق النواة الصناعية الأولى عليها اليوم خلق تحول في وسائل الإنتاج (الأتمتة) وتنمية في المناطق المحرومة. ربما سيتساءل القارئ ويعتبر أن هذه المصانع لا تملك قدرة على التشغيل بحكم أن إنتاجها يعتمد على الأتمتة وهذا صحيح لكنها سوف تخلق ديناميكية في الخدمات حول المصنع مثل النقل أو إعاشة الإطارات وستمول بلدية المنطقة لتحسين البنية التحتية وهذا

إضافة للمداخيل التي ستوفرها على مستوى وطني. كل الحكومات التي تعاقبت طرحت فكرة بيع شركات أو أسهم عمومية أو البحث عن شريك إستراتيجي لكنها لم تعلن أيا منها عن الغاية من ذلك وماهي برامجها لصرف هذه المداخيل. ربما تكون فكرة بيع مؤسسات عمومية لبعث أخرى مقبولة و تمكن السلطة السياسية من نقلة نوعية في التنمية الجهوية المنخرمة.
لا يمكننا التصدي للأتمتة فهي واقع لا يمكن الهروب منه. وحتى إذا كان ممكنا التصدي لها هل سيكون لصالح الحفاظ على وضعنا البائس؟ لدينا خياران إما مسايرة هذا التحول وأن نكون فاعلين فيه أو أن نكون تحت سطوة الدخل الكوني المضمون من قبل الجهات المانحة وفي هذه الحالة سنكون عاجزين عن النهوض.
هذا التحول يمكن أن يؤدي إلى تغيير مسار الثروة ووصولها لمن يفتقدها اليوم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا