الإستنتاجات الختامية للأزمة الدستورية/السياسية: من يؤوّل الدستور ؟ الجزء 2/1

بقلم:
أحمد صواب
منذ 27 جانفي 2021 دار نقاش دستوري/سياسي كثيف و معقد و مركب حول التحوير الوزاري و الفشل في إنهاء إجرءاته

(أوامر رئاسية في تسمية الوزراء الجدد و أداؤهم اليمين أمام رئيس الجمهورية) و أسباب هذا الإنسداد الأقصى.
و بصرف النظر عن المسألة الظرفية المتعلقة بإجراءات التحوير الوزاري و التي أجمع أغلب رجال القانون على أنها تضع رئيس الجمهورية في وضعية تجمع بين السلطة المقيدة (مفهوم الغالب فيه شكلي) و الواجب الدستوري (مفهوم الغالب فيه مضموني) كما عرفه ووصفه الأستاذ عياض بن عاشور، نرى أن محورين جوهريين هيمنا على النقاش: من يؤوّل الدستور ؟ (الجزء الأول)، و هل أن الخلاف بين رئيس الحكومة و الأغلبية البرلمانية من جهة و رئيس الجمهورية في الجهة المقابلة يحكمه الفصل 101 من الدستور ؟ (الجزء الثاني).

الجزء الأول: من يؤوّل الدستور ؟
من دون الغرق في النظريات خاصة الأجنبية التي لها سياقاتها التاريخية وخصوصياتها السياسية، و كذلك من دون إغراق «سوق الفقه الدستوري» بها، نؤكد على ثلاث نقاط (المبادئ القانونية العامة في الموضوع – الشروط المستوجبة في صاحب سلطة التأويل – النتائج الدستورية و السياسية و المخاطر في حالة الإقرار بسلطة التأويل لرئيس الجمهورية) و خاتمتها.

أولا: في بعض المبادئ العامة ذات العلاقة

1 - تفسر أحكام الدستور و يؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة (الفصل 145 من الدستور).

2- قواعد الإختصاص (داخل السلط العمومية وفيما بينها/ بين الأقضية/ الإختصاص المادي داخل كل قضاء) تهم النظام العام، بما يعني جواز إثارتها من قبل القاضي ولو تلقائيا.

3 - لا إختصاص بدون نص.

4 - قواعد الإختصاص تؤول بصفة ضيقة.

5 - المضارع يعني الأمر (le présent vaut impératif)، أي أن إستعمال فعل في المضارع يؤدي الى إعتباره أمرا.
من ذلك الفصل 67 من الدستور الذي إقتضى أن تعرض المعاهدات الدولية على البرلمان للمصادقة عليها أو رفضها، و كذلك الفصل 94 (الفقرة 3) منه الذي نص على أنه يتم الإمضاء المجاور للأوامر ذات الصبغة الترتيبية لكل وزير معني، وأخيرا الفصل 111 الذي أورد أن الأحكام القضائية تصدر بإسم الشعب وتنفذ بإسم رئيس الجمهورية، و هذه الفصول الثلاثة تعني بإستعمالها الأفعال في المضارع أنه لا خيار للبرلمان و للحكومة و للقضاء في تطبيق هذه الأحكام الدستورية، و السلط الثلاث المذكورة في وضعية السلطة المقيدة بما يجعلها محمولة على القيام بهذه الواجبات الدستورية، و لا تتمتع بحال بأي سلطة تقديرية في المجالات المعروضة.

6 - النصوص الواضحة لا تحتمل التأويل، ونجد على مشارف هذا المبدأ القول المأثور «البديهيات ليست معطلات».

7 - الأصل إرتكاب أخف الضررين (الفصل 556 من مجلة الإلتزامات و العقود)، والسؤال : أيهما أخف في حالتنا، إعتماد السلطة التقديرية أو السلطة المقيدة؟

8 - إذا أحوجت الضرورة للتأويل، يعتمد التأويل المفيد (le principe de l’interprétation utile)، ولا نخال مفيدا في الأزمة الماثلة و رغم وضوح المسألة، الا إعتماد السلطة المقيدة للإعتبارات اللاحقة، إضافة الى أن رئيس الجمهورية هو صاحب المفتاح لإرجاع آلة الدولة الى إنسيابتها الدنيا، فطبقا للفصل 72 من الدستور هو الضامن لإستمرارية الدولة، علاوة على سبق إعتماد مبدأ التأويل المفيد عند وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وذلك بإحلال الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين مكان المحكمة الدستورية، بهدف إقرار الشغور النهائي للمنصب و تبليغ ذلك الى رئيس البرلمان، عملا بالفصل 84 في فقرته 2 من الدستور.
و يتبين مما سبق أن موضوع التأويل يخضع الى قواعد دقيقة و صارمة، مستقر عليها منذ عقود في الفقه و القضاء و كذلك في تونس و في القانون المقارن.
ثانيا: في الشروط المستوجبة في صاحب سلطة التأويل
إن أدناها هو شرط الحياد، و كيف لعاقل نزيه وعادل أن يقبل بتأويل و بنفاذه، و الحال أنه صادر عن رئيس الجمهورية الذي هو طرف أصلي و أساسي في إشكال دستوري و في نزاع سياسي مرتبطين عضويا، فهو القاضي و الخصم في نفس الزمان والمكان، علاوة على التغييب الكلي لمداولات المجلس الوطني التأسيسي فيه.
ثالثا: في النتائج الدستورية والسياسية و المخاطر في حالة الإقرار بسلطة التأويل لرئيس الجمهورية

1 - مؤدى هذه النتائج هو الإنقلاب على الدستور من داخل الدستور، و أكبر دليل هو أن أصبح رئيس الجمهورية في ملف التحوير الوزاري و من خلاله قاضيا دستوريا وقاضيا جزائيا و صاحب حق الإلغاء / النقض لقرارات رئيس الحكومة و أعمال البرلمان بما يعني نسف مبدأ «الفصل بين السلط و التوازن بينها» (توطئة الدستور في فقرتها 3)، و النتائج ستكون تقريبا ذاتها في الملفات القادمة و المشابهة في الكثافة و الإختلاف، و سنأتي لاحقا على بعض الحالات الإفتراضية.

2 - من ذلك و في إطار تأويله للدستور و القانون، فقد أصدر رئيس الجمهورية أمرا رئاسيا بتاريخ 22 أكتوبر 2020 تحت عدد112 يتعلق بإحداث لجنة خاصة برئاسة الجمهورية لإسترجاع المنهوبة الموجودة بالخارج، و ذلك في خرق مباشر للدستور، ضرورة أن الفصل92 منه (في فقرته الأولى بالمطة قبل الأخيرة) يقتضي أن إحداث المصالح الإدارية برئاسة الجمهورية يتم بأمر حكومي بناء على إقتراح من رئيس الجمهورية (من منظور القانون العام، تعد اللجنة الدائمة كما هو الحال هنا مصلحة إدارية)، علاوة على أن ذات الأمر الرئاسي نقح واقعا و قانونا المرسوم المتعلق باللجنة المختصة بذات الموضوع و الصادر في 26 مارس 2011 تحت عدد15، و الحال أن له مرتبة القانون بمجرد أنه صدر في تاريخ لاحق للدستور الصغير الأول موضوع المرسوم عدد14 المؤرخ في 23 مارس 2011 و الذي أنها وجود برلمان الجمهورية الأولى بمجلسيه. وعليه، فإنه ثابت في نظرنا أن رئيس الجمهورية قد خرق الدستور، إضافة الى إغتصابه سلطة البرلمان، و إقتسامه دون و جه حق لهذا الملف مع رئيس الحكومة الذي ترجع له السلطة الرئاسية على المكلف العام بنزاعات الدولة المكلف بذات الملف، عملا بالفصل 13 من المرسوم عدد14 المذكور.

3 - نرى مبدئيا أنه لا يجوز دستوريا إسناد إختصاص تأويل الدستور لأي مؤسسة من المؤسسات العليا (غير القضائية) المعنية: رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة والبرلمان، و خاصة في توزيع الإختصاص فيما بينها، و إلا فحتّى الجماعات المحلية ستصبح مرشحة لممارسة هذا الإختصاص، و لنا مثال معروف من بلدية الكرم عن إحداثها لصندوق الزكاة بمنطقتها.

4 - ماذا لو كان رئيس الجمهورية مختصا في الهندسة أو الرياضيات أو الإتصال والإعلام أو علوم التغذية أو المحاسبة و التجارة أو في التاريخ أو في الجغرافيا أو و على وجه الخصوص مختصا في العلوم الشرعية...؟

5 - عملا بفرضية إسناد التأويل لرئيس الجمهورية، ستجبر الدولة بكامل أجهزتها و في المطلق على إستخلاص و إعمال النتائج القانونية و الإدارية (الترتيبية و الفردية) والسياسية للتأويل الصادر عنه، حتي و إن كان لا يفقه شيئا في القانون الدستوري و لا في غيره من فروع القانون العام، و لا حتي في أساسيات القانون الخاص.

6 - لو عكسنا الهوية السياسية للفاعلين الأساسيين في الملف عبر تغيير مراكزهم (رئيس الجمهورية هو راشد الغنوشي) (رئيس البرلمان هو قيس سعيد صاحب الأغلبية به بواسطة التيار و الشعب و البعض من اليسار) (رئيس الحكومة هو محمد عبو)، هل سيظل البعض على نفس المبادئ و نفس تأويل التأويل ؟

7 - الحال على حاله، و إن أحوجت الضرورة القصوى تأويل الدستور، و بعد إغلاق باب القضاء من قبل أهله، فإن المنطق و الذوق القانونين و مبدأ الحذر تفرض كلها و مجمعة أن يتم ذلك من قبل السلطة الأقرب من الدستور، و هي السلطة التشريعية لثلاثة أسباب على الأقل:

- بإعتبارها صاحبة السلطة الأصلية، عملا بالفصل 3 من الدستور الذي إقتضى أن «الشعب هو صاحب السيادة و مصدر السلطات يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين»،

- و على وجه الخصوص لأن البرلمان هو صاحب «السلطة التأسيسية الفرعية» الرئيسي و الأساسي، عملا بالفصل 144 من الدستور، و هذه السلطة تعني أنه يمكن للبرلمان وحده تنقيح الدستور بواسطة القوانين الدستورية (الفصل 120 من الدستور)،

- لأن هامش الخطأ و الإنحراف يكون أرفع إذا صدر التأويل عن شخص واحد مقارنة بصدوره عن 217 شخصا، مختلفين و متنوعين، سيما عبر مداولات أمام أعين و رقابة الجميع بما يسمح بالضغط و بالآجال المعقولة، و كلها ضمانات غير متوفرة لدى الشخص الواحد. و تبقى الحاجة ملحة للتأكيد على إبعاد رئيس البرلمان عن هذا الإختصاص سيما أنه دأب على مخالفة الدستور، من ذلك إستحداثه وظائف تمثيلية (مبادرة الحوار الثلاثي آخرها) لا حق له فيها، الى جانب التدخل في «العلاقات الخارجية» الراجعة لرئيس الجمهورية طبق الفصل 77 في فقرته الأولى من الدستور.

رابعا: الخاتمة

1 - إعمالا لنظرية الموازنة (théorie du bilan) السائدة في القانون الإداري والمستوردة من علوم التصرف و التجارة و المحاسبة، و هي قابلة للنقل لعديد الفروع القانونية بما في ذلك القانون الدستوري لما تتسم به من أفقية و عقلانية ومنطق، لا يمكن بحال إسناد إختصاص التأويل الختامي لرئيس الجمهورية، مهما كان إسمه، لأن المخاطر الدستورية و السياسية حاضرا و مستقبلا أرفع بداهة وبكثير من منافع الرأي المعاكس، و حتى في صورة تركيز المحكمة الدستورية، وذلك في حالة رفض رئيس الجمهورية لواجبه الدستوري، و الفرضيات عديدة ومنها:

- رفض ختم القوانين (الفصل81 من الدستور)،

- رفض إصدار أمر رئاسي في تسمية محافظ البنك المركزي، بعد مصادقة البرلمان بناء على إقتراح من رئيس الحكومة (الفصل87 من الدستور في فقرته الأخيرة).

- رفض إصدار أوامر رئاسية في تسمية القضاة المرشحين من المجلس الأعلى للقضاء (الفصل 106 من الدستور).

2 - لا يجوز تأويل الدستور من قبل من عليه أن «يسهر على إحترام الدستور» (الفصل72 منه)، بل إلا من قبل القضاء بفروعه الأربعة (العدلي و الإداري و المالي والدستوري، حسب ترتيبها بالدستور) لا غير، بما في ذلك عند أداء وظيفته الإستشارية، لأن الدستور كلفه بأن «بأن يضمن علوية الدستور» (الفصل102 منه) و هذه العبارات تعد أكثر ملاءمة في

إجازة التأويل والدلالة عليها مقارنة بالعبارات الواردة بالفصل 72 المذكور، سيما أن القاضي مستقل (الفصل102 من الدستور) ويشترط فيه الكفاءة و الحياد و النزاهة (الفصل103 منه)، و الحال أن الدستور لا يفرض أي من هذه الشروط على رئيس الجمهورية.

3 - لا أخال الفقيه في القانون العام الا مستقلا سياسيا، و محايدا مؤساستيا، و مصدر عقلنة لأصحاب السلطة، من دون طمع أو نفع، و عند الإقتضاء محرجا لهم، و ربما حتى سلطة مضادة (إعتباريا و علميا) لأصحاب الجاه و المقام لتجنب الظلم كما عرفه إبن خلدون على أنه «اليد المبسوطة التي لا تعارضها قدرة» (الفصل43 من المقدمة، عنوانه «في أن الظلم

مؤذن بخراب العمران»).

يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا