هل كان بالإمكان لجوء رئيس الجمهورية لطلب التصويت على الثقة لمواصلة الحكومة لنشاطها

بقلم: الأستاذ رافع بن عاشور
تبيّن بمناسبة أزمة التحوير الوزاري، وبصفة جليّة لم تعد تدعو إلى أيّ شكّ أو تشكيك، أنّ ما نعتناه مرات عديدة بـــ«الهندسة الدّستورية» لدستور 27 جانفي 2014

منخرمة تماما وهي غير قادرة على حل الأزمات العديدة والمتعدّدة التي اندلعت، أو التي قد تندلع، بين رأسي السّلطة التّنفيذية، أي من جهة، رئيس الجمهورية المنبثق عن الانتخاب الشعبي المباشر ومن جهة ثانية، رئيس الحكومة المنبثق عن الأغلبية البرلمانية، بقطع النّظر عن تعيينه إثر اقتراح من الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس النوّاب، أو إثر تكليف من رئيس الجمهورية للشخصية الأقدر إثر مشاورات مع الأحزاب أو الائتلافات والكتل النيابيّة.

ورغم وهنه ونقائصه العديدة، فإنّ الدّستور اقتضى عددا من الآليات لتجاوز الأزمات، أهمّها ما جاء صلب الفصل 101 من الدستور الذي يقتضي أن «ترفع النّزاعات المتعلّقة باختصاص كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدّستورية التي تبتّ في النّزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يرفع إليها من أحد الطرفين».

على أنّ المحكمة الدّستورية، التّي كان من المفرض دستوريّا تركيزها في أجل أقصاه سنة من تاريخ الانتخابات التشريعيّة، المجراة في 23 أكتوبر 2014، لم تر النّور بعد مضيّ 6 سنوات كاملة منذ إجراء الانتخابات التشريعية المذكورة، ولن ترى النّور في مستقبل قريب أو متوسط، ولا أدلّ على ذلك من رفض خليّة الأزمة بمجلس نوّاب الشعب، يوم 15 فيفري 2021، إحالة مشروعي القانون عدد 39 لسنة 2018 و44 لسنة 2020 المنقحين للقانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المؤرخ في 3 ديسمبر 2015 على أنظار الجلسة العامّة لإيجاد مخرج لمعضلة انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة.

وكما لاحظ ذلك أغلب المختصّين، وكما لاحظت ذلك أيضا المحكمة الإدارية في رأيها الاستشاري الصادر في 11 فيفري 2021، فإنّ المحكمة الدّستورية هي وحدها الكفيلة بحلّ أزمة التحوير الوزاري التّي كبّلت العمل الحكومي وأخذت منحى لا يليق بدولة حقّ ومؤسسات نجحت، على عكس غيرها من دول الربيع العربي، في امتحان الانتقال الديمقراطي وعطّلت تسلّم الوزراء الجدد الذين نالوا ثقة مجلس نواب الشعب منذ أسابيع، وأنها الوحيدة التي يمكنها التأويل الرسمي للدستور.

على أنّ سؤالا يفرض نفسه: في ظلّ غياب الحلّ القانوني لهذه الأزمة المؤسفة، ألا توجد بالدّستور آليّات أخرى لتجاوز الأزمات والفصل فيها ؟

للجواب على هذا السؤال لا بدّ من التّذكير بالفصل 99 من الدستور الذي ينصّ على أنّه يحقّ «لرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس نوّاب الشّعب التّصويت على الثّقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، مرتين على الأكثر خلال المدّة الرئاسية (...) فإن لم يجدّد المجلس الثّقة في الحكومة اعتبرت مستقيلة، وعندئذ يكلّف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في أجل أقصاه 30 يوما (...). وعند تجاوز الأجل المحدّد دون تكوين حكومة أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نوّاب الشّعب لرئيس الجمهورية الحقّ في حلّ مجلس نوّاب الشّعب والدّعوة لانتخابات تشريعية سابقة لأوانه (...). وفي حالة تجديد المجلس الثّقة في الحكومة في المرّتين يعتبر رئيس الجمهوريّة مستقيلا».
وهذه الآلية التّي يتمتّع رئيس الجمهوريّة بالمبادرة بتحريكها، من شأنها إمّا أن تثبّت الحكومة ورئيسها وإمّا أن تعطي زمام المبادرة لرئيس الجمهورية أو حتّى أن تؤدي آخرا لاستقالة رئيس الجمهوريّة.

والسؤال المطروح هنا، لماذا لم يلجأ رئيس الجمهوريّة لهذه الآليّة لفصل النّزاع الذي أثاره برفضه تسمية الوزراء إثر التحوير الوزاري وامتناعه عن قبول الوزراء الحائزين على ثقة مجلس النوّاب أداء اليمين أمامه؟

الجواب بسيط: لم يلجأ ولن يلجأ رئيس الجمهورية للحلّ المخوّل له بمقتضى الفصل 99 من الدستور لاقتناعه أنّه سيكون المنهزم في هذه المعركة، وهو الذي يعتبر نفسه دائما على حقّ وغيره في الضّلالة، إذ أنّه من المرجّح أنّ المجلس الذي أعطى ثقته للوزراء بأغلبية كادت تصل إلى الثلثين في بعض الحالات، لن يتراجع عمّا أقرّه، ولن يسحب الثّقة من الحكومة ولن يعيد، بناء على ذلك، زمام المبادرة لرئيس الجمهوريّة لحلّ المجلس. فرئيس الجمهوريّة، إضافة إلى نزاعه مع رئيس الحكومة الذي أزاح من عضوية الحكومة عددا من الوزراء المحسوبين على الرئيس، هو أيضا في نزاع مع مجلس نوّاب الشّعب الذي لا يقدر على التخلّص منه وهو يعلم علما يقينيا أنّ المجلس لن يصطفّ وراءه في حرب التحوير الوزاري. فآلية الفصل 99 وإن وجدت نصّا، فهي مستحيلة الاستعمال في هذا الظرف.

ولا يسعنا ختاما إلّا ان نعبّر عن أسفنا من تواصل الأزمة التي زادت تعقيدا بتعيين رئيس الحكومة لوزراء بالنيابة وبتوجيه رئيس الجمهورية لرئيس الحكومة رسالة خطية مع الإبلاغ بالتّسلم إثر التّسليم ممّا لا يخدم المصلحة العليا للوطن التي يبدو أنّها ضاعت بين القصرين. فالخروج من هذا المأزق قد استعصى وقنوات الحوار بين رأسي السلطة التنفيذية قد زادت انسدادا رغم الدّعوات لتغليب العقل والتّرفّع عمّا لا يسمن ولا يغني من جوع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا