«بدل السيستام»

ككلّ شهر جانفي من كل سنة عرفت بلادنا في الأيام الأخيرة موسم الاحتجاجات والمظاهرات الكبرى في الأحياء المتاخمة

لأكبر المدن التونسية من تونس إلى سوسة وعديد المدن الكبرى الأخرى .وقد تزامنت هذه الاحتجاجات الليلية مع حالة الحجر الشامل التي فرضتها الحكومة في محاولة يائسة لإيقاف النمو الصاروخي للجائحة والأزمة الصحية المستفحلة التي تعيشها البلاد .
وقد جاءت هذه التحركات والاحتجاجات في جوّ مشحون بعد تصاعد المواجهات بين قوات الأمن والشباب .فكانت حادثة الاعتداء الأمني على راع في مدينة سليانة والتي تناقلتها وسائل الاتصال الاجتماعي وساهمت بطريقة كبيرة في تزايد مخزون الرفض من الشباب لهذه الممارسات لقوات الأمن.إلى جانب هذه الحادثة يجب أن نشير إلى المواجهات التي جمعت مجموعة من محبي النادي الإفريقي مع قوات الأمن وإيقاف عدد كبير منهم إلى ساعة متأخرة من الليل في إحدى الثكنات الأمنية في ظروف اقل ما يقال فيها أنها غير محترمة .
زادت هذه المواجهات من مخزون العنف وحدته في العلاقة بين الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة بشكل عام والشباب المهمش في الأحياء الكبرى المتاخمة للمدن والتي تعاني من التهميش وغياب مؤسسات الدولة .وجاءت هذه المواجهات الليلية لتعبر عن هذه القطيعة والفجوة الكبيرة بين أحلام أبناء الثورة ومؤسسات وأجهزة الدولة .
وهذه التحركات الليلية الأخيرة ليست منفصلة عن الوضع السياسي والاجتماعي العام بل جاءت لتنخرط في سلسلة طويلة من الاحتجاجات الاجتماعية والاعتصامات في عدد كبير من الجهات الداخلية ومن ضمنها اعتصام الكامور والاعتصمامات المتواصلة في منطقة الحوض المنجمي .وتعبر هذه الاحتجاجات والاعتصامات المتواصلة منذ سنوات على عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها بلادنا وخاصة على عجز «السيستام» أو المنظومة الاقتصادية والاجتماعية عن إيجاد الحلول والإجابات الضافية لإعادة الأمل من جديد في قدرتنا على إنجاح هذه التجربة الديمقراطية .
• في أسباب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية
وفي رأيي وقبل الحديث وقراء أسباب هذه الأزمات لابد لنا من القيام بملاحظتين منهجيتين هامتين .
الملاحظة تخص الخروج والابتعاد عن منطق المؤامرة في فهم الأحداث الأخيرة .ومنطق المؤامرة يحاول إلقاء المسؤولية على الآخر ورفض الإقرار بمسؤولياتنا ومساهمة اختياراتنا السياسية والاجتماعية في إذكاء فتيل المواجهات وإشعال نار المواجهات الاجتماعية .فحسب هذه القراءة فإن الأحداث والمواجهات هي نتيجة لعمل فئات ضالة تحركها قوى خفية هدفها إدخال بلادنا إلى مربع الفوضى والعنف .
ولبناء قراءة متأنية وتحليل جدّي لهذه الأزمات الاجتماعية لابد لنا من القطع من الناحية المنهجية مع هذه المقاربة وبناء منهجية جديدة تسعى إلى فهم الأزمات من خلال قراءة أخطاء سياساتنا واختياراتنا الكبرى ومواقع الفشل فيها.
ويكمن المطبّ المنهجي الثاني والذي يجب تفاديه في التأكيد على أن هذه الأزمات هي نتيجة الثورة وأن بلادنا كانت في أحسن حال قبل هذا التحول السياسي الكبير ذات شتاء منذ عشر سنوات .وهذه القراءة لا تستقيم لسببين على الأقل .السبب الأول هو أن الأزمات الاجتماعية بدأت في الظهور والبروز منذ بداية الألفية مع أزمة العقد الاجتماعي .فقد عرفت بلادنا منذ تلك الفترة صعود البطالة وخاصة بطالة أصحاب الشهائد .كما شهدت هذه السنوات التصاعد الكبير للتفاوت والتهميش الجهوي والذي أدى إلى بدايات الانتفاضات والتحركات في الجهات ومن ضمنها انتفاضة الحوض المنجمي.والسبب الثاني في رأيي هو صعوبة - إن لم نقل استحالة- العودة إلى الوراء التي تطالب بعض الأحزاب السياسية .
إن فهم وقراءة الأوضاع الاجتماعية لابدّ له أن ينطلق من «السيستام» نفسه وليس من الماضي أو من خارجه كما تسعى لذلك نظرية المؤامرة .وهذا الاختيار المنهجي هو الوحيد في رأيي الذي سيمكننا من الوقوف على أوجه العجز والفشل في اختياراتنا ومحاولة «تبديل السيستام» من خلال تحديد سياسات واختيارات جديدة .
وفي رأيي فإن عجز «السيستام» وفشله يكمن في أربع مسائل أساسية.المسألة الأولى تهم التحولات الكبرى التي عرفتها بلادنا في العشريتين الأخيرتين ومن ضمن هذه التحولات يمكن أن نشير إلى تطور المدن الكبرى وظهور أحزمة ذات كثافة سكانية عالية ستصبح مجالات كبرى للتهميش أمام عجز وعدم قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وثقافة وأمن .وستصبح هذه الأحياء مجالا للرفض والعنف وللمواجهات المستمرة مع أجهزة الدولة التي اختارت الحل الأمني للتعاطي معها .
كما يمكن كذلك أن نشير من ضمن هذه التحولات إلى التطور الكبير للتعليم العالمي والذي نتج عنه نمو كبير لعدد المجازين والذي تجاوز 60 ألف مجاز سنويا .إلا أن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية أصبحت غير قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من المجازين مما فتح الباب على مصراعيه لتطور بطالة أصحاب الشهائد والذي سيلعبون دورا كبيرا في التحركات الاجتماعية الكبرى التي تعرفها بلادنا منذ بداية الألفية .
وفي مجال التحولات الكبرى يمكن كذلك أن نشير إلى النظام التعليمي والذي سيعرف تراجعا كبيرا وعجزا عن تكوين الآلاف من الأطفال والشبان .وسينتج عن هذا العجز نمو كبير للانقطاع المدرسي والذي وصل إلى حدود 100 ألف سنويا .ويشكل هؤلاء الآلاف هدفا للعنف وبائعي الأوهام من الحركات الأصولية أو تجار الموت للهجرة السرية .
يمكن أن نشير إلى عديد المظاهر الأخرى للتحولات الكبرى التي تعرفها بلادنا إلى جانب التي ذكرناها .وفي رأيي فإن هذه التحولات تعبر عن عجز «السيستام» عن متابعتها وعلى تقديم الإجابات والسياسات الضرورية لتجاوزها .
أما السبب الثاني لازمة «السيستام» فيكمن في رأيي في مواصلة السياسات التقليدية التي سادت في مجال السياسات العمومية في العشرين سنة الأخيرة .ولم يقتصر إعادة إنتاج القديم على مجال معين بل شمل أغلب المجالات من الاقتصاد إلى التعليم مرورا بالثقافة والصحة.فلم تتمكن المنظومة السائدة إلا من إعادة إنتاج نفسها ولم تكن قادرة على التجديد والخلق والإبداع وتصور سياسات جديدة .
ويعود السبب الثالث لازمة «السيستام» إلى ترهل مؤسسات الدولة وعجزها عن بناء رؤى وبرامج استشرافية للتعاطي مع التحولات الكبرى التي نعيشها.وأصبحت هذه المؤسسات جزءا كبيرا من الأزمة التي يعيشها «السيستام» باعتبار اجترارها لنفس الحلول والمقاربات التقليدية والقديمة .
أما السبب الرابع لهذه الأزمة المتعددة «للسيستام» فتعود في رأيي لهيمنة الرؤيا الحداثية في مؤسسات الدولة وعند النخب .فالدولة عند هذه النخب تمتلك الحقيقة المطلقة التي يجب على العموم الالتزام بها وتطبيقها بحذافيرها وعدم الزوغ عنها.
وبالتالي فإن مؤسسات الدولة تعمل على تطبيق اختياراتها والدفاع عليها «بكل حزم» وإذا لزم الأمر باستعمال العنف .وهذا التمشي ينفي عملية الاستماع والإصغاء للأخر خاصة من الشباب الرافض للتسلط والذي يتوق الى الرفض والتحرر .
تشكل هذه المسائل الأساسية أسباب أزمة «السبيستام» وعدم قدرته عن الإجابة على التحديات الجديدة .
• «بدل السيستام»
هذه الأزمات المتعددة تتطلب تغييرا جذريا في «السيستام» .وبهذا المعنى يختلف هذا المطلب جوهريا عن مطالب الحركات الشعبوية والفوضوية والتي تسعى إلى تهديم مؤسسات الدولة وبناء مؤسسات جديدة على أنقاضها .في رؤيتنا «نبدل السيستام» هو مشروع يهدف إلى إعادة النظر في الاختيارات والتوجهات الكبرى ومنظومة الحكم وإعادة بناء مشروع عقد اجتماعي جديد يعيد الأمل في قدرتنا على بناء تجربة تاريخية جديدة في بلادنا .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا