طبيعة الصراعات في تونس بعد الثورة

بقلم هيثم الزواري
إن المراقب للشأن التونسي لا يمكنه أن يتغاضى عن تواتر الصراعات التي تخاض داخل المجتمع خاصة بعد الثورة.

و ربما يكون تواتر هذه الصراعات دون حسمها أحد أهم أسباب عدم الرضا عن تمشي ما بعد الثورة و تحولاته فيبدو و كأننا في حلقة مفرغة ولم نتقدم قيد أنملة، في كل فترة نستعيد نفس الصراعات وهو ما يمكن أن يكون قد أدى إلى تفشي الإحباط و غياب الأمل في التغيير .
لكن هذه الصراعات في أغلبها أقدم من الثورة فهناك تحولات مهمة عاشها المجتمع قبلها و تم خوضها في معارك بين الشعب أو مجموعات منه و أجهزة السلطة فمنها معارك فرضتها السلطة على الشعب (التجربة التعاضدية ، إضعاف البنية العروشية..) أو معارك فرضتها مجموعات على السلطة (تطبيق أحكام الشريعة، الحريات وحقوق الإنسان، التنمية في الحوض المنجمي..).

ولم تكن هذه المعارك تخاض في شكل صراعات بين مجموعات من الشعب. بل كما ذكر سابقا بين السلطة ومجموعات منه مثلا في 2008 خاض شباب الحوض المنجمي معركة مع السلطة من أجل المطالبة بالتشغيل و التنمية تم خوض هذه المعركة في عزلة عن باقي المناطق سوى بعض اللجان التي شكلت لمساندة هذه التحركات وقد حسمت ظرفيا بالقمع الأمني و إنشاء شركة البيئة و الغراسات.

لكن بعد الثورة سرعان ما تواترت الصراعات و تعددت معها صراعات تم استعادتها من الذاكرة و منها صراعات جديدة و أصبحت كل المعارك يتم تبنيها من الشعب و تتحول إلى صراعات بين مجموعات منه مثلا أحداث الكامور أدت إلى انقسام في الشعب فهناك من ساند تحرك الشباب و هناك من عارضه كما حصل انقسام إثر الصراع بين يوسف الشاهد والباجي قائد السبسي.

كل ما طفا فوق السطح بعد الثورة يعود بالأساس إلى المتناقضات التي وجدت داخل المجتمع بين مناطق داخلية ومناطق ساحلية. بين تقليدي أو محافظ وحداثي. بين جيوب الفقر في المدن الكبرى وأحيائها الراقية... فنجد في تونس وعلى نفس الأرض معارك محمولة على المجتمعات المتخلفة (مثلا تونس تخوض منذ سنوات معارك مع المجموعات الإرهابية التي تسيطر على جزء من مجالها الجغرافي وهو نفس الحال في الصومال ومالي والنيجر) ومعارك محمولة على المجتمعات المتقدمة (مثل النقاش حول حماية المعطيات الشخصية إثر تركيز كاميرات مراقبة أو بطاقة التعريف البيومترية).

على المستوى الاجتماعي
من الصراعات المحمولة على المجتمعات المتخلفة نجد قضية المرأة وحقوقها التي تصدرت المركز الأول في الصراعات داخل المجتمع. وهي أكثر قضية تم خوض معارك من أجلها منذ الثورة وأهمها كان في صياغة الدستور في اعتبار المرأة مساوية أم مكملة للرجل ومعركة المساواة في الميراث. صحيح أنها تحققت عدة مكاسب للمرأة منذ الاستقلال لكن وضعها لازال متخلفا وفق ما كشفه تقرير لجنة الحريات (Colibe) وهو شبيه في جوانب عدة لوضع المرأة في المجتمعات المتخلفة من ناحية الأحوال الشخصية أو حتى من ناحية الاستغلال الاقتصادي وهو ما يتجلى في وضعية المرأة الفلاحة.

كما بقي المعطى العروشي حاضرا بقوة و كان يعود ليطفو في كل مرة خاصة عند رفع المطالب حول التشغيل و التنمية فمثلا الانتدابيات في شركة فسفاط قفصة تكون ظاهريا حسب معايير موضوعية في إطار مناظرات إلا أنها في الواقع دائما ما تراعي المعطى العروشي و في الحالات التي لم تراعي هذا المعطى أدت إلى احتجاجات واسعة رافضة لنتائج المناظرات. كما هو الحال بالنسبة لاعتصام الكامور فمن نتائج الاتفاق تم تقسيم مواطن الشغل في الشركات البترولية و شركات البيئة حسب المعتمديات ظاهريا لكن كان تقسيما حسب العروش بحكم ترابط المجال الجغرافي للعروش بالتقسيم الترابي للمعتمديات.

ومن الصراعات التي نجدها في المجتمعات المتقدمة تطرح معارك تعنى بالمساواة في الأجور بين الرجل والمرأة في القطاع الخاص و هذا صراع مطروح اليوم في فرنسا و حماية المعطيات الشخصية حيث توجد هيئة معنية بهذا الموضوع وقضية المثلية نجد جمعية قانونية معنية بالدفاع عن حقوق المثليين و راديو واب خاص بهم و الحريات الجنسية وحقوق الحيوان فعلى سبيل المثال يتحرك المجتمع المدني عند قنص الكلاب السائبة والمسألة المناخية يتم اليوم دراسة إدخال ضريبة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (taxe carbone). إضافة إلى الانفتاح الواسع من جميع طبقات الشعب وفئاته على مواقع التواصل الاجتماعي بكل ما يتبعه من تمكن من التكنولوجيا وتولد صراعات عبرها.

على المستوى الاقتصادي
يقوم الاقتصاد التونسي في الميدان الصناعي مثلا على أنشطة ذات قيمة مضافة ضعيفة حتى وإن كانت في مجالات الصناعات الإلكتروميكانيكية فهي قائمة على تشغيل يد عاملة غير مختصة بنسبة تأجير منخفضة وبنسبة تأطير ضعيفة جدا وهو حال عديد الدول المتخلفة مثل بنغلادش أو باكستان. ومعظم المؤسسات هي عائلية تخضع في تسييرها إلى منطق الدم لا منطق الكفاءة.

وحال القطاعي الفلاحي لا يختلف عن حال القطاع الصناعي فهو قائم أساسا على طرق إنتاج بدائية بعيدة عن الوسائل الحديثة و استغلال مفرط للنساء في ظروف عمل هشة بأجور ضعيفة لا تكفي لسد رمقهن وهنا يتجلى مظهران للتخلف من ناحية مرابيح الفلاح متأتية من استغلال العمال فهو إن مكنهم من ظروف عمل إنسانية لا يمكنه تحقيق مرابيح و من ناحية أخرى كل هذه العمالة المستغلة هي نسائية.

على مستوى الإدارة نجد عددا متضخما من الموظفين البيروقراطيين في نسبة كبيرة منهم بدون مهام حقيقية (رغم أن ارتفاع عدد الموظفين هو من أحد خصائص الاقتصادات المتقدمة إلا أن دوافعه تختلف في تونس فهي شبيهة بدوافع الاقتصاد السوفياتي هدفها هو تشغيل الأفراد) نجد مثلا في تونس مدرسة تشغل 130 حارس كما أن الدولة أقامت شركة بوظائف وهمية مثل شركة البيئة والغراسة لاحتواء البطالة.

و من الجوانب المتخلفة في الاقتصاد هي أن في جزء كبير منه غير منظم يتمثل في سيولة تقدر4 مليار دينار حسب محافظ البنك المركزي ونسب بطالة مرتفعة16.2 % و خاصة بطالة متفاوتة بصفة ملحوظة بين الجهات من 6 % أقل نسبة بطالة إلى 42 % أعلى نسبة حسب المعهد الوطني للإحصاء وبين الأجناس 12 % لدى الذكور و 22 % لدى الإناث و نسب فقر متفاوتة بأكثر حدة تتراوح بين 0.2 % و 52 %. إضافة إلى أنه منفر للشباب ويجعله يتتوق للهجرة إلى الغرب سواء بالهجرة غير النظامية21000 مهاجر السنة الماضية أو النظامية 96000 بين 2011 و 2017.

وفي نفس الوقت نجد جوانب متقدمة في الاقتصاد التونسي مثل المطالب العمالية حول تحسين ظروف العمل تحت يافطة منظمة عمالية فاعلة وذات تمثيلية واسعة. ونجد محاولات لخلق مؤسسات ذات قيمة مضافة عالية في مجال الذكاء الاصطناعي مثلا شركة InstaDeep التونسية التي تتعاون مع شركة BioNTech لتطوير بحوث في مجال العلاجات المناعية. وتطرح مشاريع طموحة للتحول الطاقي 30% من القوة الكهربائية من مصادر متجددة في 2030 والفلاحة الإيكولوجية والانتقال الرقمي. ومطالبات بالعدالة الجبائية واستقطاب لليد العاملة الأجنبية والدفاع عن حقوق المهاجرين (سلم الإتحاد العام التونسي للشغل إنخراطات لعمال أجانب في تونس).

على المستوى السياسي
اتسمت مرحلة ما بعد الثورة بالديمقراطية. وكانت الأدوات التي تم استعمالها تقوم أساسا على الدين والجهوية والإيهام بوجود ثروات باطنية منهوبة وتوزيع المساعدات العينية أو طروحات هلامية غير قابلة للتطبيق في غياب شبه كلي لبرامج سياسية شاملة. وكان الجانب الديني حاسما في كل المواعيد الانتخابية. ومن الجوانب المتخلفة أيضا تعدد الدعوات منذ الثورة إلى اليوم لمسك السلطة من طرف الجيش أو حتى تمكينه من تسيير بعض المؤسسات مثلما حدث في المستشفى الصيني وتواتر طرح إمكانية حدوث حرب أهلية (عند تسليم الرباعي الراعي للحوار جائزة نوبل للسلام تم التنويه بدورهم في منع وقوع حرب أهلية في تونس). وفي نفس الإطار ظهرت الحركات الإرهابية فكانت هذه الحركات تسير دوريات شرطة مسلحة ( ظهرت دوريات لشرطة سلفية تجوب الشوارع في صفاقس بعد اغتيال الشهيد شكري بالعيد) و تقوم بفض النزاعات ( في ولاية بنزرت مواطنون يستنجدون بالسلفية الجهادية لفض نزاعاتهم) و تسير حملات توزيع الإعانات ( تنظيم أنصار الشريعة كان يقوم بحملات توزيع إعانات عينية على الفقراء) و تتحكم في عدد كبير من المساجد حتى أنها سيطرت على بعض المجال الجغرافي و أصبحت تتحكم فيه (سيطر تنظيم أنصار الشريعة على منطقة سجنان و إلى اليوم تتمركز جماعات إرهابية في جبال القصرين) واكتسبت نوعا من الحاضنة الشعبية (تم توقيف عديد الأفراد إثر احتفالهم بعمليات إرهابية استهدفت أبطال المؤسسة العسكرية والأمنية) وهذه الأحداث شبيهة بما يقع في أفغانستان في المناطق التي

مازال يسيطر عليها تنظيم طالبان.
كما يتسم المناخ السياسي بتواتر الاتهامات الموجهة للقضاء بعدم النجاز خاصة في قضايا الاغتيالات و التستر على الفساد.
في نفس الوقت هذا المناخ الديمقراطي أظهر قدرة على تجاوز الخلافات الظرفية الحادة داخل أطر غير تقليدية مثل الحوار الوطني. كما تولد عنه دستور يحمي الحقوق والحريات ويعطي سلطات موسعة لامركزية. إضافة إلى دور فاعل للإعلام في تشكيل الرأي العام (رغم أن استيراد النفايات المنزلية في حد ذاته هو مظهر من مظاهر التخلف الا أن كشفه في برنامج تلفزي وتعهد القضاء به هو مظهر متقدم). وزيادة تدخل المرأة في عديد المجالات. كما شهدنا على عديد الانتقالات السلمية للسلطة أهمها إثر وفاة الرئيس السابق.

إن تكدس كل الصراعات التي سبق ذكرها أدى إلى هذا الجمود في الفعل والإنجاز السياسي الذي لن يتم تجاوزه إلا بالحسم في هذه الصراعات التي لم تحسم. حتى وإن خيل لنا أنها حسمت تعود لتطفو على السطح خاصة تلك التقليدية (مثل صراع الهوية رغم أنه أعتبر قد حسم في دستور 2014 إلا أنه يعود دائما للبروز ويحجب على كل القضايا الأخرى). إن كل هذه الصراعات مترابطة ولا يمكن حسمها الا من خلال نظرة شاملة للدولة في المستقبل والعمل على تحقيقها. وتكون هذه النظرة نابعة من عقل سياسي يتشكل في قوة سياسية ويبلور في برنامج دقيق. وتجزئة هذه الصراعات لا يؤدي إلى حلها فمثلا يمكن حل مشكلة المالية العمومية بالترفيع في الناتج الداخلي الخام وذلك يكون بإقحام مجموعات جديدة في الدورة الاقتصادية ومن أهم المقصيين من الدورة الاقتصادية هم الشباب والمرأة ولإقحامهم وجب تمكينهم من وسائل الإنتاج ولا يمكن تمكين الشباب والمرأة في ظل فساد سياسي ونفوذ لهياكل تقليدية مثل العرش والعائلات وسيطرة العقلية الذكورية.

وإن كانت هذه الصراعات في ظاهرها ناتجة عن الثورة إلا أن أغلبها قديمة ولم تتمكن آليات السلطة القمعية من حسمها حتى وإن تمكنت من تغطيتها لفترة أو التخفيف منها بشكل كبير إلا أنها مازالت موجودة وحاضرة.

وربما تكون الديمقراطية فرصة سانحة لفض هذه الصراعات. هذه الديمقراطية التي مكنت المجموعات التي تشكل المجتمع من معرفة بعضها البعض والتي سهر النظام قبل الثورة إلى فصلها وعزل كل منها على الأخرى. وبفضل الثورة تتولد حلول نابعة من المجتمع وليست مفروضة من السلطة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا