قراءة نقدية: «السماء حريث والغيوم بيضاء»

بقلم: لطفي عيسى
لا أعتقد أن هذه الاطلالة الناجمة عن قراءة قطاف كمال الهلالي البكر يمكن أن تعين في فك شفرة كلام أزلي مكتفي بذاته لا يحتاج إلى مزيد توضيح. تسع أقاصيص

عُرضت على قرائها متساندة مثل حركات قطعة موسيقية ملهمة احتاجت عملية تخليقها إلى عشريتين، قبل أن يَقبَل محبّرها بتقاسم عوالمها الشفافة التي حوّلت «الأرض إلى مسجد كبير» يضج بتسابيح من أضنتهم وحشة العيش على أديم «خذله الله». حكايات انجلت عن أزمنة سرمدية وأفضية طرفيّة تنكفئ الحياة داخلها ويرتدّ النظر في آفاقها خاسئا حزينا من فرط الجهد وضعف السبب والتسبب.

في طقوس سرد هذه المجموعة القصصية الأولى التي اختار لها واضعها عنوان فارقا بين زمنيتين «أحد يموت في الجنوب»، آصرة لافتة بأجواء تحضر بقوة ضمن كتابات أدبية غالبا ما يدلجُ المرء في قراءتها بنفس عميق ومن دون توقف. لم يشدني إلى تلك الأقاصيص مستجلب الحكايات الغربية أو حدّية التمزقات التي طالت أبطالها أو فاعليها، بل استهوتني شاعرية شذرات مجسدة للوحات مسترقة ومكثفة، تحيل على ذكريات مستقلة عن بعضها البعض أو متضامنة على شاكلة ما يعرضه أدب اليوميات أو قصائد النثر.

في قراءة هذه الحكايات القادمة لتوّها من خزانة ذكرات الطفولة ومن دمار الحاضر الذي انفعلت لصروفه ذائقة الصُحفي أيضا، تساند مع كتابات تماس نسَجَت لمتابعيها وفق ضروب شفافة من التأمل الخالص برزخا يقع بين عالمين. فقد باغتتنا حال متابعة تلك الحكايات طقوس للكتابة ترد كالصدى إلى خواطر صاغها الأديب الفرنسي «كرستيان بوبان Christian Bobin» ضمن مؤلفه «الجزء المفقود La part manquante» مثلا، وكذا إلى العوالم الخاصة لرواية القصاصة الهندية «أوري أرونداتي» «إله الأشياء الصغيرة».

فقد اعتبر من لا نتهيب عن تسميته بـ»مسيح ما بعد الحداثة» أن كتابة الخاطرة لديه تشبه إلى حد كبير ما تأتيه العصافير غريزيا مع الأغصان العارية للأشجار، عامدة إلى تثقيفها بغرض غزل خيوط رهيفة تبني بها أعشاشا ينجلي نسجها عن مهارة هندسية مربكة. فقد اعتبر «بوبان» أن فعل الكتابة لديه «لا ينطوي على أي انسجام مع العالم الذي يحيط به، بل يأخذ شكل الكشف مع صعوبة جمّة للتواؤم مع ما يعيشه الناس من إحن وأرزاء. لذلك فحتى وإن قرّبت الصدف أحيانا بيننا وبين شيء ما، فطالنا لطف سرمدي خفيّ يشبه رفيف أجنحة النور الغامرة للوجوه أو لمعان برق في دواة حبر، فإن العشق يظل نزوع إلى الفرار والرغبة مطيّة للتيه وخالص الإرادة لن يسعه دائما هزم ما تخبئه الأقدار.»

ذاك تحديدا ما يدفعنا إليه تصفح رواية «إله الأشياء الصغيرة» لما نخال أننا بصدد مشاهدة العالم وكأننا نراه أول مرة. فلدى مؤلِفة هذه الحكاية سر طفولي ما، مع قدرة لا تمارى على الدهشة، بحيث ترى العالم بعيني صبي قادر على استجلاب استعارات دقيقة تشف عن حكمة أزلية وبصيرة محتشدة خصبة. أشياء صغيرة تصنع الحياة من حولنا وتأخذ بيدنا لتجعلنا نلمس كل تفصيل من دون متاجرة أو تصنّع كاذب، بل ببساطه شديدة وبنية متشابكة من التفاصيل المكثفة الدقيقة وحساسية عالية تزيل الستار عن أشكال تفكير كل شخصية واضطرام أحاسيسها أيضا.

سر الحكايات الجميلة يكمن في كونها لا تنطوي على أسرار. فالقصص العظيمة هي تلك التي سمعتها وتريد أن تسمعها مرارًا. يمكنك أن تدخلها من أي مكان وتأوي إليها مستكينًا. فهي لا تخدعك بالإثارة والنهايات المباغتة، ولا تصيبك بالذهول والدهشة بما لا تتوقعه. إنها اعتبارية ومألوفة مثل البيت الذي تسكنه، أو رائحة جلد حبيبتك الذي أدمنت عبقه.
مدهشة هي أعمال البدايات في تكرارها المبهج حتى وإن احتاج أمر اجتراحها إلى عقود من التدبّر الهادئ والتهيب من الإسراع في الدفع بها إلى المطابع، بحيث لا يغتال ضمنها زمن المراكمة والنضج والاحساس بالساعة الجوانية التي لا تتكلم إلا حال التوفّر على ما يُقال حقًا، بينما يبدو الجميع في صراع مع الزمن قصد إنجاز الكثير واختطاف بارق النجاحات.

لكن ما الذي يريد مؤلف أقاصيص نبأ انطفاء شعلة الحياة في واحد من سكان جنوب بلاد راحلا عن عالم الشهادة والناس، أن يبلغه لمن قد تستوقفه في زحمة الاخبار عروضه المقتصدة والمتدبرة؟ لا شيء في اعتقادنا سوى نشر ألبوم من الصور يعيد تركيب مسارات عاثرة انغلق عليها الزمان بالكامل فاستعادتها ذاكرة المؤلف دون أصباغ من هوة القرار الأزف بأرواح أبطالها. نثار من الحكايات أقرّ صاحبها بأن «الموت مبثوث في هوائها كالحياة تماما فهو صنوها وتوأمها» يعيشها بين وصل وفصل ويقظة وهجعة أناس مغرقون في العادية.

فأيّ شيء يمكن أن يدفع إلى تعقب حركة غراب في ظهيرة خريف قائض؟ إن لم يكن جنة من ماء ونحيل وأدغال رمان وجداء وأبقار موعودة لثور يعتليها، وجسد بضّ لوافدة استباحت عشبا مدخرا للأيام العجاف ينتهك جمالها الأخاذ وقار شيبة انفرطت عن اتّزانها المتدبّر. وأي سراب مخاتل في براح صحراء تترامى كثبانها على شكل نهود عالية بلا حلمات، تخترقها في وجوم جنائزي سيارات العائدين وشاحنات المهرّبين وحفلات السواح ونعوش المعدومين وصلصلة الرياح؟ انقضت عشيات الأصيل بشموسها الدافئة بالعامرية فاستسلم «كلب عجوز...» إلى سريان هادئ في مجرى نهر الفرات بعد أن غمرت السماء «طيور حديدية بأجنحة غريبة تلقي ببيضات سوداء». في مدن النحاس ذات الأبواب المحكمة الغلق يمعن وافد في الطرق حتى يدلف إلى الداخل ويرمى كل من بقوا خارج الأبواب بأحجار تحول بينها وبين الخارج أسوار المدينة النحاسية الشاهقة.

ثم أي مصير بائس يمكن أن يسوق «دوجة» المعتوهة، تلك التي نبتت كـ»شجرة عرعار بشكل متوحش ودون تدبير من أب أو إله»، إلى حتفها بعد أن تسرب لجوفها في غفلة ممن أحاطوا بها وهج الذكورة ومخاطه الحار، فأورثها رهقا نفخ بطنها المعاق، وهي المكتفية من دهرها بـ «الهواء والنار ورائحة التراب، حتى أضحى «الغراب أخ منحوس مثلها والريح

أخت متآمرة»؟
الطريق إلى الجنة في «أحلام دادا رمضانة» محفوفة بأدراج عالية قدّت من أغضان العنب، لتصطف عند بابها ديار وغابات وزرائب يأوي إليها رهط أليف من الجيران وأعزّة اختطف ملاك الموت جميعهم فآبوا إلى عالم أفضل، رُضّعٌ لم تساعفهم الحياة فقضوا في رفّة عين، محرز، ورشيد، وإبراهيم، والحبيب، وربح ابنة العم، و»داد بركانة» و»سيدي التركي» و»تركية» و»عيشة» و»ذهبية» التي أوت إلى ربها عاقرا فردت عليه مناديله لأنه لم يمنّ عليها كغيرها من النساء بالولد وابن الولد.
قبلت الـ «داد» في هجعة الرؤيا دعوة الجميع للاحتفاء بختان من فقدته من صبيتها، منشدة في لوعة المشتاق:

«شيعتهم بالعين حتى اللّي راحوا
حسيت القليب في الجواجي طاحوا
شيعتهم حتى اللّي اتقّوا
حسيت القليب مع الجواجي رقّوا

بينما كان «لص السلالات» يتربص بحلم عجوز تستعد لفراق أبدي، لم يخيب ابنها «الناجي» ظنها فوضعت وزجته، في «انشغال من الله باللانهائي وبكواكبه ونجومه ومجراته»، وريثا ذكرا يحفظ السلالة ويكفي العائلة غائلة إنجاب الإناث اللاتي اصطفين في المشيئة لـيَسْكُنَّ شغاف «رجالهن البعيدين». وكان الغرباء من ذوي الشعور الغزيرة واللحيّ المرسلة ينشرون الدمار في قلوب سكان قرية عراقية مكلومة طال السبي بناتها ولم يعثر رجالها على نزر من الماء لتجهيز زوجتهم قبل أن يواروا جثثهن التراب ويتركنهن لهجعتهن الأبدية.

ذاك عالم خذله الله وأفسد حقد بغيض وشرّ محض ماء آباره. «الماء والكلأ والله لا يجوز أن يمتلكهم أحد»، تماما مثل شوق المعدومين إلى الحرية وحقهم في العيش بـ «كرامة دون عون من إله أو من ملاك أو من أبطال خارقين»، فـ «الأرض مسجد كبير» لا يليق بالآدميين إلا السعي إليه «خفيفين كفكرة عظيمة» لا ترهقها كوابيس السفلة من الأشرار، أولئك الذين زينت لهم أضغاثهم «أن الله لا يحب إلا الأغنياء».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا