ماذا بعد الخوف الشديد من فقدان التوازن والسقوط؟

رجعت تونس «تخض» من جديد. مؤشرات سلبية متراكمة وغليان اجتماعي وبهتة سياسية. وقد زاد تأثير الوباء على قديم التبعثر

المشط في كل المجالات. انتظر التونسيون من صناديق انتخابات 2019 أن يطلع منها حل فطلعت منها مشكلة. عودة جديدة إلى نقطة الصفر في ظرف نال فيه الاعياء من الكثير وخاصة ممن يتحملون أثقل وزر التعطل والتعثر و«الهزان والنفضان» من الطبقات الاجتماعية في أسفل الدرك. وصل عدم تناغم وعدم انسجام الحكم إلى الذروة. تحدي الدولة أصبح القاعدة في التعامل لأن الدولة في حالة عجز تام ومتواصل عن تقديم الحلول الدنيا والحياتية. فقدان الثقة وغياب الأفق جعل بلادا كاملة بدون بوصلة «تسير على الهامش». لا الأغلبية البرلمانية فقط والتي لا يعرف أحد شيئا عن ظروف وشروط تكوينها ولا الأقلية المتبقية قادرة عن أي فعل خارج التناحر والتلاسن والمناكفة. شأن سياسي يتسم بقيام حكومة بدون أي سند لأن ميلادها جاء عن طريق أزمة حزبية جامعة مانعة. رئاسة جمهورية متدثرة بالصمت الرهيب أمام النيران الاجتماعية المشتعلة. في قلب الدولة، بين الحكومة والبنك المركزي والبرلمان، عجز عن التواصل والتفاعل عجز عن تقريب وجهات النظر لتوفير القليل الممكن من الحلول. شركاء دوليون يتفرجون على عجائب تونس وعلى عقم طبقتها السياسية. أمر عام يتسم بفقدان أخطر وأكبر عنصر للتحكم في مصير أي بلد ألا وهو القيادة السياسية. هناك انقسامات انتهازية وجانبية أدت إلى إضاعة اللحمة المتجانسة الدنيا الضرورية التي تمكن من الحكم. إصرار على الصراع الأقصى صلب نفس المركب إلى أن ينقلب المركب بالجميع وعلى الجميع. مشاريع مبادرة على اليمين وعلى الشمال دون أن نفهم مسبقا محتواها وقواها وأدواتها وما لديها من حظوظ جدية في النجاح. انفلات اجتماعي وجهوي شامل يجعل مختلف الأطراف تساند التحركات الاجتماعية حتى لا تفلت منها وفي نفس الوقت تشتكي من النزعة نحو الانفلات لأنها تقوض الدولة. وضع الواقع المنخرم ميدانيا يستفحل باللخبطة السائدة واختلاط الأوراق والتلاعب بالعقول. أصبح الكثير يتحدثون عن ثورة جديدة دون أن نعرف ثورة ضد أي سلطة وأي حكم وأي منظومة مادامت كل الأوراق متداخلة ومتشابكة إلى أبعد الحدود. كان الاتحاد قد أطر إلى حد كبير الثورة السابقة فمن الذي سيؤطر اللاحقة؟ إن أي نوع من أنواع الثورة المتحدث عنها لن يكون إلا مجرد استفحال للموجود بانعكاسات أكثر قساوة من اليوم. لا بد من الوصول إلى الاستنتاج الجماعي بأن مزيد تمزيق ما تبقى من نسيج اجتماعي ومن مقومات دولة سوف يكون نوعا من الانتحار الجماعي ولا شيء آخر دون ذلك. الحل العاجل ومفتاح كل الحلول يتمثل في العودة إلى الإنتاج رغم كل الظروف القائمة والمعروفة، بما فيه مع التركيز الأولوي على المسألة الصحية وما يمكن أن تسمح به من هامش للتحرك. الإنتاج وحده، بالإحاطة الاستعجالية والفعلية بكل المؤسسات المعطلة، العمومية منها والخاصة، هو القادر على حلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي وفتح أفق أدنى وخارج أي شعبوية لمسائل التنمية الجهوية والحاجيات الاجتماعية وعلى رأسها التشغيل، التي لا ولن تكون بتقديم أجور مجانية مقابل شغل وهمي بشركات بستنة خيالية. كما أن التنمية لم ولا ولن تكون بالتطاحن الجهوي كل يريد «تسكير الفانة»، فتلك «همجية» ستعود بتونس قرونا إلى الوراء. نجاح كل جهة مرتبط بنجاح كل الجهات في نفس الوقت ودون أي استثناء. لكن القضاء على مراكمة تعطل تنموي جهوي دام نصف قرن لن يتم بالضغط على زر. خلاف ذلك أوهام تسوق من هنا وهناك للبيع الشعبوي. في البلاد ما يكفي من الكفاءات والقدرات، داخل المؤسسات والمنظمات والهيئات وخارجها وهي قادرة على بلورة الحل الوطني المطلوب. أما إذا توقف الحل على ما جاءت به انتخابات 2019 من كومة من الرماد الكفاءاتي والسياسي، فلن يبقى إلا الالتجاء إلى سيدي بن عروس وسيدي محرز وسيدي بالحسن الشاذلي لإنقاذ تونس من السقوط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا