إضراب المهندسين القادم، صرخة فزع لضمان حقوقهم

بقلم : شوقي البرنوصي
أعلنت عمادة المهندسين التونسيّين عن إطلاق إضراب سينفّذه منظوروها بالمؤسّسات والمنشآت العموميّة

وذلك أيام 30 نوفمبر و01 و02 ديسمبر 2020، وذلك مطالبة بتمتعهم بالزيادة الخصوصيّة التي مُنحتْ لزملائهم بالوظيفة العموميّة وفق اتفاقيّة تمّ توقيعها مع الحكومة التونسيّة يوم 05 سبتمبر 2019. يأتي هذا التحرّك في خطوة تصعيديّة بعد أن تمّ تجاهلت الحكومة التونسيّة والإعلام مطالب المهندسين التونسيّين، وهو ما يعتبر تهميشا وإهانة كبيرين ويعكس فعلاً واقع المهندس المرير في تونس خصوصا في القطاع العموميّ.
ناقوس خطر ضدّ التهميش
يعمل المهندسون التونسيّون في صمت منذ سنوات، لم نسمع قبل الثورة أو بعدها بإضراب نفّذوه مقارنة بالقطاعات الأخرى من نفس الدرجة كالأطبّاء والمحامين والقضاة والأساتذة الجامعيّين، وهي من الأمور التي يستحقّون الثناء عليها. يريد المهندسون بهذا التصعيد الخطير وغير المسبوق دقّ ناقوس خطر قد يعصف بقطاعات مهمّة بالبلاد، إذ تُعدُّ الهندسة من شرايين البلاد الرئيسيّة إن لم نقل أكثرها أهميّة خاصّة في ظلّ مرور العالم بجائحة الكوفيد 19. يشرف المهندسون على صيانة وتشغيل قطاع إنتاج الكهرباء، شبكات توزيع المياه والتطهير وعربات النقل-المترو والحافلات- وشبكات الاتّصال والأشغال العموميّة وحتّى قطاع الإحصاء. لا تحظى هذه الأنشطة باهتمام المتابع العاديّ لأنّها مستمرّة بسبب تفاني المهندسين المشرفين، رغم إمكانيّات الدولة المحدودة وما يتعرّضون له من صعوبات من المسيّرين الذين يعملون تحت إشرافهم والذين ينحدر أغلبهم من كليّات الحقوق والتصرف. فكم من مشروع حدّد المهندسون تصاميمه وتكلفته قصد تنفيذه وتمّ خفض ميزانيّته دون أدنى اعتبار لجهد من حضّروه؟
تعاني هذه الشريحة يوميّا خلال عملها بالقطاع العموميّ والخاصّ أيضا، ورغم كلّ ذلك بقوا على التزامهم تجاه الدولة والوطن ولم يُخلّوا بتاتا بواجباتهم. على الرغم من كلّ ذلك، واصلت الحكومات المتعاقبة الدوس على حقوقهم الماديّة والمعنويّة وأمعنتْ في تجاهلهم ومعاقبة صمتهم، لأنّ السياسييّن في البلاد يحبّذون الأصوات العنيفة والهمجيّة ويرفضون التعامل العقلانيّ والحضاريّ والايجابيّ للمهندسين.
فضيحة الأجور سبب رئيسيّ للاحتقان
شهدتْ جميع قطاعات الوظيفة العموميّة قريبا منذ ثورة 14 جانفي 2011 امتيازات نقديّة وعينيّة، إلاّ المهندسون. يكمن السبب الأوّل أنّهم ينتمون لوزارات متفرقة على عكس قطاعات أخرى: الأطبّاء لوزارة الصحّة والقضاة للعدل والأساتذة الجامعيّون للتعليم العالي. من جهة أخرى، لأنّهم غير ممثّلين بطريقة كافية في النقابات الخاصّة بالقطاعات التي ينتمون إليها ولا يشغلون مناصب قياديّة للدفاع عن منظوريهم. لذلك يتمّ استبعاد هذه الشريحة من المشاركة في الحوارات الاجتماعيّة أو السياسيّة الهادفة لإيجاد حلول للمشاكل العالقة، كما جعل مرتّب مهندس يقارب ما يتقاضاه عامل من ذوي الخبرة في بعض المؤسّسات العموميّة ويقلّ عنه في أحايين أخرى.
أمّا إذا قارنّا امتيازات المهندس التونسي مع نظيره الأجنبي، فإنّنا وضعيّته الحاليّة تعتبر في مرتبة «الفضيحة» إذ أنّه يتحصّل على ما بين 400 و600 دولار شهريّا، في حين يتقاضى المهندس المغربيّ أربعة أضعافه والأردنيّ ضعفه أما الأوروبيّ فلا مقارنة إذ يقارب ال4000 دولار. يمكن اعتبار ذلك نكرانا لتضحيات وجهود نخب تونسيّة بلغتْ أقصى درجات الاحتقان، وهو ما دفع 10 آلاف مهندس على ترك البلاد ما بين 2016 و2019. تتحمّل كلّ الهياكل الحاكمة هذا النزيف ووجب تغيير الوضع، إذا أردنا النهوض بالبلاد حقّا عبر ضمان حقوق المهندس وتشريكه فعليّا في إيجاد حلول للخروج بتونس من أزمتها.
أين قانون المهندس، ومتى تنظّمُ حقوقه وواجباته؟
تتداخل كفاءة المهندس ومهاراته مع مجالات عدّة منها التقنية والعلوم التطبيقيّة والصناعيّة، وتتمثّل مهمّته الأساسيّة في الإنتاج والابتكار وبالتالي وجب إدماجه فعلا في صنع القرار في تونس. إنّ المهندسين أشخاص استثنائيّون ومختصّون بمجالات معيّنة لكن يتمدّد مجال مسؤوليّاتهم إلى الإدارة والتسيير وتنظيم الأشغال. ورغم كلّ هذه المهارات التنظيميّة والإبداعيّة للمهندس، فإنّ الدولة التونسيّة عجزت على تنظيم قطاع الهندسة والتكوين الخاصّ بها، والدليل على ذلك عجز ومماطلة الحكومة على المصادقة على القانون الأساسيّ للمهندس الضامن لحقوقه وواجباته. يستكثر السيّاسيون على نخبتها قانونا قد يساهم في فرصة للمهندس على تنمية بلاده وتشريكه في استراتيجيّات الدولة، في ظلّ حاجة البلاد إلى إصلاح اقتصاديّ جذريّ سيكون قطاع الهندسة عموده الفقريّ. على سبيل المثال: من سيضع التنظيم اللّوجستيّ لوسائل النقل مثل الموانئ والمطارات والطرقات؟ من سيسيّر قطاعات الإنتاج بالمناجم والمنشآت البتروليّة وإنتاج الغاز والطاقات البديلة؟ من سيشرف على البرامج المعلوماتيّة والشبكات والانتقال الرقمي؟
ثلاث استفهامات من بين أخرى عديدة يحاول المهندسون إيجاد أجوبة شافية وتحرّكا جدّيا وتشاركيّا من قبل السلطات التونسيّة، لأنّ المهندسين التونسيّين لن يتنازلوا هذه المرّة على حقوقهم المشروعة وترسيخ دورهم القياديّ وذلك عبر تحسين وضعيّتهم الماليّة والمصادقة على قانون المهندس ما يضمن لهم كرامتهم وهيبتهم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا