كرة القدم زمن الانتقال الديمقراطي: تسلُّلُ الشخصي، جزاءُ المؤسساتــــي

كرة القدم معنيّة أيضا بالانتقال الديموقراطي. ظهرت اللعبة وتطورت في أتون الحداثة الغربية وفي أتون ديموقراطيتها

وكانت كرة القدم و لا تزال اختزالا للقيم الديمقراطية ولو في مخيال ممارسيها ومتابعيها، حتى و إن تمّ ذلك في غمرة الحماس والشغف التغافل عن ذلك أو نسيانه / تناسيه. هي لعبة لتجسيد قيم الجدارة والمساواة وهي اللعبة التي يظهر فيها تطبيق القانون والالتزام بالقواعد واحترامها الشرط الموضوعي لوجودها واستمراريتها. وهي علاوة على ذلك تجسد النشاط البشري الذي نجح في الآن نفسه في أن يُدمج إبداعات الفرد مع تضامن المجموعة، وهي اللعبة التي يمكن أن تُحرّك المصعد الاجتماعي وأن تُعطي للفقراء ولساكني الأحياء الشعبية إمكانية النجاح والبروز والأمثلة على ذلك عديدة. ولهذا يصل شغف الناس بكرة القدم حدودا سوريالية لا يمكن ضبطها. كرة القدم هي أحد الحلول الممكنة للصراع الطبقي.
كرة القدم زمن الانتقال الديمقراطي هي غير كرة القدم زمن الاستبداد. ستواجه اللعبة كغيرها من الأنشطة البشرية أسئلة الانتقال الديمقراطي وهي اللعبة الأكثر إثارة للاحتجاج وللتظلم وللنزاعات وللعنف الرمزي والمادي كذلك. كيف ستواجه كرة القدم مثل هذه الأسئلة؟ وكيف ستواجه الجهة المسؤولة على هذا النشاط وهي الجامعة التونسية لكرة القدم كل هذه التحديات؟

أوّل تحدّ يناسب اللعبة زمن الانتقال الديمقراطي هو أن تكون الجهة المسيرة لكرة القدم منتخبة بطريقة شفافة ونزيهة بعيدة عن التزكيات وعن التدخل المباشر لأي طرف كان. إذ منذ تأسيس الجامعة التونسية لكرة القدم في 1956 كان رئيس الجامعة وأعضاء المكتب التنفيذي لا يتولون المسؤولية خارج رضاء السلطة السياسية وتوجيهاتها والأسماء التي تولت هذا الهيكل كانت مُختارة بعناية فائقة ولا تخرج عن دوائر السلطة ورهاناتها السياسية المختلفة. أسماء مثل الشاذلي زويتن ومحمد مزالي وفؤاد المبزع والباجي المستيري وحمودة بن عمار وغيرهم دالة على تداخل بين الدولة والحزب وجامعة كرة القدم. ينطبق الأمر على النوادي وهيئاتها التسييرية أيضا.
والآن وقد شهدنا انتخابات جامعة كرة القدم مكتملة الصفات منذ 2012 ندخل مرحلة جديدة من حوكمة وإدارة اللعبة في زمن فيه المطالبة بالديمقراطية أقوى وفي زمن يشتدّ فيه الرهان حول اللعبة لمنافعها المادية والرمزية وفي زمن تتعمق فيه المساءلة وطنيا و دوليا. لقد أصبحت اللعبة ومعها كل الجهات المسيرة مكشوفة أمام الجميع بدرجات متفاوتة ومطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تكون شفافة في معاملاتها وتشاركية في تسييرها وجادة في تجسيد قيم اللعبة. ولهذا لم تسلم الجامعة الدولية لكرة القدم من هزات كبيرة في السنوات الأخيرة أطاحت برئيسها وببعض الأعضاء النافذين بتهم متعلقة بالفساد. جامعة كرة القدم في تونس لم تكن بمنأى عن المساءلة الرسمية للدولة والمساءلة الدولية وأثبتت شفافيتها في هذا المستوى. وقد سمحت انتخابات المكتب الجامعي لكرة القدم زمن الانتقال الديمقراطي بوجود شخصيات رياضية من آفاق متعددة و من أوساط اجتماعية مختلفة لم يكن متاحا لها ذلك خارج رهانات السلطة السياسية و تعليماتها.
علاوة على تحدّي الانتخابات النزيهة والشفافة زمن الانتقال الديمقراطي ثمة تحدّ آخر وهو تطبيق القانون بالتساوي بين الجمعيات الرياضية التي تشكل قاعدتها الأساسية والوحيدة. ولهذا تُثار حاليا وبشكل حاد قضية تجميد نادي هلال الشابة لإخلالات قانونية مثلما جاء في بيان جامعة كرة القدم، مع الإشارة إلى أنه في سنة 2018 وقع حرمان 23 ناديا رياضيا من اللعب في صنف الأكابر لعدم الالتزام بالإجراءات التأهيلية المطلوبة.

هل تعود المسألة فقط الى مجرد إخلال قانوني من طرف هلال الشابة بموجبه تمّ تجميد نشاطه؟
حصر المسألة فقط في جانبها القانوني لا يفي التحليل حقه طبعا. والجميع يعرف أن تجميد النشاط ناتج عن إخلال قانوني يُضاف إليه صراعات شرسة بين شخصي رئيس الجامعة ورئيس النادي. ووصول المسألة إلى هذا الحدّ واختزالها في شخصي رئيس الجامعة ورئيس النادي ناتج عن عدم القدرة على استيعاب أن المسالة تتعلق بمؤسسات سواء أكانت جامعة كرة قدم أو ناد رياضي. حصر الخلاف في بُعده الشخصي بالرغم من وجوده يحولُ إلى حدّ بعيد دون تصور المسألة كخلاف بين مؤسستين. وفي ازمنة الانتقال الديمقراطي غالبا ما يقع تحويل الخلافات المؤسساتية إلى خلافات شخصية، جهوية أو غيرها فالتمرين الديمقراطي هو بالأساس هو تمرين على وضع الخلافات في أُطرها المؤساساتية.

وفي أتون هذا الاشكال استعملت مقولات عديدة للمحاججة العلنية بما أن القضية أصبحت قضية رأي عام. تطبيق القانون وتساوي الجميع أمامه والمظلومية والانتماء الجهوي والرهينة والأمن الاجتماعي والسلم الأهلي وغيرها من المقولات التي وقع استعمالها بأساليب مختلفة و لغايات متباينة ، فهناك من استعمل البعد الجهوي مثلا للإساءة وهناك من استعمله دفاعا عن النفس. في كل الحالات خرج خطاب الأزمة عن بعده المؤسساتي لأن الذين يقومون بتأويل الصراع ينتمون لمشارب عديدة مفتوحة على السياسي.
في أزمنة الانتقال الديمقراطي هل نطبق القانون بصرامة تدفع مثلا إلى تجميد ناد رياضي بتداعياته الاجتماعية العديدة؟ ما العمل مثلا في مسألة الكامور وهي مسألة مشابهة؟ وكيف لنا ان نوائم بين تفعيل أسس هيبة الدولة وبين تحقيق المطلب الاجتماعي للشباب في الشغل؟
المسألة عويصة وشائكة وتتطلب الكثير من الجرأة والابداع والتسامي عن المناكفات كما تتطلب تفعيل آليات الوساطة التي لم نستطع إلى الآن جعلها ثقافة لفض النزاعات. وقد يكون ما حدث مع هلال الشابة منطلقا للتفكير الجدي في بلورة أسس للسياسات العامة للرياضة في تونس تستطيع في الآن ذاته العمل على انفاذ القانون واحترامه مع الانتباه إلى التداعيات الاجتماعية لتطبيقه.

ومع اقتراب صافرة النهاية تبقى المباراة مفتوحة على احتمالين:
فإما طريق مسدود نتيجة تسلل الشخصي أو آفاق أرحب في صورة الاحتكام إلى ترجيح المؤسساتي الذي يحتاجه الانتقال الديمقراطي الآن. وبين هذا وذاك هناك دوما فُرص سانحة لتجنّب الإقصاء...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا