كيف تٌواجه الرقمنة في عقر دارها ؟

• «الارقام مثل الناس . ان عذبوا كثيرا، نجعلهم يقولون أى شىء»
Didier Hallépée

بالفعل عندما تريد أن تٌمرّر قرار ما او ان تتمسك بإجراء غير معلّل بالقدر الكافي فإنه بامكانك الاعتماد على لغة الارقام المخاتلة عبر وضع استبيانات مٌوجّهة أو اخضاعها قسرا وفق المسار التي ترغب فيه...
فالاستبيان الأخير «للمركز الوطنى للتكنولوجيات في التربية» حول «التعليم عن بعد» لم يشذ عن هذه القاعدة مفضيا الى مجموعة من المخرجات الإحصائية المشوّهة للواقع الرقمى ببلادنا .
1 - الاستبيان من حيث السياق العام
على غرار جل البحوث الميدانية التي تستخدم آليات «الاستبيان» او غيرها من التقنيات الاستقصائية فإن جميعها تندرج ضمن سياق عام تتفاعل معه في اتجاهات متعددة سواء بالايجاب أو بالسلب.. نفس القاعدة تنطبق على استبيان «المركز الوطنى للتكنولوجيات في التربية» موضوع المقال .
فاللحظة التي وضع فيها الاستبيان على ذمة الأولياء لا يمكن فصلها اطلاقا عن المزاج العام التربوى المناوىء في جزء منه للرقمنة وذلك في سياق وبائى دولى استثنائى تتسابق دول العالم فيما بينها على كيفية الاستفادة القصوى من المزايا التفاضلية «للتعليم عبر الشبكة» كسلاح في حربها الحقيقية على الكوفيد ...
مزاج عام ترجمه دون أدنى لبس قرارات الوزارة بمناسبة العودة المدرسية 2020-2021 التي لم تأتى على ذكر «التعليم عن بعد» إلا عرضا، لنعاين انطلاق سنة دراسية جديدة تتجه نحو المجهول، مهددة بالتوقف في كل لحظة من قبل جهات ضاغطة معلومة ومؤثرة التي ترى في الرقمنة عدوا لدودا يهدد مجال نفوذها التقليدى...
اذا كيف لنا أن نفسر تزامن وضع هذا الاستبيان مع العودة المدرسية ؟ فان كانت مجرد مصادفة ألا يعطى هذا التوقيت بالذات انطباع عام بأنه شكل من أشكال إضفاء مشروعية احصائية للقرار الوزارى بعودة مدرسية دون رقمنة ؟
2 - الاستبيان من حيث المنهجية المٌتّبعة
من المفترض ان تؤمّن الاستبيانات عموما اجابات صريحة على أسئلة محددة والأهم من ذلك أن تٌعبّر عن الإرادة الحرة للفئة المستوجبة دون قيد أو شرط .. غير ان الاستبيان الذى أجراه المركز وقع في العديد من المطبات المنهجية الجوهرية، من أبرزها :
- أولا ربط هذا «الاستبيان» بعملية «التسجيل المدرسى» حيث ورد في مطلع الاستبيان باللون الأحمر « يتوجّب عليكم الإجابة على الاستبيان لمواصلة عملية التسجيل « بما يشكله ذلك من مساس بشرط الإرادة الحرة التي يجب ان تتوفر في استبيان جيد يخلص إلى نتائج أقرب إلى الواقع قادرة على بناء سياسات عمومية استشرافية في المجال التربوى.. فالبحث عن عددا قياسي للمستوجبين على حساب انخراطهم الطوعي في هذه العملية ينحرف بالاستبيان من دوره كمحرار قيس للتوجهات العامة الحقيقية للمستوجبين إلى مجرد استمارة ينبغي تعميرها بأية طريقة كانت دونها يستحيل عليك اتمام عملية تسجيل ابنك أو ابنتك !؟ الم يكن من الحري حرصا على مصداقية الاستبيان ان يقدم دون قيد او شرط اجرائي مسبق يجعل من الأجوبة المقدمة صادرة عن إرادة حرة لا تشوبها شائبة ؟
- ثانيا الصنف الاستبيانى المتبع غير واضح بما فيه الكفاية حيث جاء في شكل خليط جامع للأصناف الثلاث المتعارف عليها في الاستبيانات ( المفتوح – المغلق – المتعدد ) بما يٌعقّد عملية الإجابة لدى المستوجب العادى الغير معتاد على مثل هذه الاستبيانات ذات الطابع التقنى بامتياز.
ألم يكن من المتاح مواءمة صنف الاستبيان وفق الطبيعة الفسيفسائية للمستوجبين عبر اعتماد مقاربة مبسطةعند التصميم ؟
3 - الاستبيان من حيث طبيعة الأسئلة المطروحة
من خلال الاسئلة الثمانية التي تضمنها الاستبيان، يمكننا ابداء عدد من الملاحظات في مستوى الصياغة والطرح، أبرزها :
- بخصوص السؤال عدد 2 من الاستبيان : هل تتمتع بخدمات الانترنت بالمنزل ؟
نعتقد انها لم تكن بالدقة المطلوبة مما ادى الى بروز نسب مجافية تماما للواقع سنأتى على ذكرها فيما بعد .. فعبارة «خدمات الانترنت» جاءت فضفاضة غير محددة باعتبار أنها لا تقتصر فقط على خدمة الارتباط بالشبكة بل تتسع على حزمة من الخدمات الاخرى التي يسديها «مزودى خدمات الانترنت» لحرفائه منها على سبيل المثال لا الحصر البريد الألكترونى الشخصى، وتصميم موقع ألكترونى خاص بالحريف، وخزن لمعطياته ضمن منظومة «الحوسبة الألكترونية» الخ ، كما أن الارتباط بالشبكة لم يعد اليوم رهين توفر حاسوب وجهاز ويفي، فالهواتف الذكية المكتسحة لبيوتنا تشتغل ضمن تقنيات ارتباط مرنة لا تحتاج الى شبكة الهاتف القار.
- بخصوص السؤال عدد 3 من الاستبيان : هل تدفق الانترنت بجهتك عال – متوسط – ضعيف ؟
يعتبر من بين المؤشرات التقنية بامتياز التي لا يمكن للمستوجب العادى الحسم في شانها، فمستوى التدفق يختلف داخل الجهة نفسها وعلى مدار اليوم الواحد فيرتفع او ينخفض حسب ضغط الطلب على الشبكة وسعة تدفقها .
- بخصوص السؤال عدد 4 من الاستبيان : هل تابع ابنك/ ابنتك دروسا عن بعد ؟
ما المقصود بالدروس عن بعد ؟ سؤال قد تستعصى الاجابة عنه حتى من قبل المختصين في الشأن التربوى ..فالدروس عن بعد لدى العديد منا يتمثل حصرا في متابعة «الدروس عبر شبكة الانترنت» في حين أنها تتسع الى أكثر من منظومة تواصل تربوى (التعليم عبر التلفاز ، البريد الالكترونى أو الشبكة الخ) .
فالاستخدام المكثف لمثل هذا اللفظ المركب في العديد من الاسئلة المٌضّمنة بالاستبيان يطرح أكثر من نقطة استفهام خاصة في علاقة بالمهمة المناطة «للمركز الوطنى للتكنولوجيات في التربية» المتمثلة أساسا في تطوير وتعميم المحامل والمنصات الرقمية ذات الاستخدام التربوى ...
4 - الاستبيان من حيث الأرقام المٌعلنة
حتما عندما تكون مقدمات الاستبيان مشوشة ومفروضة فرضا على المستوجب ستكون المخرجات الاحصائية منسلخة تماما عن مفردات الواقع الرقمى ببلادنا.. فالاعلان بان نسبة 71 بالمائة من تلامذة الابتدائى لا يتمتعون بالانترنت في بلادنا التي خلص اليها الاستبيان جاءت في معارضة تامة مع تقارير «الهيئة الوطنية للاتصالات» التي تشير إلى أن نسبة الارتباط بشبكة الانترنت ببلادنا تتعدى 50 بالمائة، كما أن العديد من الدراسات الجدية تؤشر الى نسبة وصولية taux de pénétration في حدود 64 بالمائة (موفي شهر جانفي المنقضى) وأن مستوى الارتباط عبر الموبايل connexions mobiles ناهز 17.77 مليون الى حدود شهر جانفي من هذه السنة بنسبة تعادل 151 ٪ مقارنة بعدد السكان الجملى...
بالنهاية، كنت أتوقع أن تبادر هذه المؤسسة قبل غيرها باجراء تقييم شامل ومعمق لتجربة التعليم عن بعد – بأشكاله المتعددة – داخل الوسط التربوي أثناء فترة «الحجر الصحى الشامل» للدفع بها إلى الإمام وليس لجرها للخلف من خلال وضع «استبيان مشروط» أفضى إلى نتائج رقمية أقل ما يقال عنها أنها مجافية للواقع تبعث برسائل سلبية عن مستقبل رقمنة المنظومة التربوية في بلادنا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا