متى نتصالح مع أنفسنا؟ متى نتصالح مع مؤسساتنا؟

بقلم: هالة علولو
محامية وناشطة سياسية
طيلة عقد كامل عاشت تونس تحت وقع الانقسامات، سياسية كانت ام اجتماعية. بدأت بتقسيم الثوري المعارض والموالي للنظام السابق، ثم سرعان ما أصبح التقسيم مسلم

ضد كافر وكلمة ضد لها دلالات هامة. ثم ظهرت نعوتات أخرى افرزت تقسيمات مختلفة: وطني وخائن، نظيف الأيدي وفاسد... ومنذ ذاك الوقت والانقسامات تغذي الكراهية والاحتقان، والنتيجة نراها يوميا في شوارعنا وفي المنابر الإعلامية واليوم وصلت الى مؤسساتنا فبرلماننا تحول الى حلبة معارك ودولتنا مفككة. حتى الخوف من الوباء لم يعد سببا لهدنة سياسويّة كما كان الحال في بداية الأزمة الصحية بل على العكس تخيم الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الصحية بظلالها على المشهد السياسي.

اليوم ونحن نستعد لمناقشة قانون المالية الجديد، سؤال يطرح نفسه: من يعطي التوجهات الاقتصادية الكبرى لقانون المالية؟
غياب أية هيئة تعنى بالتوجهات الاقتصادية أمر فريد من نوعه في الديمقراطيات والغرابة أكبر عندما نتعمق في المشهد السياسي وفي حالة عدم الاستقرار الحكومي. فمنذ سنين لم يعد لدينا مجلس اقتصادي واجتماعي. وعندما طرح الأمر على المجلس التأسيسي فضل النواب أنذاك تسمية الهيئة الدستورية «هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة» لا لشيء الّا للابتعاد عن التسمية التي اختارها الرئيس بن علي قبل الثورة. ثم ارتكازا على التسمية الجديدة تم افراغ الهيئة من دورها الاستشرافي في تحديد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية. وفي الأثناء تم إقرار مجلس الحوار الاجتماعي ولكن هذا الأخير أوكلت له مهمة ابداء الرأي في مشاريع القوانين المحالة للمجلس وتم الاستغناء عن الاستشارة المسبقة لإحالة مشاريع القوانين. السبب الوحيد في غياب استراتيجية وطنية للتوجهات الاقتصادية أن النظام السابق هو الذي قام ببعث المجلس الاقتصادي والاجتماعي مثل باقي الدول. ونتساءل الى متى سنرفض التصالح مع مؤسساتنا لمجرد أنها خضعت لسلطة نريد القطع معها؟

والمثال لا يقتصر على المجلس الاقتصادي والاجتماعي بل أن الأزمة تشمل عددا كبيرا من الإدارات والمؤسسات مثل المؤسسة القضائية والمؤسسة الأمنية وغيرها...اليوم يجب أن نجد الشجاعة اللازمة لتصفية المناخات وتهدئة كل أشكال الاحتقان داخل الإدارة ورد الاعتبار لأبنائها. الانقسام الذي كان يمثّل في وقت ما نوعا من الحيوية الايجابية في مجتمعنا المتغير، أصبح اليوم حاجزا للتقدم ويتسبب أحيانا في التراجع الى الوراء على نهج الاصلاح والديمقراطية.

من يدير مؤسسات الدولة هو الموظف التونسي الذي ضمن استمرارية الدولة بعد الثورة، وهو مواطن تونسي فمتى نتصالح مع أنفسنا ونترك خلفنا الانقسامات والتشكيك والتخوين؟
متى نعتبر الماضي انارة للمستقبل ونركز على الآتي عوض الماضي ونصلح ما بأنفسنا دون القاء المسؤولية على ما مضى؟
متى نتصالح مع مؤسساتنا لنبني مستقبلنا معا، تونسيون تجمعنا الوطنية ونتعايش بلا كراهية؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا